
فجأة، اتفتح الباب الجانبي، ودخلت نادين ومعاها ملف أبيض.
قربت مني وهمست:
«كل الأعضاء وصلوا يا فندم.»
هزيت راسي.
نادين رجعت مكانها، وبعدها قام المستشار القانوني وقال:
«السادة أعضاء مجلس الإدارة، قبل ما نبدأ، أحب أرحب بحضراتكم في الاجتماع الاستثنائي لمراجعة الوضع المالي والتعاقدي لشركة لومينا تك.»
سلسبيل رفعت إيدها وقالت:
«قبل ما نبدأ، أنا عندي اعتراض. شركتنا ملتزمة بكل تعاقداتها، وأي تأخير في الموافقات هيضر بسمعتنا في السوق.»
المدير المالي رد بهدوء:
«اعتراضك هيتسجل يا أستاذة سلسبيل، لكن لازم نسمع نتائج المراجعة الأول.»
سلسبيل ضيقت عينيها.
«أنا مديرة الشركة، وأعرف أرقامها كويس.»
المستشار القانوني قال:
«وده سبب وجودك النهارده، علشان توضحي بعض النقاط اللي وردت في التقرير.»
عادل مال ناحيتها وهمس:
«ماتقلقيش. اتكلمي بثقة.»
سلسبيل فتحت ملفها وبدأت ترتب أوراقها.
وفي اللحظة دي، دخلت أنا من الباب الرئيسي.
كل اللي في القاعة وقفوا احترامًا.
المدير المالي وقف وقال:
«صباح الخير يا فندم.»
رديت بابتسامة هادية:
«صباح الخير. اتفضلوا اقعدوا.»
قعد أعضاء المجلس، بينما عادل فضل واقف للحظات، بيبصلي بذهول.
سلسبيل رفعت عينيها ناحيتي، ووشها اتجمد.
أنا مشيت لحد الكرسي الموجود في رأس الترابيزة، حطيت التابلت قدامي، وفتحت الملف اللي كان مستنيني.
وبعدين رفعت عيني ناحية سلسبيل وقلت:
«صباح الخير يا أستاذة سلسبيل. أتمنى تكوني مستعدة للإجابة عن كل الأسئلة اللي هتتطرح النهارده.»
عادل فتح بقه، لكنه ماقدرش يتكلم.
بصلي، وبص لأعضاء المجلس اللي كانوا مستنيين إشارتي علشان يبدأوا الاجتماع، وبعدها رجع بصلي تاني.
«هنا؟»
صوته خرج ضعيف، كأنه مش مصدق إن الست اللي كان بيزعق لها في المطعم من أقل من أربع وعشرين ساعة، هي نفسها الست اللي كل الموجودين بيستنوها علشان تتكلم.
أنا ماجاوبتوش.
وجهت كلامي للسكرتيرة:
«ابدئي بعرض التقرير الأول.»
الشاشة الكبيرة اشتغلت، وظهرت عليها بيانات شركة لومينا تك خلال آخر تمنتاشر شهر.
الإيرادات، المصروفات، الالتزامات، القروض، والعقود الجديدة.
كل رقم كان بيظهر قدامه رقم تاني بيوضح الفرق بين المعلن والحقيقي.
المدير المالي بدأ يشرح:
«زي ما حضراتكم شايفين، الشركة حققت نمو ظاهري في الإيرادات خلال النصف الأول من السنة، لكن بعد مراجعة الفواتير والتحصيلات، اتضح إن جزء من الإيرادات دي مرتبط بعقود لسه ما اتنفذتش بالكامل، وفيه مبالغ اتسجلت قبل استحقاقها.»
سلسبيل قاطعته:
«ده تفسير غير دقيق. العقود كانت موقعة، وكان فيه جدول زمني واضح للتحصيل.»
رد المدير المالي:
«إمضاء العقد مش معناه إن الإيراد كله يتحسب في نفس الفترة. وده موضح في الملاحظات المحاسبية.»
سلسبيل فتحت ملفها بسرعة.
«أنا عندي مستندات تثبت إن كل الإجراءات تمت بموافقة الإدارات المختصة.»
قلت بهدوء:
«ممتاز. هنراجع المستندات دي واحدة واحدة.»
اتعرضت الصفحة التانية، وظهرت مجموعة تحويلات مالية لشركات وسيطة.
المستشار القانوني قال:
«الشركات دي حصلت على دفعات مقدمة مقابل خدمات استشارية وتسويقية، لكن المراجعة ماقدرتش تثبت وجود خدمات فعلية بالقيمة المسجلة.»
سلسبيل رفعت صوتها:
«أنا مش مسؤولة عن كل فاتورة صغيرة في الشركة! عندي مديرين وإدارات، وكل واحد مسؤول عن شغله.»
سألتها:
«مين وافق على التحويلات؟»
اترددت للحظة.
«الإدارة المالية.»
المدير المالي فتح ورقة قدامه وقال:
«التحويلات تمت بناءً على تعليمات مكتوبة من مكتب الإدارة التنفيذية، ومرفق بيها توقيع حضرتك.»
سلسبيل اتلخبطت.
«مستحيل.»
مد لها المستشار القانوني نسخة من المستندات.
فضلت تقلب فيها بسرعة، لحد ما وقفت عند صفحة معينة.
وشها اتغير.
عادل كان بيتابعها، وبدأ يفهم إن الموضوع أكبر من مجرد تأخير في دفع مستحقات.
همس لها:
«إيه الحكاية يا سلسبيل؟»
ردت من بين أسنانها:
«اسكت دلوقتي.»
لكنها ماكنتش قادرة تخفي ارتباكها.
أنا سبتها تاخد وقتها، وبعدها قلت:
«أستاذة سلسبيل، إحنا مش هنا علشان نحكم على حد قبل ما نسمع رده. لكن عندنا مسؤولية تجاه المستثمرين والموظفين وكل جهة متعاقدة مع المجموعة. المطلوب منك تفسير واضح للتحويلات دي.»
سلسبيل رفعت رأسها، وحاولت تستعيد ثقتها.
«أنا بشتغل في السوق من سنين، وسمعتي معروفة. مستحيل أعرّض الشركة للخطر. التحويلات دي كانت جزء من خطة توسع، والشركات الوسيطة دي بتتعامل معانا من فترة طويلة.»
سألتها:
«عندك عقود خدمات مفصلة؟»
«أيوه.»
«تقارير تنفيذ؟»
سكتت.
«فواتير ضريبية متطابقة مع قيمة الخدمات؟»
قلبت ورقة تانية.
ماكانش فيه رد.
عادل بدأ يتحرك في كرسيه بعصبية.
وبعدين، كأن الحقيقة وصلت له فجأة، وقف وقال:
«استنوا بس. أكيد فيه سوء تفاهم. سلسبيل مستحيل تعمل حاجة غلط، وأنا أعرفها كويس.»
بصيت له لأول مرة من بداية الاجتماع.
«أنت تعرفها كويس على أي أساس يا عادل؟»
اتوتر.
«أنا… أنا جوزها.»
قلت بنفس الهدوء:
«وده مالوش علاقة بالمستندات اللي بنتراجعها.»
وشه احمر.
«بس أنا عارف إنها إنسانة ناجحة ومحترمة.»
رديت:
«محدش قال غير كده. وإحنا مش بنناقش حياتها الشخصية. إحنا بنناقش قرارات إدارية وأرقام مالية.»
قعد عادل ببطء، وبص للأرض.
كان واضح إنه بدأ يستوعب إن الكلام اللي كان بيقوله عن النجاح والمكانة، مش هيقدر يحميه من ورقة عليها توقيع.
استمر الاجتماع أكتر من ساعة.
كل مرة سلسبيل تحاول تقدم تفسير، كان بيظهر مستند جديد محتاج توضيح.
وفي نهاية العرض، المدير المالي أعلن إن الشركة عندها التزامات مستحقة أكبر من السيولة المتاحة، وإن استمرار الإنفاق بنفس الطريقة ممكن يعرضها لعجز عن سداد بعض مستحقاتها خلال أسابيع.
واحد من أعضاء المجلس سأل:
«إيه الحل المقترح؟»
رد المدير المالي:
«تجميد التوسعات غير الضرورية، وإيقاف أي تعاقدات جديدة لحين انتهاء المراجعة، وإعادة تقييم الإدارة التنفيذية، مع وضع خطة سداد واضحة للموردين.»
سلسبيل قامت من مكانها.
«يعني إيه إعادة تقييم الإدارة التنفيذية؟ أنا اللي بنيت الشركة دي!»
قلت:
«محدش بينكر مجهودك السابق. لكن النجاح السابق مش إعفاء من المسؤولية الحالية.»
بصتلي بغضب.
«إنتي مش فاهمة طبيعة السوق. القرارات اللي زي دي ممكن تدمر سمعة الشركة.»
رديت:
«والقرارات اللي بتتخذ من غير رقابة ممكن تدمر الشركة نفسها.»
سادت القاعة حالة من الصمت.
بعدها أعلنت قرار المجلس بتجميد التوسعات الجديدة، وتكليف لجنة مستقلة بمراجعة العقود والتحويلات، وإيقاف صلاحيات اعتماد المدفوعات الكبيرة بصورة مؤقتة لحين اكتمال المراجعة.
سلسبيل بصت لأعضاء المجلس واحد واحد، وكأنها مستنية حد يعترض.
لكن القرار اتوافق عليه بالأغلبية المطلوبة.
في اللحظة دي، عادل ماقدرش يستحمل.
وقف، وبصلي بعينين مليانين صدمة.
«هنا، ممكن أتكلم معاكي بره؟ لوحدنا؟»
قلت:
«أي كلام يخص الشركة، يتقال هنا وبشكل رسمي.»
«أنا مش بتكلم عن الشركة! أنا بتكلم عننا.»
رديت من غير ما تتغير ملامحي:
«مفيش حاجة بيننا محتاجة كلام يا عادل. إنت طلبت الطلاق، وأنا وافقت. وكل واحد فينا اختار طريقه.»
قرب خطوة من الترابيزة.
«بس أنا ماكنتش أعرف…»
قاطعته بهدوء:
«ماكنتش تعرف إيه؟»




