روايات وقصص

سافرت

قلت:

— يبقى مفيش رجوع.

في اللحظة دي، تليفونه رن.

بص للشاشة، ورفض المكالمة.

لكن قبل ما يقفله، لمحت الاسم.

نادين.

ابتسمت وقلت:

— واضح إنها لسه مش عارفة إنك قررت تقطع علاقتك بيها.

وشه احمر من الغضب.

قال:

— إنتِ بتستفزيني يا مريم.

رديت:

— لا يا آسر، أنا بس بطلت أصدقك.

خرج من البيت وهو بيهدد إنه مش هيسيب الموضوع يعدي كده.

لكن الغريب إني لأول مرة ما خوفتش من غضبه.

تاني يوم الصبح، صحيت على رسالة من رقم نادين.

“مريم، لازم أقابلك. فيه حاجة مهمة جدًا، ومش هقدر أقولها في التليفون.”

مسحت الرسالة.

بعد عشر دقايق، بعتت تاني:

“آسر عرف إني قولتلك على الورق، وهددني. أنا عارفة إني ظلمتك، بس لازم أساعدك قبل ما يفوت الأوان.”

فضلت باصة للرسالة.

مكنتش عارفة أصدقها ولا لأ.

كلمت الأستاذ فؤاد وحكيتله.

قال:

— متقابليهاش لوحدك، ولو عندها معلومات أو مستندات، خليها تقدمها رسميًا.

رديت على نادين:

“لو عندك حاجة تخص الأوراق، كلمي الأستاذ فؤاد، المحامي بتاعي.”

بعد ساعة، جالي منها تسجيل صوتي.

كان صوتها بيرتعش.

“مريم، أنا عارفة إنك مش هتسامحيني، ومش بطلب منك تسامحيني. بس فيه حاجة لازم تعرفيها… آسر كان مخطط ياخد نصيبك في الشركة، وبعدها يطلقك. وأنا كنت عارفة.”

وقفت التسجيل وأنا حاسة بغثيان.

لكنها كملت:

“هو وعدني إننا هنتجوز بعد ما ينهي كل حاجة معاكي. وأنا صدقته. بس امبارح اكتشفت إنه كان بيضحك عليا أنا كمان.”

وبعدين سمعتها بتعيط.

“لقيت على اللابتوب بتاعه ملف فيه تحويلات مالية، ورسائل مع واحدة تالتة… وورق بيخص بيع أصول الشركة.”

واحدة تالتة؟!

يعني آسر كان بيخونني مع نادين، وبيخدع نادين مع واحدة غيرها؟

بعتتلي صورة شاشة من محادثة.

كان فيها رسالة من آسر لرقم مسجل باسم “هالة”.

“اصبري أسبوع واحد، أول ما أخلص موضوع مريم والتنازل، هنسافر ونبدأ حياتنا بعيد.”

وتحتها رد:

“ونادين؟”

آسر رد:

“دي كانت مجرد وسيلة، متشغليش بالك بيها.”

حطيت الموبايل على الترابيزة.

مكنتش عارفة أضحك ولا أعيط.

نادين اللي باعت صاحبتها علشان راجل، اكتشفت إنها بالنسبة له مجرد وسيلة.

لكن اللي شد انتباهي أكتر كان تاريخ الرسائل.

كانت من أسبوعين.

يعني وهو بيخطط يسافر مع نادين، كان في نفس الوقت بيرتب يهرب مع واحدة تالتة!

اتصلت بالأستاذ فؤاد وبعتله كل اللي وصلني.

قال:

— كويس إنك احتفظتي بالرسائل، بس لازم نتحقق من صحتها، ومش هنعتبر أي صورة دليل قاطع قبل ما نراجع مصدرها.

وبعدين سألني:

— إنتِ كويسة يا مريم؟

قلت:

— مش عارفة، بس عايزة أخلص من الكابوس ده.

بعد العصر، كنت قاعدة مع أمي لما حسيت بدوخة شديدة.

حاولت أقوم، لكن رجليا خانتني.

أمي جريت عليا.

— مريم! مالك يا بنتي؟

قلت بصوت ضعيف:

— مش قادرة… حاسة إني هقع.

أمي سندتني، وكلمت الدكتور.

وبعد وقت قصير كنا في المستشفى.

الدكتورة كشفت عليا، واطمنت على الحمل بالسونار.

الحمد لله، النبض كان موجود.

قالتلي:

— لازم ترتاحي، وتاكلي كويس، وتبعدي عن التوتر على قد ما تقدري.

فضلت باصة لشاشة السونار.

النقطة الصغيرة اللي بتتحرك قدامي دي كانت السبب الوحيد اللي مخليني عايزة أكون قوية.

مسحت دموعي وقلت:

— حاضر يا دكتورة.

بعد الكشف، خرجت لقيت آسر واقف في ممر المستشفى.

اتصدمت.

— إنت عرفت مكاني إزاي؟!

أمي قالت:

— أنا كلمته يا مريم، اتخضيت عليكي، وهو مهما حصل جوزك.

آسر قرب مني بقلق.

— إنتِ كويسة؟ عندك إيه؟

قلت:

— الحمد لله.

بص ناحية أوضة الكشف، وبعدين سأل:

— إنتِ كنتِ عند دكتورة نسا ليه؟

قلبي دق بسرعة.

حاولت أغير الموضوع.

— كشف عادي.

لكن آسر لمح ورقة السونار اللي كانت في إيدي.

مد إيده وخدها قبل ما ألحق أخبيها.

بص فيها.

وبعدين رفع عينه ليا.

وشه اتغير تمامًا.

— مريم… إنتِ حامل؟!

سكت.

كرر السؤال بصوت أعلى:

— ردي عليا! إنتِ حامل؟!

بصيتله وقلت:

— أيوه يا آسر، حامل.

فضل واقف مصدوم.

— من إمتى؟!

— من حوالي تلات شهور.

حط إيده على راسه.

— وإنتِ مخبية عليا؟!

ضحكت بوجع.

— كنت مجهزالك مفاجأة في عيد ميلادي… بس إنت كنت مشغول بمفاجأة تانية.

سكت.

ولأول مرة شفت في عينه خوف حقيقي.

لكن مكنتش عارفة خايف على ابنه، ولا خايف إن الحمل يعطل خططه.

قرب مني وقال:

— مريم، لازم ترجعي معايا البيت حالًا.

قلت:

— مش هرجع.

— إنتِ مش فاهمة، وجودك عند أمك دلوقتي مش مناسب.

— ليه؟

بص حواليه، وبعدين قال بصوت واطي:

— علشان فيه ناس ممكن تستغل الحمل ده ضدي.

اتجمدت مكاني.

حتى الطفل اللي جوايا كان بيفكر فيه باعتباره مشكلة ممكن تأثر عليه!

قلت:

— إنت لسه بتفكر في نفسك؟

رد بعصبية:

— أنا بفكر في مستقبلنا!

وقبل ما أرد، موبايلي رن.

كان الأستاذ فؤاد.

رديت.

— أيوه يا أستاذ فؤاد؟

قال بصوت متوتر:

— مريم، إنتِ فين دلوقتي؟

— في المستشفى، خير؟

— اسمعيني كويس، أنا وصلت لمعلومة خطيرة جدًا، ولازم تيجي المكتب بكرة الصبح.

قلبي اتقبض.

— حصل إيه؟

قال:

— لقينا مستندات بتوضح إن آسر حاول يرتب بيع جزء من أصول الشركة، لكن فيه حاجة أخطر.

— إيه هي؟

سكت لحظة.

وبعدين قال:

— فاكرة حادثة العربية اللي حصلت لأبوكي قبل وفاته بست شهور؟

اتسمرت مكاني.

أبويا كان اتعرض لحادثة عربية خطيرة، لكنه نجا منها، وبعدها بفترة توفى بأزمة قلبية.

قلت:

— أيوه… مالها؟

رد المحامي:

— ظهر اسم آسر في أوراق مرتبطة بالعربية اللي تسببت في الحادثة.

حسيت إن نفسي اتقطع.

— تقصد إيه؟!

قال بسرعة:

— لسه منقدرش نجزم بأي حاجة، ولازم الجهات المختصة تتحقق، لكن فيه مستند لازم تشوفيه.

رفعت عيني ناحية آسر.

كان واقف قدامي، بيراقب وشي بقلق.

المحامي كمل:

— والأغرب إن الشخص اللي بعتلي المستند ده، بعت معاه رسالة واحدة.

سألته وأنا مرعوبة:

— مكتوب فيها إيه؟

قال:

“لو مريم عايزة تعرف الحقيقة عن جوازها وعن اللي حصل لأبوها… تسأل جوزها كان بيعمل إيه ليلة الحادثة.”

حسيت الدنيا كلها بتلف بيا.

بصيت لآسر.

ولأول مرة، السؤال اللي كان جوايا مكنش عن الخيانة، ولا عن فلوسي، ولا حتى عن جوازنا.

كان سؤال واحد بس:
يا ترى الراجل اللي اتجوزته، كان له علاقة بالحادثة اللي كادت تقتل أبويا؟!

بقلم الكاتبة أسما السيد — جميع الحقوق محفوظة، ممنوع النسخ أو إعادة النشر دون إذن.

… اشبعوا ببعض!

الجزء الثالث والأخير

بقلم الكاتبة أسما السيد

— إنت كنت فين ليلة حادثة بابا يا آسر؟!

سألته السؤال وأنا واقفة قدامه في ممر المستشفى، وإيدي على بطني، وقلبي بيدق لدرجة إني كنت حاسة إنه هيخرج من صدري.

آسر بصلي باستغراب، لكن الاستغراب ده اختفى أول ما ذكرت اسم أبويا.

— بتسأليني السؤال ده ليه دلوقتي؟!

— جاوبني… كنت فين ليلة الحادثة؟!

بص ناحية أمي اللي كانت واقفة جنبي، وبعدين رجع بصلي وقال بعصبية:

— هو إنتِ خلاص فقدتي عقلك يا مريم؟! يعني مش كفاية بتتهميني إني بخونك، دلوقتي هتتهميني إني أذيت أبوكي كمان؟!

رديت بصوت مخنوق:

— أنا لسه متهمتكش بحاجة… أنا بسألك سؤال بسيط، وإنت بدل ما تجاوب بتزعق!

قرب مني وقال من بين سنانه:

— مين اللي حط الكلام ده في دماغك؟ المحامي العجوز بتاع أبوكي؟

سكت لحظة، وبعدين كمل:

— الراجل ده عمره ما حبني، وكان نفسه يفرق بينا من أول يوم!

أمي اتدخلت وقالت:

— الأستاذ فؤاد راجل محترم، وكان صاحب أبوها من أكتر من تلاتين سنة، ومش من حقك تتكلم عنه كده!

آسر تجاهلها، ومد إيده ناحيتي.

— تعالي معايا يا مريم، إحنا لازم نتكلم بعيد عن الناس دي.

رجعت خطوة وقلت:

— مش هروح معاك في حتة، ولما تحب تتكلم يبقى قدام المحامي.

وشه احمر من الغضب.

— إنتِ فاكرة إنك هتقدري تحاربيني وتكسبي؟!

بصيتله بثبات.

— أنا مش بحاربك يا آسر… أنا بحاول أحمي نفسي منك.

وقبل ما يرد، أمي مسكت إيدي وقالت:

— يلا يا بنتي، الدكتور قالك ترتاحي.

مشيت معاها، وسبته واقف مكانه.

لكن قبل ما أخرج من المستشفى، سمعته بينادي:

— مريم! خليكي فاكرة إنك مراتي، واللي في بطنك ابني!

وقفت لحظة، ولفيت وشي ناحيته.

— ابنك اللي من يومين كنت بتقول إنك مش عايز طفل يربطك بيا؟

سكت.

كملت وأنا بحاول أمنع دموعي:

— الطفل ده مش ورقة ضغط يا آسر… ده روح ربنا رزقني بيها، وأنا هحافظ عليها سواء كنت موجود أو مش موجود.

وسبته ومشيت.

تاني يوم الصبح، رحت مكتب الأستاذ فؤاد ومعايا أمي.

كنت طول الليل مش عارفة أنام.

كل شوية أفتكر أبويا.

أفتكر يوم الحادثة لما اتصلوا بينا وقالوا إن عربيته اتخبطت على الطريق الصحراوي.

أفتكر وشه وهو نايم في المستشفى، وإيده متجبسة، والجرح اللي كان في جبينه.

يومها آسر كان أول واحد وصل المستشفى بعدنا.

كان بيجري في الممرات، وبيسأل عن حالة بابا، وبيطمني.

فاكرة إنه حضني وقتها وقال:

— متخافيش يا مريم، أنا معاكي، وعمري ما هسيبك.

يا ترى كان فعلًا بيطمني؟

ولا كان بيتأكد إن بابا لسه عايش؟

السؤال ده كان بيقتلني.

أول ما دخلنا مكتب المحامي، لقيناه قاعد ومعاه راجل في الخمسينات.

الأستاذ فؤاد قام وقال:

— اتفضلي يا مريم، ده الأستاذ شريف، محامي متخصص في القضايا التجارية، وطلبت منه يساعدنا في موضوع الشركة.

سلمت عليه وقعدت.

قلت من غير مقدمات:

— أنا عايزة أعرف موضوع حادثة بابا.

الأستاذ فؤاد فتح ملف قدامه، وطلع منه صور أوراق.

— بصي يا بنتي، قبل ما أقولك أي حاجة، لازم تعرفي إن اللي معانا دلوقتي مجرد قرائن، مش دليل إن آسر تسبب في الحادثة.

هزيت راسي.

كمل:

— العربية اللي خبطت عربية أبوكي وقتها هربت، والبلاغ اتقيد ضد مجهول، لكن من يومين وصلني مستند قديم بيخص عربية بنفس المواصفات.

بصيت للورق.

— عربية مين؟

— كانت مسجلة باسم شركة تأجير سيارات، وفي الفترة اللي حصلت فيها الحادثة، كانت مؤجرة لشخص اسمه حسام الديب.

الاسم مكنش غريب عليا.

فضلت أفكر ثواني.

وفجأة افتكرت.

— حسام الديب؟! ده مش صاحب آسر؟!

الأستاذ فؤاد هز راسه.

— بالظبط.

حسيت ببرودة في أطرافي.

حسام كان صاحب آسر من أيام الجامعة.

وكان بييجي بيتنا كتير في أول سنة جواز.

لكن من حوالي سنتين اختفى فجأة.

ولما سألت آسر عنه، قالي إنهم اتخانقوا في شغل، وكل واحد راح لحاله.

سألت المحامي:

— يعني حسام هو اللي خبط بابا؟

رد:

— منقدرش نقول كده، لكن العربية كانت في عهدته حسب الأوراق، وده محتاج تحقيق رسمي.

الأستاذ شريف اتدخل:

— وإحنا بالفعل بنجهز بلاغ بالمستندات اللي وصلتنا، علشان الجهات المختصة تتحقق من صحتها وتراجع ملف الحادثة.

سألت:

— طب مين بعتلكم الورق ده؟

الأستاذ فؤاد بصلي وقال:

— نادين.

اتجمدت.

— نادين؟!

— أيوه، بعتتلي المستندات امبارح، وقالت إنها لقيتها ضمن ملفات آسر القديمة.

سكت شوية، وبعدين كمل:

— لكن فيه حاجة تانية… نادين طلبت تقابلك، وبتقول إن معاها معلومات مهمة.

ضحكت بمرارة.

— نادين عايزة تقابلني بعد كل اللي عملته؟!

قال بهدوء:

— القرار قرارك، بس يمكن شهادتها تساعد في كشف الحقيقة.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى