
كل اللي بنيته في خيالي خلال الأسابيع اللي فاتت كان بيتفكك قدامي.
لكن اللي جاي كان أصعب.
لأن ياسين رفع إيده وطلب من الناس تهدى، وبعدها قال جملة ما كنتش أتخيل أسمعها في يوم من الأيام:
“أنا النهارده مش هقدر أكمل الخطوبة دي.”
الصالة كلها اتقلبت.
واحدة شهقت، وواحد من قرايبنا قال:
“يا نهار أبيض!”
وماما اللي كانت واقفة في آخر القاعة، حطت إيدها على صدرها، وكأن الكلام أصابها في قلبها.
أما أنا، ففضلت واقفة مكاني مش قادرة أتحرك.
بصيت لياسين وقلت:
“إنت بتهزر، صح؟”
رد بهدوء:
“لأ.”
“يعني إيه لأ؟! إنت جايب الناس كلها، وحاجز القاعة، وجايب الشبكة، وبعد كل ده تقولي مش هتكمل؟!”
قال:
“أنا جاي النهارده عشان أوضح الحقيقة قبل ما نكمل في طريق غلط. وكان ممكن أعتذر لك بيني وبينك، لكن بعد ما اتفقنا على الخطوبة، وأهلنا حضروا، كان لازم أكون واضح قدامهم.”
صرخت:
“إنت بتعاقبني عشان حبيتني؟!”
بصلي نظرة طويلة، وقال:
“أنا ما قلتش إني حبيتك يا سهى.”
الجملة دي كانت أقسى من فسخ الخطوبة نفسها.
حسيت إن حد صفعني قدام الناس كلها.
لأنني كنت طول الوقت متخيلة إنه اتعلق بيا، وإنه اختارني عشان أنا أجمل وأذكى وأعرف أتعامل معاه أحسن من إيمان.
لكن كلامه وضح لي إنه كان شايف حاجة مختلفة تمامًا.
حاولت أتماسك، وقلت:
“طب وإيه موضوع إيمان؟ جايبها هنا ليه؟ عشان تكسر قلبي قدامها؟”
ياسين بص لإيمان وقال:
“إيمان مالهاش ذنب في اللي حصل، وأنا ظلمتها لما صدقت كلام اتقال لي عنها. وعشان كده أنا اعتذرت لها ولأهلها.”
إيمان هزت رأسها وقالت:
“أنا قبلت اعتذارك، وربنا يوفقك.”
وبعدين لفت عشان تمشي.
لكن قبل ما تتحرك، ياسين قال:
“استني يا إيمان، لو سمحتي.”
وقفت مكانها، وبصت له باستغراب.
أنا قلبي وقف تقريبًا.
هل ممكن يكون لسه عايزها؟
هل كل اللي حصل ده مجرد طريقة عشان يرجعلها؟
ياسين أخذ نفسًا عميقًا، وبص لأبوه، وبعدها رجع بص لإيمان.
وقال:
“أنا عارف إن اللي حصل خلاكي تشكي فيا، وعارف إني جرحتك لما فسخت الخطوبة بالطريقة دي. وأنا مش من حقي أطلب منك أي حاجة، لكن من حقي أقول لك إني اكتشفت إني استعجلت، وإن القرار اللي أخدته كان غلط.”
إيمان ما ردتش.
قال:
“أنا مش هطلب منك ترجعي لي، ولا هضغط عليكي، ولا هطلب من أهلك يقنعوكي. كل اللي عايز أقوله إن لو في يوم قررتي تسمعي مني من جديد، أنا هكون مستعد أبدأ معاكي من الأول، وبالطريقة اللي ترضي ربنا وترضيكي.”
الصالة كلها كانت ساكتة.
أما أنا، فحسيت إن قلبي بيتقطع.
حتى بعد كل اللي عملته، وبعد ما أخدت مكان إيمان، كان واقف قدام الناس وبيعترف إنه أخطأ في حقها، وبيطلب منها فرصة جديدة، بينما أنا اللي كنت لابسة فستان الخطوبة، واقفة كأني مش موجودة.
إيمان بصت له، وبعدها قالت:
“أنا مقدرة كلامك، لكن محتاجة وقت. ومش هقدر أديك إجابة دلوقتي.”
هز رأسه وقال:
“ده حقك.”
وبعدين التفت ناحية الحاج محمود، وطلب منه يعتذر لماما عن اللي حصل، وقال إنه مستعد يتحمل تكاليف القاعة وأي مصاريف ترتبت على الخطوبة.
لكن ماما ما كانتش بتسمع الكلام ده.
كانت باصة لي، ودموعها في عينيها.
قربت مني، ومسكت إيدي وقالت:
“تعالي يا سهى. كفاية لحد كده.”
أنا سحبت إيدي منها بعنف وقلت:
“إنتِ كمان ضدي؟!”
ماما اتصدمت من طريقتي.
“أنا مش ضدك يا بنتي. أنا أمك، وعمري ما هكون ضدك. لكن مش معنى إني أمك إني أقول إن الغلط صح.”
الكلام وجعني، لكن بدل ما أعترف بغلطتي، زودت عنادي.
بصيت لكل الناس اللي حواليا، وشعرت إنهم بيحكوم عليا، فقررت أهرب قبل ما أسمع كلمة واحدة زيادة.
جريت ناحية باب القاعة، وخلعت خاتم الخطوبة من إيدي، ورميته على الترابيزة اللي جنب الباب.
وخرجت.
ما كنتش عارفة أنا رايحة فين.
كل اللي كنت عارفاه إني مش قادرة أواجه نظرات الناس، ولا أسمع صوت إيمان، ولا أشوف وش ماما الحزين.
وصلت البيت بعد حوالي ساعة، وكنت لسه بفستاني ومكياجي، لكن كل حاجة في شكلي كانت مختلفة.
الفستان اللي كنت شايفاه أجمل فستان في الدنيا، بقى تقيل على جسمي، والكعب اللي اخترته بعناية بقى بيوجع رجلي.
دخلت الشقة، لقيت ماما قاعدة في الصالة، وإيمان قاعدة جنبها، وعمتي منى واقفة عند الشباك.
أول ما شفت إيمان، حسيت بالغضب بيرجع تاني.
قلت لها:
“مبسوطة كده؟ أخدت اللي إنتِ عايزاه؟”
إيمان رفعت عينيها ليا، وقالت بهدوء:
“أنا ما أخدتش منك حاجة يا سهى.”
ضحكت بسخرية.
“آه طبعًا! إنتِ ملاك، وأنا الشيطانة، صح؟”
ماما قامت من مكانها وقالت:
“بس يا سهى! كفاية لحد كده.”
لكن أنا كنت فقدت السيطرة على نفسي.
بصيت لإيمان وقلت:
“من يوم ما وافقتي عليه وإنتِ مستنية اللحظة دي! كنتِ عايزة تثبتي إنك أحسن مني، وإن الراجل اللي أنا رفضته إنتِ تقدري تاخديه!”
إيمان قامت هي كمان، ودموعها نزلت.
“أنا عمري ما فكرت بالطريقة دي. إنتِ اللي قلتي لي أوافق عليه، وإنتِ اللي سخرتي مني، وإنتِ اللي بعد كده حاولتي ترجعيه لنفسك. أنا عملت إيه عشان تستاهل مني كل الكلام ده؟”
ما لقيتش رد.
لأن كلامها كان حقيقي.
لكن الاعتراف بالحقيقة كان أصعب عندي من إني أتهمها.
قلت بحدة:
“إنتِ بتتكلمي كأنك ما غلطتيش في حاجة!”
إيمان مسحت دموعها وقالت:
“أنا مش بقول إني كاملة، لكن في حاجة واحدة متأكدة منها. أنا ما كذبتش على حد عشان أخد حاجة من حد.”
الجملة دي خلتني أسكت.
عمتي قربت مني وقالت:
“يا بنتي، أنا عارفة إنك موجوعة، لكن لازم تفهمي إن الوجع اللي إنتِ حاساه دلوقتي، إيمان حسته قبلك بأيام. الفرق إنها ما حاولتش تنتقم منك.”
بصيت لها وقلت:
“إنتِ السبب في كل ده! لو كنتِ قلتي لي من الأول إنه غني، ما كانش حصل اللي حصل!”




