
أنا وابني ركبنا طيارة جوزي الطيار في السر عشان نفاجئه، لكن أول ما مسك الميكروفون وقال إن فيه «شخص مهم جدًا» على متن الطيارة، ابني ابتسم بحماس وأنا حسيت إن فيه حاجة غلط.
«فيه شخص مهم جدًا على الطيارة دي، شخص معناه كل حاجة بالنسبالي.»
أول ما سمعت صوت جوزي كريم في السماعات، ابني آدم شد على إيدي بحماس لدرجة إنه كان من الفرحة.
«ماما، هو عرف إننا هنا!»
وأنا كمان تمنيت أصدق كلامه.
لكن صوت كريم مكنش صوت راجل اكتشف مفاجأة من عيلته.
كان صوته جاد زيادة عن اللزوم.
جوزي بقاله تقريبًا تسع سنين شغال طيار مدني، لكن آدم اللي عنده سبع سنين عمره ما ركب طيارة أبوه وهو اللي سايقها.
بالنسبة له كريم كان شبه بطل خارق.
كل مرة كان بيخرج من البيت لابس بدلة الطيار ومتجه للمطار، كان آدم يجري وراه.
«بابا، هتطير طيارة كبيرة النهارده؟»
«على حسب إنت شايف إيه الطيارة الكبيرة يا بطل.»
«والركاب عارفين إنك بابا؟»
«لسه يا بطل.»
وعشان كده لما كريم قال إن عنده رحلة قصيرة لمطار برج العرب يوم السبت وهيرجع نفس الليلة، جاتلي فكرة إني أفاجئه.
اشتريت تذكرتين من غير ما أقوله.
آدم خد الموضوع بجدية شديدة.
حط في شنطته السماعات بتاعته وشوية حلوى ورسمة كان راسم فيها أبوه واقف قدام طيارة.
وفوق الرسمة كتب بخط كبير ومائل:
«أحسن طيار في الدنيا.»
وكنا تقريبًا هنتكشف قبل ما نركب.
كريم عدى من قدامنا في صالة المطار، وكان بينا وبينه أقل من عشر متر، واضطريت أشد آدم بسرعة ناحية محل الهدايا.
وقفنا نعمل نفسنا مهتمين بسلاسل المفاتيح لحد ما عدى من قدامنا.
آدم حط إيده على بقه عشان يمنع نفسه من الضحك.
وقاللي:
«ماما، دي عاملة زي أفلام المخابرات.»
ضحكت وقلتله:
«المخبر اللي بيعمل دوشة زيك عمره ما بيكمل خمس دقايق.»
وأخيرًا ركبنا الطيارة.
اخترت مقعدين في آخر الطيارة عشان أتجنب إن كريم يشوفنا قبل وقت الهبوط.
ولما أبواب الطيارة اتقفلت، آدم بدأ يتوتر.
«ممكن أقول للمضيفة؟»
«لأ.»
«طب لمضيفة واحدة بس؟»
«آدم.»
«حاضر.»
حط صباعين على بقه كأنه قفل سوستة وهمية.
وفجأة السماعات اشتغلت.
وصوت كريم ملأ الطيارة كلها.
آدم اتجمد مكانه.
وبعدين ابتسم ابتسامة عمرها ما كانت فارقت وشه بالشكل ده.
«ده بابا.»
طلعت موبايلي بسرعة عشان أصوره.
كريم اتكلم عن حالة الجو ومدة الرحلة المتوقعة، وحتى قال نكتة من النكت اللي كان دايمًا بيقولها في البيت.
آدم كان مبسوط جدًا.
لكن فجأة حصل صمت.
صمت طويل بشكل غريب.
وبعدين كريم رجع يتكلم:
«قبل ما نتحرك، عايز أعمل حاجة عمري ما عملتها قبل كده في رحلة.»
نزلت الموبايل من إيدي ببطء.
«فيه شخص مهم جدًا على الطيارة دي، شخص معناه كل حاجة بالنسبالي.»
آدم فتح عينيه على آخرهم.
«عرفنا!»
وكان هيقوم من مكانه.
وأنا كمان كنت هقوم.
لحد ما كريم قال:
«مريم، أنا عارف إن ده مكنش جزء من الخطة.»
جسمي كله اتجمد.
آدم بصلي باستغراب.
«ماما، مين مريم؟»
معرفتش أرد.
لأن في اللحظة دي بالذات، ست كانت قاعدة على بعد كام صف قدامنا، عمرها حوالي تلاتين سنة، حطت إيديها الاتنين على وشها.
والناس بدأت تصقف.
وكريم كمل كلامه:
«لكن بعد كل اللي عدينا بيه خلال الشهور اللي فاتت، مش عايز أخبي اللي جوايا أكتر من كده.»
حسيت إن الهوا اختفى من الطيارة.
آدم فضل باصصلي.
«ماما…»
الست اللي اسمها مريم قامت ببطء من مكانها.
وفجأة المضيفة قربت منها وهي ماسكة حاجة صغيرة في إيدها.
وأول ما شفتها فهمت إن المفاجأة اللي كنت محضراها لجوزي اتحولت لحاجة تانية خالص.
لأن اللي في إيد المضيفة كان شبه علبة خاتم.
لكن قبل ما كريم ينطق بكلمة واحدة تانية، موبايلي اهتز في إيدي.
وصلتلي رسالة من رقم غريب.
وكان مكتوب فيها بس:
«قبل ما تصدقي اللي إنتِ شايفاه، راجعي الكرسي رقم 18A. كريم مش عارف الحقيقة كلها عن الست دي.»
رفعت عيني بسرعة.
الكرسي 18A كان على بعد أربع صفوف بس من مكاننا.
ولقيت حد سايب هناك ظرف أصفر عليه اسمي مكتوب بإيد حد.
قمت من مكاني وأنا مش فاهمة أي حاجة.
آدم شد إيدي وقال بخوف:
«ماما، هو إيه اللي بيحصل؟»
بصيت للظرف.
وبعدين بصيت ناحية كريم.
ولأول مرة من يوم ما عرفته حسيت إني مش عارفة الراجل اللي واقف في كابينة القيادة ده مين.
مديت إيدي ناحية الظرف.
لكن قبل ما ألمسه، سمعت صوت راجل من ورايا بيقول بهدوء:
«لو فتحتي الظرف قدام الناس كلهم، حياتك وحياة ابنك هتتغير.»
اتجمدت مكاني.
وبصيت ورايا.
لكن محدش كان واقف.
فتحت الظرف بإيد بتترعش.
وكان جواه صورة قديمة لكريم وهو شايل طفل صغير.
وعلى ضهر الصورة مكتوب:
«ده ابنه الحقيقي… وكريم مخبي عنك الحقيقة من سبع سنين.»
حسيت إن الأرض بتتهز من تحتي.
لكن اللي صدمني أكتر إن الصورة كان مكتوب عليها تاريخ قبل ما أنا وكريم نتجوز بشهور قليلة.
رفعت عيني ناحية كابينة القيادة.
وفي نفس اللحظة كريم خرج من السماعة وقال:
«يا جماعة، قبل ما نكمل الرحلة لازم أقولكم الحقيقة كاملة.»
آدم قرب مني أكتر.
وأنا فضلت ماسكة الصورة بإيدي.
لأن إحساسي كان بيقول إن اللي جاي مش مجرد سر عن ست اسمها مريم.
كان سر قادر يهدم بيت كامل.
ويكشف حقيقة كريم نفسه.
والأخطر من كل ده إن الرسالة الأخيرة اللي وصلتني على موبايلي ظهرت قدامي:
«لو عايزة تعرفي مين الطفل اللي في الصورة، اسألي كريم عن اسم يوسف.»
رفعت رأسي ناحية الكابينة.
وهمست لنفسي:
«مين يوسف؟»
وفي اللحظة دي بالذات سمعت كريم يقول من السماعات:
«يوسف… أنا عارف إنك موجود على الطيارة دي.»
آدم مسك إيدي بقوة.
وأنا حسيت إن قلبي وقع من مكانه.
لأن يوسف كان اسم طفل مرتبط بماضي كريم.
لكن ابني آدم ماكانش اسمه يوسف.
فمين يوسف؟
وليه كريم بينادي عليه قدام كل ركاب الطيارة؟
يتبع…




