
لكن قبل الساعة تسعة، كان فيه شخص تاني بيعيش واحدة من أسوأ ساعات حياته.
عادل كان قاعد في شقته الجديدة في التجمع، الشقة اللي استأجرها بعد ما ساب بيتنا، وبيحاول يتصرف كأنه أخيرًا وصل للحياة اللي يستحقها.
كان لابس قميص غالي، وساعته الجديدة بتلمع في إيده، وقدامه فنجان قهوة ماكملوش.
سلسبيل كانت واقفة قدام المراية، بتظبط شعرها، وبتتكلم في التليفون مع واحدة من صاحباتها.
«أيوه يا حبيبتي، الاجتماع النهارده مهم جدًا. فيه مستثمرين كبار، وأنا هعلن عن خطة التوسع الجديدة. لأ، ماتقلقيش، الأمور تحت السيطرة تمامًا.»
قفلت المكالمة، ولفت لعادل بابتسامة واثقة.
«عندك استعداد تشوفني النهارده وأنا بقلب السوق كله؟»
عادل ضحك وقال:
«أنا من أول ما شوفتك عرفت إنك مختلفة. إنتي مش زي أي ست قابلتها في حياتي.»
سلسبيل قربت منه، وخدت مفاتيح عربيتها من على الترابيزة.
«طبعًا. بس فيه حاجة لازم تفهمها يا عادل. الحياة اللي إنت داخلها دي ليها قواعد. أنا مش هقدر أعيش وسط مشاكل طليقتك أو محاولاتها إنها ترجعك.»
اتغيرت ملامحه.
«هنا؟ دي خلاص بقت من الماضي.»
«أتمنى. لأن امبارح لما شوفتها في المطعم، حسيت إنها مش مستوعبة إنها خسرتك.»
عادل هز راسه بسرعة.
«هي طول عمرها كده. ساكتة، بسيطة، ومش بتعرف تتعامل مع الناس. حتى لما كنت بسألها عن شغلها، كانت بتقولي إنها بتراجع حسابات وملفات. عمري ما فهمت هي بتعمل إيه بالظبط.»
سلسبيل ضحكت باستخفاف.
«يعني كانت بتقضي وقتها على اللابتوب، وإنت فاكرها سيدة أعمال؟»
عادل ضحك معاها، لكن ضحكته ماكملتش.
موبايله رن، وظهر على الشاشة رقم من الشركة اللي كان شغال فيها.
رد بسرعة:
«أيوه يا أستاذ شريف، صباح الخير.»
جاله صوت مديره متوتر:
«إنت فين يا عادل؟»
«في الطريق، خير؟»
«إنت شوفت الإيميل اللي نزل من الإدارة؟»
«لأ، لسه.»
«افتحه حالًا. فيه قرار بتجميد كل التعاقدات الجديدة مع لومينا تك لحين انتهاء المراجعة المالية.»
عادل اعتدل في قعدته.
«تجميد إيه؟ وليه؟»
«مش عارفين التفاصيل. بس الكلام إن فيه مشكلة كبيرة في حسابات الشركة، ومجموعة المنصور للاستثمار طلبت مراجعة شاملة قبل ما توافق على أي دفعات جديدة.»
بص عادل لسلسبيل، اللي كانت بتراقبه من بعيد.
«طب وإحنا مالنا؟ إحنا شركاء معاهم في مشروع جديد.»
شريف رد بعصبية:
«علشان المشروع ده متوقف دلوقتي، وإحنا داخلين فيه بمبالغ كبيرة. روح الشركة بسرعة وشوف هتعمل إيه.»
المكالمة انتهت.
عادل فضل باصص للموبايل كأنه مش فاهم اللي سمعه.
سلسبيل سألته:
«فيه إيه؟»
حكى لها اللي حصل، فابتسامتها اختفت للحظة، لكنها حاولت تخفي قلقها.
«دي إجراءات روتينية. كل الشركات الكبيرة بتراجع حساباتها.»
عادل حاول يصدقها.
«يعني مفيش مشكلة؟»
ردت وهي بتاخد شنطتها:
«قلت لك مفيش مشكلة. يلا علشان مانتأخرش.»
لكن أول ما خرجت من الشقة، فتحت موبايلها واتصلت بمديرها المالي.
«عايزة أعرف مين اللي طلب تجميد التعاقدات.»
جالها الرد بعد لحظات:
«الطلب صادر من الإدارة العليا لمجموعة المنصور، يا فندم.»
«مين المسؤول عن الملف؟»
«المكتب التنفيذي لرئيسة مجلس الإدارة.»
سلسبيل وقفت مكانها.
«رئيسة مجلس الإدارة شخصيًا؟»
«أيوه يا فندم.»
سكتت، وبعدها سألت بصوت أخفض:
«هي راجعت الملف بنفسها؟»
«حسب المعلومات اللي عندنا، الملف كان على مكتبها من امبارح.»
قفلت المكالمة، وفضلت للحظات بتبص قدامها.
لأول مرة من فترة طويلة، حست إن فيه حاجة بتحصل بعيد عن سيطرتها.
لكنها ماكنتش تعرف إن المفاجأة الحقيقية لسه ماوصلتش.
الساعة عشرة إلا خمس دقايق، كنت دخلت قاعة الاجتماعات الرئيسية.
القاعة كانت واسعة، فيها ترابيزة طويلة من الخشب الداكن، وشاشات كبيرة على الحيطان، ومقاعد محجوزة لأعضاء مجلس الإدارة والمستشارين القانونيين وممثلي الشركات التابعة.
كنت لابسة بدلة كحلي بسيطة، من غير أي مجوهرات ملفتة، وشعري مربوط للخلف.
على يميني كان قاعد المستشار القانوني للمجموعة، وعلى شمالي المدير المالي، وقدامنا ملفات كل عضو في المجلس.
دخل عادل مع سلسبيل قبل ميعاد الاجتماع بدقيقتين.
كان عادل لابس بدلة جديدة، وواضح إنه بيحاول يبان واثق، بينما سلسبيل كانت لابسة فستان رسمي أنيق، وفي إيدها ملف جلدي، وبتتكلم مع مساعدها بصوت واطي.
أول ما دخلوا، سلسبيل بصت للقاعة بإعجاب.
همست لعادل:
«المكان ده لوحده يساوي ميزانية شركات صغيرة.»
عادل ابتسم وقال:
«قريب هنبقى بنتعامل مع المستوى ده كل يوم.»
كانت فيه مقاعد مخصصة للضيوف في آخر الترابيزة، لكن السكرتيرة أشارت لهم ناحية المقاعد المقابلة لرئاسة المجلس.
سلسبيل استغربت.
«إحنا هنقعد هنا؟»
السكرتيرة ردت باحترام:
«أيوه يا فندم. دي الأماكن المخصصة لممثلي شركة لومينا تك.»
سلسبيل قعدت، وحطت ملفها قدامها، وبعدها بدأت تبص على أعضاء المجلس واحد واحد.
كانت بتحاول تعرف مين فيهم الشخص اللي هيقدر يساعدها.
أما عادل، فكان بيبص على الباب كل شوية.



