
جريت عليها وحضنتها.
“أهو وصلتي يا عمتي! كنت مستنياكي.”
حضنتني، لكنها ما ابتسمتش.
بصتلي وقالت:
“مبروك يا سهى.”
حسيت إن في حاجة غلط في صوتها.
“مالك يا عمتي؟ إنتِ زعلانة مني؟”
هزت راسها وقالت:
“مش وقته يا بنتي. ربنا يتمم بخير.”
سابَتني وراحت ناحية ياسين، واتكلمت معاه بعيد عن الناس.
فضلت أراقبهم من مكاني، ولقيت ياسين بيهز راسه، وبعدها أشار لواحد من رجالة عيلته إنه يجيب حاجة من العربية.
بدأ القلق يدخل قلبي.
لكن حاولت أضحك مع البنات اللي حواليا، وأتصرف بشكل طبيعي.
بعد شوية، المزيكا هديت، ووالد ياسين، الحاج محمود، طلب من الناس تسمع كلمتين.
وقف في نص القاعة، وبص للحاضرين، وقال بصوت واضح:
“إحنا النهارده جايين نفرح بابننا ياسين، ونفرح بأهل العروسة. وإحنا عمرنا ما دخلنا بيت حد إلا بالخير، ولا رضينا على نفسنا إننا نظلم بنت من بنات الناس.”
الناس سكتت، وأنا بصيت لياسين باستغراب.
كمل الحاج محمود:
“بس قبل ما نكمل فرحتنا، في موضوع لازم يتقال قدام الجميع، لأن الجواز مش مجرد فستان وخاتم وصورة حلوة. الجواز أمانة، واللي داخل بيت لازم يكون صريح من الأول.”
قلبي بدأ يدق بسرعة.
إيه الكلام ده؟
وليه بيتكلم بالطريقة دي في خطوبتي؟
بصيت لياسين، لقيته قام من مكانه، ووقف جنب أبوه، وبعدها طلب من المصور يوقف التصوير.
في اللحظة دي، القاعة كلها بدأت تهمس.
واحدة من قرايبي قربت من التانية وقالت:
“هو في إيه؟”
والتانية ردت:
“معرفش، شكلهم هيقولوا حاجة مهمة.”
أما أنا، فحسيت إن رجلي مش شايلاني.
قربت من ياسين وقلت بصوت منخفض:
“إنت بتعمل إيه؟ إحنا في نص الخطوبة!”
بصلي وقال:
“عارف يا سهى. وعشان كده مش هأجل الكلام أكتر من كده.”
وبعدين التفت ناحية باب القاعة، وقال بصوت مسموع:
“ممكن تدخلوا.”
الباب اتفتح.
ودخلت عمتي منى، اللي كانت قاعدة معانا في البيت يوم ما جابت العريس لأول مرة، ووراها إيمان!
أيوه، إيمان أختي الصغيرة.
كانت لابسة فستان بسيط لونه بيج، وحجابها متظبط، ووشها شاحب كأنها ما نامتش بقالها أيام.
أول ما شفتها، حسيت إن الأرض بتتهز من تحتي.
إيمان هنا ليه؟
بصيت لعمتي، وبعدين لياسين، وقلت بعصبية:
“هو إيه اللي بيحصل؟ إيمان جاية تعمل إيه؟”
ياسين ما ردش.
إيمان نفسها كانت باصة في الأرض، وبتحاول تمنع دموعها.
أما عمتي، فكانت ماسكة إيدها وبتضغط عليها كأنها بتشجعها.
وفجأة، ياسين مد إيده وأخد الميكروفون من أبوه، وقال:
“قبل ما أبدأ كلامي، عايز أوضح حاجة. أنا مش جاي النهارده أفضح حد، ولا جاي أجرح مشاعر أي إنسان. لكن في فرق كبير بين إني أختار شريكة حياتي عن اقتناع، وبين إني أبني قراري على كلام اتقال لي وطلع مش حقيقي.”
وشي بدأ يسخن.
كان واضح إنه بيتكلم عني.
كمل:
“أنا اتقدمت لإيمان في البداية، وبعد ما اتعرفت عليها، لقيت بنت محترمة وهادية، وعندها مبادئ واضحة. وبعد فترة، وصلني كلام من سهى، أختها، خلاني أصدق إن إيمان نفسها مش راغبة في الجواز مني، وإنها وافقت بس بسبب ضغط الأسرة، وإن سهى هي اللي تنازلت عني من باب إنها مش عايزة تزعل أختها.”
الناس بدأت تبصلي.
حاولت أتكلم، لكنه رفع إيده بهدوء وقال:
“استنوا، أنا لسه مخلصتش.”
حسيت إني مش قادرة أتنفس.
إزاي عرف؟
مين قاله؟
هل شاف الرسائل؟
فضلت أبص في وشه، وقلبي بيخبط بعنف.
قال:
“أنا غلطت لما صدقت الكلام من غير ما أواجه إيمان بيه. وده شيء أنا بتحمل مسؤوليته. لكن بعد ما فسخت الخطوبة، وطلبت إني أتقدم لسهى، بدأت ألاحظ إن في حاجات مش راكبة على بعضها.”
وبعدين بص ناحية إيمان وقال:
“أنا طلبت أقابلها بحضور أهلها، وأسألها سؤال واحد. هل هي كانت فعلًا عايزة تسيبني لأختها، ولا ده كان كلام اتقال باسمي؟”
إيمان رفعت عينيها لأول مرة، وقالت بصوت مرتعش:
“أنا ما قلتش الكلام ده أبدًا.”
الصالة كلها سكتت.
إيمان كملت، والدموع بدأت تنزل على خدودها:
“أنا كنت موافقة عليك لأن عمتي قالتلي إنك راجل محترم، وكنت فاكرة إنك هتكون زوج صالح. ولما عرفت إنك فسخت الخطوبة، ما حاولتش أرجعك، ولا كلمتك، ولا دخلت بينك وبين أختي. كل اللي عملته إني قعدت في أوضتي وعيطت، لأنك كنت أول شخص أوافق عليه وأنا مطمنة.”
حسيت إن نفسي اتسحب من صدري.
كان المفروض إيمان تسكت.
كان المفروض تبقى ضعيفة زي ما تخيلتها.
لكنها كانت واقفة قدام الناس كلها وبتتكلم بهدوء، وده خلاني أحس إن كل العيون بقت سكاكين موجهة ليا.
صرخت:
“كفاية بقى! إنتوا عاملين مسرحية ليه؟ هو أنا اللي أجبرته يسيبك؟ هو مش راجل وعنده عقل؟!”
ياسين رد من غير ما يعلي صوته:
“عندك حق. أنا راجل وعندي عقل، وأنا مسؤول عن قراري. لكن إنتِ كمان مسؤولة عن الكلام اللي قلتيه لي.”
وبعدين طلع موبايله من جيبه، وفتحه، ومده ناحية أبوه.
الحاج محمود بص في الشاشة، وبعدها رفع عينه وبصلي بصدمة.
ساعتها عرفت إن المصيبة أكبر مما تخيلت.
ياسين قال:
“أنا مش هعرض رسائل خاصة قدام الناس، لأن ده مش من أخلاقي. لكن عندي دليل واضح على إن سهى قالت لي إن عمتي كانت جاية تخطبني ليها من البداية، وإن إيمان هي اللي تدخلت وأخدت مكاني.”
صرخت وأنا بحاول أتمسك بأي حجة:
“وده حقيقي! عمتي كانت جاية ليا أنا!”
عمتي منى رفعت رأسها وقالت بحزم:
“لا يا سهى. الكلام ده ما حصلش.”
بصيت لها بذهول.
“إيه؟!”
قالت:
“أنا جيت البيت يومها عندك فعلًا، لكن إنتِ رفضتي تسمعي عن العريس، وقلتي إنك مستحيل تتجوزي في الريف. ولما إيمان وافقت، أنا فرحت لأنها بنت أصول وبتحكم على الإنسان بأخلاقه، مش بعنوان بيته.”
حاولت أقاطعها، لكنها كملت:
“وأنا كمان غلطت لما سكتُّ لما ياسين طلب يتقدم لك. كان لازم أقف وأقول إن اللي حصل مش طبيعي، لكني قلت يمكن يكون ده نصيبك، ويمكن تكوني فعلًا ندمتي على رفضك الأول. ما كنتش أعرف إنك بتقولي له كلام عن أختك ما حصلش.”
حسيت إن القاعة بتلف بيا.




