
مكنتش نمت غير ساعتين، وكل ما أغمض عيني أشوف آسر ونادين قاعدين على البحر.
وأسمع صوته وهو بيقول:
“مريم كانت الاختيار المناسب.”
الاختيار المناسب!
يعني أنا مكنتش حبيبة.
كنت صفقة.
وأربع سنين من عمري كانوا جزء من خطة.
أول ما وصلت، كلمت أمي.
— ماما، أنا جاية أقعد عندك كام يوم.
قالت بقلق:
— مال صوتك يا بنتي؟ إنتِ تعبانة؟
— شوية إرهاق بس.
— وآسر فين؟
سكت.
أمي فهمت إن فيه حاجة.
— مريم، إنتِ وآسر متخانقين؟
حاولت أتماسك.
— لما أوصل هحكيلك.
بعد ساعة كنت في حضن أمي.
أول ما شفتها، كل القوة اللي كنت بتظاهر بيها راحت.
عيطت.
عيطت زي طفلة صغيرة ضاعت منها حاجة غالية.
أمي فضلت تطبطب عليا وتقول:
— اهدي يا حبيبتي، أنا معاكي.
ولما حكيتلها اللي حصل، وشها اتغير.
— آسر؟! ونادين؟!
هزيت راسي.
قالت بحزن:
— حسبي الله ونعم الوكيل… البنت دي كانت بتدخل بيتك زي أختك!
وبعدين سألتني:
— وإنتِ هتعملي إيه؟
قلت:
— مش عارفة يا ماما، بس فيه موضوع أخطر من الخيانة.
وحكيتلها عن الشركة، والأوراق، ومكالمة الأستاذ فؤاد.
أمي قعدت ساكتة شوية.
وبعدين قالت:
— يبقى لازم تروحي للمحامي فورًا.
بصيتلها وقلت:
— قبل أي حاجة، فيه خبر كنت مخبياه علشان أقوله لآسر في عيد ميلادي.
قلقت.
— خبر إيه؟
مسكت إيدها، وحطيتها على بطني.
— أنا حامل يا ماما.
فضلت باصة لي لحظات، كأنها مش مصدقة.
وبعدين دموعها نزلت.
— بجد يا مريم؟!
هزيت راسي وأنا بعيط.
حضنتني بقوة.
— الحمد لله يا حبيبتي… الحمد لله.
وبعدين بعدت عني وبصت في عيني.
— وآسر يعرف؟
— لا.
— وليه ما قولتيلوش؟
حكيتلها الكلام اللي سمعته على الشاطئ.
لما وصلت لجملة إنه مش عايز طفل يربطه بيا، أمي حطت إيدها على صدرها.
— يا وجع قلبي عليكي يا بنتي.
قلت:
— أنا مش عايزة أقوله دلوقتي.
ردت بهدوء:
— خدي وقتك لحد ما تهدي، بس لازم تعرفي إن الموضوع مش مجرد قرار بينك وبينه. الطفل ليه حقوق، وإنتِ لازم تحافظي عليها.
هزيت راسي.
كنت عارفة إنها عندها حق.
لكن مكنتش مستعدة أواجه آسر بخبر الحمل، وأنا لسه مكتشفة إنه بيخونني وبيحاول ياخد حقي.
بعد الضهر، رحت مكتب الأستاذ فؤاد.
كان راجل في أواخر الستينات، وشعره أبيض، ووشه فيه طيبة كنت فاقداها من ساعة وفاة أبويا.
أول ما دخلت، قام وسلم عليا.
— نورتي يا بنتي، ربنا يرحم أبوكي، كان راجل أصيل.
قعدت قدامه وسألته من غير مقدمات:
— عايزة أعرف كل حاجة يا أستاذ فؤاد.
فتح درج مكتبه، وطلع ظرف بني قديم.
كان مكتوب عليه بخط أبويا:
“إلى بنتي مريم… لو جه اليوم اللي تحتاجي تعرفي فيه الحقيقة.”
إيدي اترعشت وأنا بمسك الظرف.
خط أبويا.
نفس الخط اللي كان بيكتبلي بيه جواب صغير كل عيد ميلاد.
فتحت الظرف وطلعت الورقة.
وبدأت أقرأ.
“بنتي وحبيبتي مريم…
لو الجواب ده وصلك، يبقى غالبًا حصلت حاجة كنت خايف منها.
أنا عارف إنك بتحبي آسر، وعارف إنك شايفاه الراجل اللي هيحافظ عليكي بعدي.
لكن يا بنتي، مش كل اللي بيقول كلام حلو قلبه حلو.
قبل جوازك بشهور، آسر جه مكتبي وطلب مني أدخله شريك في مشروع كبير.
وقتها رفضت، مش علشان مش واثق فيه، لكن علشان المشروع كان أكبر من إمكانياته.
بعدها بفترة قصيرة، اتفاجئت إنه اتقدملك.
في الأول افتكرت إنها صدفة.
لكن لما بدأت أسأل عنه، عرفت إنه كان مديون بمبالغ كبيرة، وإن شركته كانت مهددة بالإغلاق.
واجهته، وحلفلي إنه بيحبك وإن موضوع الشركة ملوش علاقة بجوازكم.
أنا مكنش معايا دليل يثبت عكس كلامه، وإنتِ كنتِ متمسكة بيه.
فوافقت، لكني قررت أحمي حقك.
نصيبك في الشركة ملكك إنتِ، ومحدش يقدر يتصرف فيه من غير موافقتك القانونية الصحيحة.
ولو في يوم آسر طلب منك تمضي على أوراق تخص الشركة، راجعيها مع الأستاذ فؤاد الأول.
وافتكري يا بنتي إن كرامتك أغلى من أي راجل، وإن بيت أبوكي هيفضل بيتك طول العمر.
أبوكي اللي بيحبك.”
خلصت قراءة وأنا مش شايفة قدامي من الدموع.
حضنت الورقة وعيطت.
— ليه يا بابا؟ ليه ما قولتليش؟
الأستاذ فؤاد قال:
— أبوكي حاول ينبهك كذا مرة، بس إنتِ كنتِ شايفة إن آسر بيحبك. وكان خايف لو ضغط عليكي تخسريه وتبعدي عنه.
مسحت دموعي وسألته:
— والأوراق اللي آسر قدمها؟
طلع ملف وحطه قدامي.
— دي صورة من المستندات اللي وصلتنا.
فتحت الملف.
لقيت عقد تنازل عن حصتي في الشركة، وتفويضات مالية، وإقرار باستلام مبلغ كبير.
كلها عليها إمضا باسمي.
بصيت للمحامي وقلت:
— أنا عمري ما مضيت على الحاجات دي!
قال:
— عارف، وعلشان كده لازم نتحرك قانونيًا بسرعة.
— هو ممكن ياخد الشركة؟
— مجرد تقديم الورق مش معناه إن نقل الملكية تم، وإحنا هنراجع صحة المستندات وإجراءاتها، ونطلب وقف أي تصرف لحين التحقق.
سألته:
— بس إزاي وصل لإمضتي؟
قال:
— ده اللي لازم نعرفه، وممكن نطلب فحص فني للتوقيعات.
وبعدين طلع ورقة تانية.
— فيه حاجة لفتت نظري.
بصيتله.
— إيه هي؟
— واحد من الشهود المكتوبين على الأوراق اسمه نادين سامح.
حسيت إن الأرض بتميد بيا.
نادين!
حتى في سرقة حقي كانت معاه!
قلت بصوت مبحوح:
— نادين دي صاحبتي… أو كانت صاحبتي.
الأستاذ فؤاد بصلي بقلق.
— إنتِ تعرفي إنها شاهدة على الورق؟
هزيت راسي.
— لا… بس واضح إني كنت آخر واحدة تعرف أي حاجة.
رجعت بيت أمي وأنا مقررة إني مش هواجه آسر دلوقتي.
الأستاذ فؤاد نصحني إني أحافظ على كل الرسائل والمستندات، وما أعملش أي تصرف متسرع.
لكن آسر مكنش ناوي يسيبني أفكر.
بالليل، جه بيت أمي.
سمعت صوته في الصالة.
— يا طنط، أنا جاي آخد مراتي.
أمي ردت بحدة:
— مراتك مش شنطة تيجي تاخدها يا آسر.
— حضرتك فاهمة الموضوع غلط.
— أنا فاهمة إنك سافرت مع واحدة غير مراتك وكدبت عليها.
قال:
— دي مشاكل بيني وبين مريم، ومحدش له دعوة.
خرجت من الأوضة وقلت:
— فعلًا يا آسر، دي مشاكل بيني وبينك، ومش من حقك تيجي تضغط على أمي.
أول ما شافني، قرب.
— مريم، وحشتيني.
بصيتله باستغراب.
إزاي يقدر يقول الكلمة دي بعد كل اللي حصل؟
قلت:
— قول إنت جاي ليه.
قال:
— جاي أصلح اللي بينا.
— وإيه اللي اتكسر بينا علشان تصلحه؟
سكت.
قلت:
— ثقتي فيك؟ ولا أربع سنين من عمري؟ ولا صحبتي اللي كنت بعتبرها أختي؟
رد بعصبية:
— أنا غلطت، خلاص! كل الناس بتغلط.
قلت:
— مش كل الناس بتخون وتكذب وتخطط تاخد حق غيرها.
وشه اتغير فجأة.
— تقصدي إيه؟
بصيتله بثبات.
— أقصد أوراق الشركة.
سكت لحظة، وبعدين قال:
— مالها أوراق الشركة؟
— إنت عارف كويس.
حاول يضحك.
— مريم، إنتِ مش فاهمة شغل الشركات.
قلت:
— يمكن، بس فاهمة إن إمضتي اتحطت على عقد أنا ما شفتوش.
اتبدلت ملامحه.
— مين قالك الكلام ده؟
— مش مهم مين، المهم إنت عملت كده ليه؟
قال بصوت عالي:
— أنا اللي كبرت الشركة دي، وأنا اللي تعبت فيها!
رديت:
— الشركة دي أبويا تعب فيها قبل ما تعرفني أصلًا، ونصيبي فيها حقي.
قرب مني وقال:
— إنتِ بتسمعي كلام ناس عايزة تخرب بيتك.
أمي وقفت وقالت:
— وطّي صوتك يا آسر.
بص لها، وبعدين رجع بصلي.
— طيب، خلينا نتكلم لوحدنا.
قلت:
— مفيش كلام لوحدنا.
سكت شوية، وبعدها قال بنبرة مختلفة:
— مريم، أنا مستعد أنسى كل اللي حصل، ونبدأ من جديد.
ضحكت بمرارة.
— إنت مستعد تنسى؟ هو أنا اللي خنتك؟
قال:
— أنا هقطع علاقتي بنادين نهائي، بس بشرط نرجع بيتنا ونقفل الموضوع ده.
سألته:
— وموضوع الشركة؟
رد بسرعة:
— يتحل.
— إزاي؟
— لما ترجعي هفهمك.



