
ـ شكرًا إنك اتكلمت من غير ما تحول الموضوع لخناقة.
في الليلة دي، لأول مرة من وقت طويل، حسيت إننا بنبني حاجة حقيقية.
لكن الاختبار الأصعب جه يوم السبوع اللي كنا أجلناه.
قررنا نعمل مناسبة بسيطة في البيت بعد ما مريم بقت أحسن، ونعزم أهلنا المقربين بس.
مريم كانت موافقة، وبدأنا نرتب كل حاجة مع بعض.
أنا جبت مستلزمات السبوع، وهي اختارت لبس البيبي، وحماتي عرضت تساعدنا في الأكل، وأمي قالت إنها هتعمل جزء من الحلويات اللي بتحبها.
كنت فرحان إن العيلة أخيرًا هتجتمع من غير مشاكل.
قبل المناسبة بيوم، نزلت أجيب شوية حاجات ناقصة، ولما رجعت، لقيت أمي قاعدة في الصالة مع مريم، وقدامهم أكياس كتير.
أمي كانت بتقول:
ـ أنا شايفة إننا نعمل السبوع في الدور الأول، عشان الصالة عندي أوسع، والناس كلها هتبقى تحت، ومريم تقدر تطلع ترتاح فوق.
مريم ردت بهدوء:
ـ إحنا متفقين إن السبوع هيكون هنا يا طنط، والناس عددهم قليل، ومش محتاجين ننقل كل حاجة.
أمي قالت:
ـ بس أنا مجهزة بيتي، وجايبة زينة، ومش عايزة تعبك يزيد. أنا بعمل ده عشانكم.
مريم شكرتها، لكنها وضحت إنها مش عايزة تغير الخطة في آخر لحظة.
دخلت، ولما شافتني أمي قالت:
ـ كويس إنك جيت يا أحمد. قول لمراتك إننا هننزل السبوع تحت، عشان كل حاجة تبقى جاهزة.
بصيت لمريم، وبعدها لأمي.
كنت أقدر أوافق وأخلص الموضوع في دقيقة، لكني كنت عارف إن الموافقة دي هترجعنا لنفس الدائرة.
قلت:
ـ يا أمي، إحنا اتفقنا إن السبوع هنا. لو حابة تساعدينا، أهلاً وسهلاً، لكن مش هنغير المكان في آخر لحظة.
وش أمي اتغير.
ـ يعني أنا تعبت وجهزت كل ده على الفاضي؟
قلت:
ـ لا يا أمي، تعبك مش على الفاضي. ممكن نستخدم الحاجات اللي جبتيها هنا، وممكن نحتفل عندك في مناسبة تانية. لكن النهارده إحنا هنمشي على الاتفاق اللي عملناه.
أمي بصت لمريم، وبعدها قامت وهي متضايقة.
ـ براحتكم. أنا مش هتدخل تاني.
نزلت للدور الأول، وسمعنا باب شقتها بيتقفل بقوة.
مريم بصتلي بقلق.
ـ أنا مش عايزة أكون سبب في زعلها يا أحمد.
قعدت جنبها وقلت:
ـ إنتِ مش السبب. إحنا اتفقنا على حاجة، وأنا مش هكسر اتفاقي معاكي كل مرة عشان أتجنب زعل حد.
قالت:
ـ بس هي أمك.
قلت:
ـ وعشان هي أمي، هفضل أحترمها وأساعدها. لكن ده مش معناه إن كل قرار في بيتنا لازم يكون على مزاجها.
مريم سكتت، وبعدها قالت:
ـ أنا كنت محتاجة أسمع منك الكلام ده من زمان.
في يوم السبوع، البيت كان مليان ضحك وفرحة.
حماتي وصلت بدري وساعدت مريم في ترتيب الحاجات، وأنا كنت بنقل الكراسي وأجهز المكان.
أمي ما طلعتش في البداية، رغم إني كنت نازل لها أكتر من مرة أدعوها تيجي.
كنت عارف إنها زعلانة، لكني ما حبيتش أضغط عليها.
قبل ما الضيوف يوصلوا، طلعت مريم من الأوضة وهي لابسة فستان بسيط، وشايلة ابننا بين إيديها.
وقفت قدام المراية، وعدلت غطاءه الصغير، وبعدين بصتلي وقالت:
ـ إنت شايفه حلو؟
ابتسمت وقلت:
ـ ده أحلى طفل في الدنيا.
ضحكت وقالت:
ـ طبعًا هتقول كده، ده ابنك.
قلت:
ـ وابنك إنتِ كمان، وأجمل حاجة حصلت في حياتنا.
قربت منها، وبصيت لابني اللي كان نايم بهدوء.
قلت لها:
ـ أنا عارف إن الفترة اللي فاتت كانت صعبة، وعارف إني وجعتك. بس أنا مش عايز اليوم ده يكون مجرد سبوع وخلاص. أنا عايزه يبقى بداية لمرحلة جديدة، نعرف فيها نحافظ على بيتنا وعلى أهلنا من غير ما نظلم بعض.
مريم بصتلي وقالت:
ـ أتمنى يا أحمد. أنا نفسي أعيش مرتاحة معاك، ونربي ابننا في بيت فيه حب واحترام، مش خوف وزعل.
قلت:
ـ وده اللي هحاول أعمله كل يوم، مش النهارده بس.
بعد شوية، الضيوف بدأوا يوصلوا، والبيت امتلأ بالتهاني والضحك.
كنا بنحتفل بابننا، ومريم كانت قاعدة مرتاحة، وكل ما تتعب شوية كنت باخد الطفل منها وأخليها تستريح.
ولما حد كان يسألها عن الولادة، كنت بتدخل وأقول إنها محتاجة تهتم بصحتها، وإنها لسه بتتعافى.
ما كنتش بعمل ده عشان أثبت إني زوج مثالي، لكن عشان فهمت أخيرًا إن الوقوف جنب مراتي مش مِنّة، وإن رعاية ابني مش مساعدة بعملها لها، دي مسؤوليتي.
في نص الاحتفال، الباب خبط.
فتحت، ولقيت أمي واقفة، وفي إيدها علبة كبيرة، ووشها متردد.
بصتلي وقالت:
ـ هو أنا لسه ملحقتش السبوع؟
ابتسمت وقلت:
ـ لسه بدري يا أمي، اتفضلي.
دخلت، وسلمت على الناس، وبعدها قربت من مريم.
قالت لها:
ـ ألف مبروك يا بنتي، ربنا يبارك لكم فيه.
مريم ابتسمت وقالت:
ـ الله يبارك فيكي يا طنط.
أمي فتحت العلبة، وطلعت منها بطانية صغيرة كانت مطرزاها بإيدها، وعليها اسم ابننا.
قالت:
ـ أنا عملتها له من فترة، وكنت مستنية اليوم ده عشان أديهالك.
مريم أخدتها بحب وقالت:
ـ جميلة أوي، تسلم إيدك.
أمي سكتت شوية، وبعدها قالت بصوت واطي:
ـ وأنا كمان عايزة أقول لك حاجة يا مريم.
الناس كانت مشغولة بالاحتفال، فمريم قربت منها عشان تسمعها.
أمي قالت:
ـ أنا اتعصبت عليكي يوم ما كنتِ تعبانة، وما فكرتش إنك لسه خارجة من عملية. كنت فاكرة إني لما أضغط عليكي هتقدري تقومي وتعملي كل حاجة، زي ما أنا كنت بعمل زمان. بس يمكن نسيت إن الزمن اتغير، وإن كل واحدة ليها ظروفها.
مريم فضلت ساكتة.
أمي كملت:
ـ أنا مش هقول لك إني ما زعلتش لما خرجتي من البيت، لكن أنا كمان غلطت لما خليتك تحسي إنك مش مرحب بيكي. سامحيني يا بنتي.
عيني مريم اتمليت بالدموع.
قالت:
ـ أنا مسامحاكي يا طنط، ونفسي نبدأ من جديد. بس خلينا دايمًا نفتكر إننا عيلة واحدة، وإن محدش فينا محتاج يكسب على حساب التاني.
أمي هزت راسها، وبعدها حضنتها بحذر، ومريم ردت الحضن.
وأنا كنت واقف بعيد شوية، بتفرج عليهم وأنا حاسس إن قلبي أخيرًا بدأ يهدى.
بعد ما الضيوف مشيوا، والبيت رجع هادي، قعدت أنا ومريم في الصالة، وابننا نايم في سريره الصغير.
قلت لها:
ـ فاكرة أول يوم رجعتي فيه البيت بعد المستشفى؟
ضحكت وقالت:
ـ أنساه إزاي؟
قلت:
ـ أنا كنت فاكر إن المشكلة كلها في السبوع، وإن لو عملناه وخلاص، الدنيا هترجع طبيعية.
مريم بصتلي وقالت:
ـ وأنا كنت فاكرة إنك مش هتفهمني أبدًا.
مسكت إيدها وقلت:
ـ أنا اتعلمت إن البيت مش بيتبني بالحيطان، ولا بالأثاث، ولا حتى بالمناسبات اللي بنفرح فيها قدام الناس. البيت بيتبني لما كل واحد يحس إن له مكان، وإن تعبه مسموع، وإن كرامته محفوظة.
مريم ابتسمت وقالت:
ـ وأهم حاجة، لما نختلف، ما نسيبش حد يدخل بينا ويخلينا ننسى إننا فريق واحد.
هزيت راسي.
ـ أوعدك.
قالت وهي بتبص لابننا:
ـ مش عايزاك توعدني إننا مش هنتخانق، لأن أي اتنين ممكن يختلفوا. أنا عايزاك توعدني إننا لما نختلف، هنفتكر إننا بنحب بعض، وإن الحل مش إن واحد فينا يكسر التاني.
بصيت لابني، وبعدها رجعت بصيت لها.
ـ أوعدك إني هحاول كل يوم أكون الزوج والأب اللي تستحقيه.
في اللحظة دي، ابننا اتحرك في سريره وبدأ يعيط.
قمت بسرعة وشيلته، ومريم ضحكت وهي بتقول:
ـ بالراحة عليه يا أحمد، إنت لسه بتتعلم.
قلت وأنا بحاول أهديه:
ـ أهو بنتعلم سوا.
فضلت مريم تبص لنا، وبعدها مدت إيدها ومسكت إيدي الفاضية.
ولأول مرة من يوم ما رجعنا من المستشفى، حسيت إننا مش مجرد اتنين بيحاولوا ينسوا مشكلة حصلت.
كنا فعلًا بنبدأ حياة جديدة.
حياة عرفنا فيها إن الأم ليها مكانتها، والزوجة ليها كرامتها، وإن الابن مش مطلوب منه يختار واحدة ويخسر التانية، لكنه مطلوب منه يكون عادل، ويعرف إمتى يسمع، وإمتى يعتذر، وإمتى يقول إن ده بيته ودي مسؤولية لازم يحافظ عليها.
ومريم، اللي خرجت من بيتها يومها وهي شايلة ابنها ووجعها في قلبها، رجعت وهي عارفة إن صوتها بقى مسموع، وإنها مش مطالبة تثبت حبها بالتعب، ولا تثبت احترامها بالتنازل عن حقها.
أما أنا، ففضلت كل ما أبص على صورة السبوع اللي اتأجل أسبوعين، أفتكر إن المناسبة اللي كنت خايف تتأجل، كانت أقل بكتير من حاجة أهم كنا ممكن نخسرها.
كنت ممكن أكسب رضا الناس يومها، وأخسر ثقة مراتي فيا.
لكن ربنا اداني فرصة أصلح غلطي قبل ما يبقى الندم أكبر من قدرتي على الاحتمال.
وبعد شهور، في ليلة كان ابننا فيها تعبان شوية من المغص، صحيت على صوت مريم وهي بتحاول تهديه.
قمت من السرير، وخدته منها، وقلت لها:
ـ نامي إنتِ، أنا هفضل معاه.
بصتلي بابتسامة نعسانة وقالت:
ـ متأكد إنك هتعرف؟
ضحكت وقلت:
ـ حتى لو ما عرفتش من أول مرة، هتعلم.
رجعت نامت، وفضلت أمشي في الصالة بابني بين إيديا، أهدهده وأكلمه بصوت واطي.
بعد شوية، الباب خبط.
كانت أمي، جاية تطمن عليه، ومعاها شوية أكل لينا.
بصتلي وأنا شايله وقالت:
ـ هاته يا أحمد، أريحك شوية.
ابتسمت وقلت:
ـ تسلمي يا أمي، بس أنا قادر. مريم نايمة ومحتاجة ترتاح.
أمي بصتلي، وبعدها ابتسمت وقالت:
ـ ربنا يقويك يا ابني. خلي بالك منهم.
دخلت المطبخ تحط الأكل، وأنا كملت أمشي بابني في الصالة.
ما كانش فيه خناقة، ولا حد بيحاول يثبت إنه صاحب الكلمة الأخيرة.
كانت مجرد ليلة عادية في بيت عادي، لكن بالنسبة لي كانت أكبر دليل إننا اتعلمنا أخيرًا نعيش مع بعض من غير ما نحول الحب لمعركة، ولا المسؤولية لعبء، ولا الاختلاف لحرب.
وبينما كنت ببص لوش ابني الصغير وهو بيبدأ يغمض عينيه، سمعت صوت مريم من الأوضة:
ـ أحمد، هو نام؟
بصيت له وابتسمت.
ـ أيوه يا حبيبتي، نام.
قالت بصوت هادي:
ـ طب تعالى نام إنت كمان، بكرة يوم جديد.
دخلت الأوضة، وحطيت ابني في سريره، وبعدها قعدت جنب مريم.
مسكت إيدها، وهي سندت راسها على كتفي.
ما احتجناش نتكلم كتير.
كان كفاية إننا بقينا فاهمين إن الحب الحقيقي مش إننا ما نغلطش أبدًا، لكنه إننا لما نغلط، نكون مستعدين نعترف، ونصلح، ونحافظ على اللي بينا.
وفي البيت اللي كان يومًا مليان زعل بسبب سبوع اتأجل، رجعت الضحكة تعيش من جديد.
أما السبوع نفسه، ففضل في ذاكرتي مش باعتباره يوم الفرح بابني، لكن باعتباره اليوم اللي فهمت فيه إن أول واجب على الأب مش إنه يرضي كل الناس، ولا إنه يثبت إن كلمته هي اللي تمشي.
أول واجب عليه إنه يحافظ على بيته، ويصون كرامة مراته، ويكون سند لابنه، ويبر أمه من غير ما يظلم حد.
ومن يومها، كل ما حد يسألني عن سر راحة البيت، بفتكر إن أوقات كتير المشكلة مش بتكون في الخلاف نفسه، لكن في الطريقة اللي بنتعامل بيها مع بعض وإحنا مختلفين.
لأن كلمة قاسية ممكن تخرج إنسان من بيته وهو لسه شايل جرحه، وكلمة طيبة ممكن تفتح باب كان الكل فاكر إنه اتقفل للأبد.
والأهم من كل ده، إن محدش لازم يستنى لما يخسر أغلى الناس عشان يعرف قيمتهم.
أنا اتعلمت الدرس ده متأخر شوية، لكني اتعلمته قبل فوات الأوان.
والحمد لله، ابني كبر في بيت أمه فيه مطمنة، وأبوه موجود، وجدته قريبة منه، وكل واحد فينا بقى عارف إن المحبة مش معناها السيطرة، وإن الاحترام مش معناه السكوت عن الوجع، وإن العيلة الحقيقية هي اللي بتعرف تحافظ على بعضها من غير ما تطلب من حد فيهم يختفي عشان التاني يرتاح.
وده كان أكبر فرح ليا، أكبر من السبوع، وأكبر من كل الزينة والحلويات والضيوف.
إن ابني يفتح عينيه على بيت فيه رحمة، وأمه تقدر تبتسم وهي مطمنة، وأمي تفضل أمي اللي بحبها وأبرها، من غير ما يكون حب واحدة فيهم سبب في وجع التانية.
وفي آخر كل ليلة، لما كنت أطفي النور وأسمع نفس ابني الهادي، كنت أبص لمريم وأقول لها:
ـ الحمد لله إنك صبرتي عليا واديتيني فرصة أفهم.
فتبتسم وترد:
ـ الحمد لله إنك فهمت قبل ما نخسر بعض.
وساعتها كنت أعرف إن في حاجات كتير في الدنيا ممكن تتأجل، وممكن تتغير مواعيدها، وممكن نستنى عليها أسبوع أو شهر أو أكتر.
لكن راحة الإنسان اللي بتحبه، وكرامته، وإحساسه بالأمان جنبك، دول ما ينفعش يتحطوا في آخر القائمة أبدًا.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




