منوعات

جووي حكايات صافي هاني

 

اتلخبط، وبعدها قال:

 

«ماكنتش أعرف إنك صاحبة المجموعة دي.»

 

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

 

«ولو كنت تعرف، كنت هتطلب الطلاق؟»

 

ماعرفش يرد.

 

كررت سؤالي:

 

«كنت هتفضل معايا لو كنت عارف إن عندي كل الشركات دي؟»

 

فضل ساكت، وعينيه بتتنقل بيني وبين أعضاء المجلس.

 

قلت:

 

«المشكلة يا عادل إنك عمرك ما سألت نفسك أنا مين فعلًا. إنت حكمت عليا من هدومي، ومن الطريقة اللي كنت بعيش بيها، ومن إني ماكنتش بتكلم عن فلوسي وشغلي طول الوقت. إنت افتكرت إن الهدوء ضعف، وإن البساطة معناها الفشل، وإن الست اللي مش بتتباهى بكل حاجة عندها تبقى مالهاش قيمة.»

 

حاول يتكلم:

 

«هنا، أنا غلطت، بس…»

 

رفعت إيدي بإشارة بسيطة.

 

«مش وقته.»

 

وبعدين وجهت كلامي للسكرتيرة:

 

«سجلي إن الاجتماع انتهى بالنسبة لممثلي الشركة، واللجنة هتبعت طلبات المستندات رسميًا.»

 

سلسبيل لمّت أوراقها بعصبية، وخرجت من القاعة من غير ما تبص لحد.

 

أما عادل، ففضل واقف قدامي.

 

كان باين عليه إنه عايز يقول كلام كتير، لكنه مش لاقي جملة واحدة يقدر يبدأ بيها.

 

في الآخر، قال بصوت منخفض:

 

«أنا آسف.»

 

بصيت له للحظات.

 

«على إيه بالظبط يا عادل؟»

 

اتنهد وقال:

 

«على اللي قلتهولك. وعلى الطريقة اللي مشيت بيها.»

 

قلت:

 

«إنت مش محتاج تعتذر علشان عرفت أنا مين. إنت محتاج تفهم إنك غلطت لما افتكرت إن قيمتي مرتبطة باللي كنت تعرفه عني.»

 

خرجت من القاعة، وسبته واقف مكانه.

 

لكن الحكاية ماخلصتش عند كده.

 

لأن سلسبيل، أول ما وصلت لمكتبها في لومينا تك، اكتشفت إن الأزمة أكبر بكتير من اللي ظهر في الاجتماع.

 

كانت واقفة قدام مكتبها، بتكلم مديرها المالي بعصبية:

 

«أنا عايزة كل الملفات الأصلية للتحويلات اللي اتعرضت النهارده.»

 

رد عليها:

 

«الملفات كلها موجودة في النظام، يا فندم.»

 

«أنا عايزاها مطبوعة، دلوقتي.»

 

«حاضر.»

 

قفلت المكالمة، ورمت شنطتها على الكرسي.

 

بعد لحظات، دخل عادل مكتبها.

 

«سلسبيل، لازم نفهم اللي حصل. إزاي هنا طلعت صاحبة المجموعة؟»

 

لفت ناحيته بحدة.

 

«إنت جاي تسألني عن هنا دلوقتي؟»

 

«أنا بس بحاول أفهم.»

 

«تفهم إيه؟ إنت كنت بتقول لي إنها واحدة عادية، وإنها مش بتفهم في البيزنس!»

 

عادل اتوتر.

 

«أنا كنت فاكر…»

 

ضحكت بسخرية.

 

«كنت فاكر! دي الجملة الوحيدة اللي عندك؟ إنت بنيت حكمك على مراتك السابقة من غير ما تعرف عنها أي حاجة، ودلوقتي جاي تستغرب إنك كنت غلطان؟»

 

عادل سكت، وبعدها قال:

 

«طيب، نعمل إيه دلوقتي؟»

 

سلسبيل بصت له ببرود.

 

«إنت مالكش دعوة بقرارات الشركة. خليني أتصرف.»

 

«بس أنا شغال مع شركة متعاقدة معاكو، والمشروع اللي بينا اتجمد.»

 

«يبقى روح شوف شغلك.»

 

عادل بص لها بذهول.

 

«إنتي بتكلميني كده؟»

 

ردت:

 

«أيوه. لأن آخر حاجة ناقصاني دلوقتي إني أشرح لك كل خطوة باخدها.»

 

في اللحظة دي، خبط مديرها المالي على الباب ودخل، ومعاه ظرف كبير.

 

«أستاذة سلسبيل، وصل إخطار رسمي من الإدارة القانونية لمجموعة المنصور.»

 

مدت إيدها وخدته بسرعة.

 

فتحت الظرف، وبدأت تقرأ.

 

كل ما كانت تقرأ سطر، ملامحها كانت بتتغير.

 

الإخطار بيطلب منها تقديم مستندات إضافية خلال مدة محددة، مع إخطارها بأن بعض الصلاحيات المالية هتفضل مجمدة لحد انتهاء المراجعة.

 

لكن آخر صفحة كانت فيها ملاحظة خلتها تقعد على الكرسي فجأة.

 

كان فيه اسم شركة من الشركات الوسيطة اللي استلمت تحويلات مالية كبيرة.

 

شركة صغيرة، اتأسست من فترة قصيرة، وبيانات ملكيتها مش واضحة في السجلات اللي قدمتها لومينا تك.

 

سلسبيل رفعت رأسها وسألت مديرها المالي:

 

«مين صاحب الشركة دي؟»

 

رد:

 

«بنراجع بياناتها يا فندم.»

 

«إزاي بتحولوا ملايين لشركة ومحدش يعرف مين صاحبها؟»

 

الراجل اتوتر.

 

«الملف اتقدم للإدارة التنفيذية باعتباره عقد خدمات استشارية، والتوقيعات كانت مكتملة في المستندات اللي وصلتنا.»

 

سلسبيل سألته بحدة:

 

«مين اللي قدم الملف؟»

 

مد لها ورقة فيها اسم الموظف المسؤول عن التعاقد.

 

أول ما شافت الاسم، سكتت.

 

كان اسم شخص هي تعرفه كويس.

 

شخص اشتغل معاها سنين، وكانت بتثق فيه ثقة كبيرة.

 

همست:

 

«مستحيل يكون هو.»

 

عادل قرب منها.

 

«مين؟»

 

قفلت الملف بسرعة.

 

«مش شغلك يا عادل.»

 

لكن المرة دي، حتى هي نفسها ماكنتش واثقة من الكلام اللي بتقوله.

 

في نفس الوقت، كنت في مكتبي براجع تقرير اللجنة الأولي.

 

نادين دخلت وقالت:

 

«يا فندم، فيه طلب عاجل من الإدارة القانونية. لقوا مستندات إضافية مرتبطة بالشركات الوسيطة، وفيه احتمال إن فيه طرف تالت كان بيستفيد من التحويلات.»

 

رفعت عيني.

 

«عندهم دليل؟»

 

«لسه بيجمعوا المستندات. لكن فيه تحويلات متكررة لنفس الحساب، وقيمة كل تحويل قريبة من الحد اللي كان محتاج موافقة مستقلة.»

 

قفلت الملف.

 

«خليهم يكملوا المراجعة. ومحدش يتصرف بناءً على الشكوك. لو فيه مخالفة، لازم نعرف مين المسؤول عنها بالضبط.»

 

نادين قالت:

 

«حاضر يا فندم. وفيه مكالمة من الأستاذ عادل. طلب يقابلك.»

 

رجعت ببصري للشاشة.

 

«اعتذري له. أي طلب رسمي يقدمه عن طريق الإدارة المختصة.»

 

نادين هزت راسها، لكنها قبل ما تخرج سألتني:

 

«تحبي أبلغ الأمن يمنع دخوله لو جه؟»

 

فكرت لحظة، وبعدين قلت:

 

«لأ. هو من حقه يدخل لو عنده اجتماع رسمي. لكن مش من حقه يستخدم معرفته الشخصية بيا علشان يتجاوز الإجراءات.»

 

خرجت نادين، ورجعت أنا للتقارير.

 

كنت عارفة إن عادل مش هيستسلم بسهولة.

 

مش لأنه لسه بيحبني، لكن لأنه بدأ يكتشف إن الحياة اللي اختارها مش مضمونة زي ما كان متخيل.

 

وفي الأيام اللي بعدها، بدأت الأخبار تنتشر في السوق عن أزمة لومينا تك.

 

بعض الموردين طلبوا ضمانات إضافية قبل تسليم البضائع، وشركات تانية أجلت التعاقدات الجديدة، والبنوك طلبت توضيحات عن السيولة والالتزامات.

 

لكن رغم كل ده، أصدرت المجموعة تعليمات واضحة إن مستحقات الموظفين الأساسية تفضل أولوية، وإن أي قرار يمس العاملين لازم يتدرس بعناية.

 

كنت عايزة الشركة تعدي الأزمة لو كان فيه طريق حقيقي لإنقاذها، مش لمجرد إن سلسبيل مسؤولة عنها، ولا علشان عادل كان متجوزها.

 

اللي يهمني كان الحقيقة.

 

وفي اليوم الرابع، وصلتني رسالة من رقم غريب.

 

كانت رسالة قصيرة جدًا:

 

«لو عايزة تعرفي مين المستفيد الحقيقي من التحويلات، راجعي العقد رقم ٤٧، ومتثقيش في التقرير اللي وصلك من الإدارة المالية.»

 

فضلت باصة للرسالة شوية.

 

ماكانش فيها اسم، ولا أي معلومة تثبت هوية صاحبها.

 

ناديت نادين وطلبت منها تتأكد إن العقد رقم ٤٧ موجود ضمن الملفات اللي بتراجعها اللجنة.

 

بعد أقل من ساعة، رجعت وهي شايلة نسخة من العقد.

 

«العقد موجود يا فندم، لكنه مختلف عن النسخة اللي اتقدمت في المراجعة الأولى.»

 

رفعت عيني بسرعة.

 

«مختلف إزاي؟»

 

فتحت الملف قدامي.

 

«فيه ملحق إضافي مش موجود في النسخة الأولى، والملحق ده بيحدد جهة تانية مستفيدة من جزء من المدفوعات.»

 

حسيت إننا قربنا من الحقيقة، لكني ما استعجلتش الحكم.

 

قلت:

 

«ابعتي النسختين للمستشار القانوني، وخلي اللجنة تتأكد من صحة التوقيعات وتاريخ إضافة الملحق.»

 

نادين سألتني:

 

«ولو اتأكد إن فيه تزوير؟»

 

رديت بهدوء:

 

«ساعتها كل شخص مسؤول هيتحاسب بالقانون، مهما كان منصبه.»

 

في نفس الليلة، عادل رجع شقته متأخر.

 

كان طول اليوم بيحاول يتصل بسلسبيل، لكنها ما ردتش عليه غير برسالة مقتضبة بتقول إنها مشغولة.

 

فتح اللابتوب، وبدأ يدور على أخبار مجموعة المنصور.

 

ظهر له خبر عني في إحدى المجلات الاقتصادية، بعنوان بيتكلم عن سيدة الأعمال هنا المنصور، اللي قادت توسع المجموعة خلال السنوات الأخيرة.

 

فتح المقال.

 

ولأول مرة، عرف تفاصيل عن حياتي ماكانش يعرفها رغم سنين جوازنا.

 

عرف إنني توليت مسؤوليات كبيرة في المجموعة بعد وفاة والدي، وإنني اشتغلت لسنين على إعادة هيكلة شركات كانت بتخسر، وإن اسمي ظهر في صفقات استثمارية ضخمة، لكني كنت بتجنب الظهور الإعلامي.

 

قرأ عن مؤسسة خيرية بتمول منح تعليمية للطلاب، وعن مشروعات صغيرة ساعدت أصحابها يبدأوا من جديد، وعن قرارات اتخذتها علشان أحافظ على وظائف مئات الموظفين وقت الأزمات.

 

فضل يقلب الصور.

 

في صورة، كنت واقفة وسط مجموعة من العاملين في أحد المصانع، لابسة جاكيت بسيط، وبضحك معاهم.

 

وفي صورة تانية، كنت في اجتماع دولي، قدامي مجموعة من المستثمرين، والكل مركز معايا وأنا بشرح خطة عمل.

 

عادل رجع بظهره للكرسي، وحط إيده على وشه.

 

افتكر كل مرة سألني فيها عن شغلي، ورديت عليه بإجابة مختصرة علشان ماكنتش عايزة أحوله لمنافس أو أخليه يحس إن نجاحي تهديد ليه.

 

افتكر إنه كان بيضحك لما يشوفني بلبس بسيط، وإنه كان بيقول لأصحابه إني ست بيت ملهاش طموح.

 

وافتكر اللي حصل في المطعم.

 

كلماته اللي قالها قدام سلسبيل، ونظرات الناس، والطريقة اللي حاول بيها يصغرني علشان يبان هو كبير.

 

مسك الموبايل وفتح محادثتنا القديمة.

 

كتب رسالة طويلة، مسحها.

 

كتب رسالة أقصر، ومسحها برضه.

 

وفي الآخر بعت:

 

«هنا، أنا عارف إنك مش عايزة تسمعي مني، بس محتاج أتكلم معاكي مرة واحدة. مش علشان الشركة، علشان اللي بينا.»

 

الرسالة وصلتني وأنا في البيت، بعد يوم طويل من الاجتماعات.

 

قريتها، وقفلت الموبايل من غير رد.

 

ماكانش عندي استعداد أرجع لنفس الدائرة، ولا أسمح للندم المتأخر إنه يمسح اللي حصل.

 

بعد دقائق، وصلت رسالة تانية.

 

«أنا عارف إني جرحتك، بس صدقيني ماكنتش أعرف حقيقتك.»

 

المرة دي، رديت بكلمتين بس:

 

«ودي كانت المشكلة.»

 

وبعدها قفلت المحادثة.

 

تاني يوم الصبح، كان عندي اجتماع مع اللجنة المستقلة.

 

التقرير الجديد أكد إن العقد رقم ٤٧ فيه ملحق غير موجود في النسخة الأصلية المحفوظة لدى الإدارة القانونية، وإن توقيت إضافته محتاج تحقيق أوسع.

 

لكن المفاجأة الأكبر كانت في بيانات الشركة المستفيدة.

 

الاسم التجاري كان مختلف، لكن عنوان المراسلات ورقم الحساب البنكي ارتبطوا بشركة تانية سبق التعامل معاها في ملف قديم.

 

شركة كان اسمها موجود في ملفات لومينا تك من أكتر من سنة.

 

المستشار القانوني قال:

 

«إحنا محتاجين نوسع المراجعة، لأن الموضوع ممكن يكون أكبر من قرارات إدارية سيئة. فيه احتمال وجود تعارض مصالح أو استخدام غير سليم لبعض المستندات.»

 

قلت:

 

«وسعوا المراجعة، وبلغوا الجهات المختصة لو الأدلة استدعت ده. مفيش حد فوق القانون، ومفيش حد هيتظلم علشان نستعجل الوصول لنتيجة.»

 

في نفس الوقت، سلسبيل كانت قاعدة في مكتبها، قدامها مديرها المالي والمستشار القانوني الخاص بالشركة.

 

قالت بعصبية:

 

«أنا عايزة أعرف كل حاجة عن العقد ده قبل ما يوصل لأي جهة تانية.»

 

المستشار رد بحذر:

 

«لازم نتعامل مع الموضوع رسميًا. أي محاولة لتعديل أو إخفاء مستندات ممكن تعقد الموقف أكتر.»

 

سلسبيل بصت له بحدة.

 

«أنا ماطلبتش منك تخفي حاجة. أنا بطلب أعرف الحقيقة.»

 

مديرها المالي تدخل:

 

«فيه موظف سابق اتصل بالإدارة، وقال إنه عنده مراسلات تخص التعاقدات دي.»

 

سلسبيل اتجمدت.

 

«موظف سابق مين؟»

 

ذكر لها الاسم.

 

المرة دي، قامت من مكانها ومشت ناحية الشباك، وفضلت ساكتة.

 

عادل، اللي كان موجود في المكتب من غير ما يكون مدعو للاجتماع، لاحظ تغير ملامحها.

 

سألها:

 

«إنتي تعرفي الشخص ده؟»

 

ردت بسرعة:

 

«لأ.»

 

لكن صوتها ماكانش مقنعًا.

 

عادل قرب خطوة.

 

«سلسبيل، إحنا متجوزين. لو فيه مشكلة، لازم أعرف.»

 

لفت له فجأة.

 

«إنت مالكش دعوة بشغلي!»

 

اتراجع من نبرة صوتها.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى