Uncategorized

زوجه حكايات صافي هاني

اسمي سناء، عندي ست وخمسين سنة، ومتجوزة محمود من واحد وتلاتين سنة، ومن تلات شهور ابننا طارق اتجوز جنة، كان فرح زي الفل، وطارق كان منور من الفرحة وأنا عيطت زي الأطفال، وبعدها محمود بدأ يتاخر في الشغل ويرجع ريحته برفيوم ويخبي تليفونه، كنت بقول لنفسي دي أوهام، فبعد واحد وتلاتين سنة جواز مستحيل تشك في الراجل اللي بينام جنبك، ويوم الخميس إشعار نور على التابلت المشترك بيننا، رسالة من “ج.” بتقول

: “النهاردة الساعة 8 في نفس المكان، طارق في الوردية الليلية”، دمي اتجمد في عروقي، وبالليل مشيت ورا محمود وقعدت في عربيتي قدام فندق في الناحية التانية من البلد وإيديا كانت بترتجف على طارة العربية، والساعة 8 وسبع دقايق عربية جنة البيضا دخلت، وعشر دقايق ولقيت جوزي خارج من اللوبي وحاطط إيده على وسطها… مرات ابننا، صورت صورة وبعدها فيديو، مصوتش ولا عيطت، في حاجة جوايا سكتت تماماً، وصوت أبويا الله يرحمه رن في وداني: “الراجل ده هيخيب ظنك في يوم يا سناء”، اتصلت بطارق من الجراج، رد بصوت مرح: “ماما؟ كل حاجة تمام؟”، قلتله بصوت ثابت: “يا طارق، تعالى على مقبرة جدك حالاً، هقابل وهوريك حاجة وأحكيلك كل حاجة، وبعدها هنعمل حاجة”، قالى: “يا ماما أنتِ خوفتيني”، قلتله: “تعال بس يا حبيبي”، قفلت السكة ودورت العربية وسوقت على مقبرة أبويا، القصة الكاملة في أول تعليق. ملحوظة القصة الكاملة ست بس ع اسم الصفحه هايطلعلك البوستأبر   وصلت المقبرة بعد حوالي نص ساعة، وكانت الدنيا بدأت تظلم، والهواء بارد بشكل غريب، كأن الليل كله متفق يخبّي وجع الناس اللي مالهاش صوت.   ركنت عربيتي قدام البوابة الحديد، ونزلت وأنا ماسكة موبايلي بإيد، وبالإيد التانية شنطتي اللي حطيت فيها التابلت والصور اللي صورتها لمحمود وجنة.   وقفت قدام قبر أبويا، الراجل الوحيد اللي طول عمري كنت بحس إنه شايفني حتى وأنا ساكتة.   بصيت لاسمه المحفور على الرخام، وقلت بصوت مبحوح:   “كنت عارف يا بابا؟ كنت حاسس إن اليوم ده هييجي؟ طب ليه ما قلتليش أعمل إيه لما ألاقي نفسي واقفة قدام مصيبة زي دي؟ أنا عندي ستة وخمسين سنة، يا بابا، مش بنت صغيرة لسه بتتعلم الحياة. قضيت واحد وتلاتين سنة بحافظ على بيتي، وبربي ابني، وبقف جنب جوزي في كل خطوة، وفي الآخر ألاقي نفسي مش عارفة أنا كنت عايشة مع مين!”   صوت عربيّة طارق قطع كلامي.   نزل ابني بسرعة، وكان لابس هدوم الشغل، وشعره منكوش من كتر ما كان بيحرك إيده فيه وهو سايق.   أول ما شافني واقفة لوحدي في المكان ده، جري عليا.   “ماما! إيه اللي حصل؟ مالك؟ حد حصله حاجة؟ بابا كويس؟”   مجرد ما قال كلمة بابا، حسيت إن قلبي اتعصر.   كنت عايزة أحضنه وأعيط في حضنه زي ما كنت بعمل وهو صغير، لكني مسكت إيده وقلتله:   “تعالى اقعد جنبي يا حبيبي.”   بصلي باستغراب.   “هنا؟ عند قبر جدو؟ يا ماما إنتِ مرعوباني!”   قعد على المقعد الحجري الصغير اللي جنب القبر، وأنا فضلت واقفة قدامه ثواني، بحاول أرتب الكلام في دماغي.   إزاي أقول لابني إن الست اللي اختارها شريكة لحياته، واللي كان فاكر إنه هيعيش معاها عمره كله، كانت مع أبوه في فندق؟   وإزاي أقول له إن أبوه، الراجل اللي كان بيحلف له إنه أغلى حاجة عنده، هو نفسه اللي كسر قلبه قبل ما يكسر قلبي؟   طلعت الموبايل.   قلتله: “يا طارق، قبل ما أوريك أي حاجة، عايزاك تسمعني للآخر. مهما حصل، أوعى تاخد قرار وإنت متعصب، وأوعى تعمل حاجة تندم عليها طول عمرك.”   بصلي بتركيز، والابتسامة اللي كانت على وشه اختفت.   “ماما، إنتِ بتتكلمي عن إيه؟”   فتحت الصورة الأولى.   محمود خارج من الفندق، وجنة واقفة جنبه.   طارق قرب الموبايل من وشه، وبص للصورة.   في البداية ما اتكلمش.   كبر الصورة بإصبعي، وخليته يشوف وش جنة بوضوح، وبعدها فتحت الفيديو.   ظهر محمود وهو خارج من باب الفندق، بيبص حواليه، وبعدها مد إيده وحطها على وسط جنة، وهي قربت منه بشكل خلاني أنا نفسي ما قدرتش أبص للشاشة أكتر من كده.   الفيديو انتهى.   لكن طارق فضل باصص للموبايل كأن الصورة لسه بتتحرك قدامه.   قال بصوت واطي:   “دي جنة؟”   ما رديتش.   رفع عينه ليا.   “ماما، ردي عليا. دي مراتي؟”   قلتله وأنا بحاول أثبت صوتي:   “أيوه يا حبيبي.”   هز راسه ببطء، وضحك ضحكة قصيرة، ضحكة واحد مش مصدق إن الدنيا ممكن توصل بيه للحظة زي دي.   “يمكن في تفسير.”   كنت مستنية الجملة دي.   مش لأنه مش مصدقني، لكن لأن الإنسان لما بيتوجع من أقرب الناس ليه، عقله بيحاول يهرب من الحقيقة بأي طريقة.   قال بسرعة:   “يمكن كانوا في مكان فيه ناس، يمكن بابا قابلها بالصدفة، يمكن…”   وقف فجأة.   بص للصورة تاني، وبعدها قال:   “بس إيه اللي يودي مراتي فندق في الناحية التانية من البلد؟ وأنا في الوردية الليلية؟”

نزلت دمعة من عينه، فلف وشه الناحية التانية ومسحها بسرعة.   أنا ما قدرتش أتحمل.   قعدت جنبه، وحطيت إيدي على كتفه.   “يا حبيبي، أنا ما جيتش هنا عشان أوجعك. أنا جيت عشان ما ينفعش أسيبك عايش في حاجة مش عارف حقيقتها.”   قال وهو بيبص للأرض:   “من إمتى يا ماما؟”   سؤاله كان أصعب من أي صرخة.   “مش عارفة يا طارق. الرسالة اللي شفتها كانت بتقول إنهم هيتقابلوا الساعة تمانية، وإنك في الوردية الليلية. أنا ما أعرفش الموضوع بدأ من إمتى.”   سكت شوية، وبعدها سألني:   “وبابا؟ هو عارف إنك عرفتي؟”   هزيت راسي.   “لأ.”   قام من مكانه فجأة، ومشي خطوتين بعيد عني، وبعدها رجع.   “أنا هروح البيت دلوقتي.”   مسكت إيده.   “رايح تعمل إيه؟”   قال بعصبية مكتومة:   “هواجهها. هبص في عينيها وأسألها. أنا عايز أسمع منها، مش من صورة ولا فيديو.”   قلتله:   “حقك، بس مش وإنت بالحالة دي. استنى لما تهدى شوية.”   رد عليا:   “أهدى إزاي يا ماما؟ أنا من تلات شهور كنت واقف في الفرح، وببص لها وهي

داخلة عليا بالفستان الأبيض، وكنت فاكر إني أسعد راجل في الدنيا. وإنتِ كنتِ واقفة بتعيطي من الفرحة. أنا كنت فاكر إن عندي أم وأب ومرات، وإن التلاتة دول هما أماني في الدنيا. دلوقتي أنا مش عارف أرجع البيت ولا أروح فين!”   الكلام ده كسرني.   فتحت دراعي، فدخل في حضني زي ما كان بيعمل وهو طفل، وحط راسه على كتفي.   فضل ساكت فترة طويلة، وأنا بمسح على شعره.   وبعد شوية قال:   “أنا مش هضربها، ومش هعمل حاجة غلط. بس لازم أعرف الحقيقة.”   قلتله:   “وأنا هكون جنبك، مهما كانت الحقيقة.”   بعدها رفع راسه، وبص لقبر جده.   “جدو كان بيحبك أوي، صح يا ماما؟”

  ابتسمت وسط دموعي.   “كان بيحبني أكتر من نفسه.”   قال:   “لو كان عايش، كان هيعمل إيه؟”   بصيت لاسم أبويا وقلت:   “كان هيقول لي ما أخليش وجع الناس يخليني أخسر نفسي.”   طارق سكت، وبعدها مسك إيدي.   “يبقى نعمل كده.”   رجعنا البيت، لكننا ما دخلناش سوا.   طارق قال إنه محتاج يقعد لوحده شوية، فساب عربيته قدام البيت ومشي على رجليه ناحية الشارع الرئيسي.   وأنا طلعت شقتي.   أول ما فتحت الباب، لقيت البيت هادي، بنفس الهدوء اللي كنت بعيش فيه من سنين.   الساعة اللي على الحيطة بتدق، وصورة فرحنا القديمة لسه فوق الكومود، ومحمود في الصورة لابس بدلته الكحلي، وأنا جنبه بفستاني الأبيض، وإيده ماسكة إيدي كأنه عمره ما هيسيبها.   وقفت قدام الصورة.   فاكرة اليوم ده

كويس.   محمود وقتها ما كانش معاه غير مرتب بسيط، وكنا بنحسب مصاريف الأسبوع بالورقة والقلم. عشنا في شقة صغيرة، وأثاثنا كان على قدنا، ولما طارق اتولد، محمود كان بيشتغل ساعات إضافية عشان يوفر له كل اللي يحتاجه.   لما مرضت أمه، أنا اللي كنت بروح أقعد معاها في المستشفى.   ولما خسر فلوس في شغله، بعت دهبي عشان نعدي الأزمة.   ولما بدأ مشروعه الصغير، كنت بساعده في الحسابات، وأجهز له الأكل، وأستناه لحد ما يرجع مهما اتأخر.   كنت دايمًا بقول لنفسي إن الجواز مش أيام حلوة وبس، وإن العشرة معناها إنك تفضل واقف جنب اللي اخترته حتى لما الدنيا تضيق عليه.   لكن عمري ما تخيلت إن العشرة ممكن تبقى هي نفسها الحاجة اللي تخلي الصدمة أقسى.   سمعت صوت المفتاح في الباب.   دخل محمود.   كان لابس نفس القميص اللي شفته بيه في الفيديو، لكن جاكيته كان في إيده.   أول ما شافني، ابتسم ابتسامته المعتادة.   “إيه يا ستي، لسه صاحية؟”   بصيت له من غير ما أرد.   خلع حذاءه، وحط المفاتيح على الترابيزة، وبعدها قرب مني.   “مالك؟ إنتِ تعبانة؟”   السؤال ده وجعني أكتر مما توقعت.   إزاي يقدر يبص في عيني ويسألني إذا كنت تعبانة، وهو السبب في التعب اللي جوايا؟   قلتله بهدوء:   “كنت فين يا محمود؟”   رد بسرعة:   “في الشغل، وبعدها كان عندي مشوار.”   “مشوار فين؟”   وقف لحظة، وبعدها قال:   “في موضوع يخص الشغل. مالك بتسألي كده ليه؟”   بصيت له طويلًا.   “عشان بقالي فترة حاسة إنك بقيت شخص تاني.”   ضحك ضحكة خفيفة.   “يا سناء، إحنا كبرنا على الكلام ده. أنا برجع تعبان، وإنتِ عارفة ضغط الشغل عامل إزاي.”   قلتله:   “آه، عارفة ضغط الشغل. وعارفة كمان إنك من فترة بقيت تخبي تليفونك، وتخرج من الأوضة عشان ترد، وترجع البيت بريحة برفيوم مش بتاعك.”   وشه اتغير للحظة، لكنه حاول يخفي ده.   “إنتِ بتفتشي ورايا؟”   الجملة دي خلتني أضحك من غير ما أقصد.   “أنا؟ بفتش وراك؟”   قرب مني وقال بنبرة فيها عتاب:   “يا سناء، بعد واحد وتلاتين سنة، معقول وصلنا للمرحلة دي؟”   كنت عايزة أصرخ وأقوله إن هو اللي وصلنا، لكنه سبقني بالكلام.   “أنا تعبان ومش ناقص خناقات. خلينا نتكلم بكرة.”   دخل الأوضة وسبني واقفة في الصالة.   سمعته وهو بيقفل الباب، وبعدها سمعت صوت موبايله.   رسالة وصلت.   وبعدها ضحكة خفيفة.   الضحكة اللي كنت زمان بحس إنها أمان البيت، بقيت دلوقتي صوت غريب في ودني.   دخلت المطبخ، شربت شوية مية، وقعدت على الكرسي.   كنت عارفة إن المواجهة لازم تحصل، لكن مش بالطريقة اللي تخليه ينكر، وأنا أفضل أقدم دليل ورا دليل، وفي الآخر يضيع الموضوع كله في جدال.   أنا ما كنتش عايزة اعتراف وخلاص.   كنت عايزة أعرف الحقيقة كاملة.   وفي اللحظة دي، افتكرت حاجة.   الرسالة اللي ظهرت على التابلت ما كانتش رسالة عادية، لأن محمود كان فاكر إن التابلت ملوش علاقة بموبايله.   لكن من سنين، لما اشترينا التابلت، هو بنفسه ربطه بحسابه عشان نقدر نشوف صور العيلة ونحتفظ بالمستندات.   قمت من مكاني، وجبت التابلت من الدرج.   فتحته، ودخلت على الرسائل اللي كانت متزامنة مع الجهاز.   كنت مترددة.   جزء مني كان بيقول لي كفاية، إنتِ شفتي بعينيك.   وجزء تاني كان بيقول إن فيه حاجة ناقصة.   بدأت أراجع الرسائل، لحد ما لقيت محادثة باسم حرف واحد: «ج».   ما فتحتهاش كلها، لكن عيني وقعت على رسالة بتاريخ من شهرين.   «أنا مش هقدر أفضل على الوضع ده كتير. لازم

نتكلم في موضوع سناء.»   قلبي دق بعنف.   موضوع سناء؟   أنا مالي بموضوعهم إيه؟   نزلت لتحت، لقيت رسالة تانية من محمود:   «مش دلوقتي. استني لما الأمور تستقر.»   وبعدها رسالة من «ج»:   «إنت وعدتني إنك هتحل الموضوع قبل ما طارق يعرف أي حاجة.»   حسيت إن الأرض بتلف بيا.   ما بقيتش عارفة إذا كنت عايزة أكمل قراءة الرسائل ولا أقفل التابلت وأهرب من كل ده.   لكن قبل ما أقرر، ظهرت رسالة جديدة.   «بكرة لازم أشوفك. في حاجة لازم تعرفها قبل ما تتصرف.»   فضلت باصة للكلام.   وبعدين ظهرت رسالة تانية:   «الموضوع مش متعلق بينا إحنا بس. فيه ورق باسمك

، ولو اتكشف كل حاجة هتتغير.»   باسمك؟   مين اللي بيتكلم عني؟ وإيه الورق اللي باسمي؟   حاولت أفتح الرسالة الأخيرة، لكن لقيت إن جزءًا من المحادثة محذوف.   سمعت حركة في الأوضة.   قفلت التابلت بسرعة، وحطيته مكانه.   خرج محمود وهو بيفرك عينيه.   “إنتِ لسه قاعدة ليه؟”   قلتله:   “مش جايلها نوم.”   بص لي شوية، وبعدها قال:   “سناء، أنا عارف إنك متضايقة، بس صدقيني، مفيش حاجة تستاهل إنك تقلقي نفسك.”   بصيت له، وقلت في سري إن الجملة دي بالذات هي اللي خلتني أقلق أكتر.   لأنه لأول مرة من واحد وتلاتين سنة، كان بيحاول يطمني من غير ما يسألني أنا عرفت إيه.   تاني يوم الصبح، صحيت قبل محمود.   عملت القهوة زي عادتي، وحطيت له الفنجان على الترابيزة.

  خرج من الأوضة، وقعد قدامي، وبدأ يقلب في موبايله.   قلتله:   “محمود، فاكر لما كنا بنقول إن مفيش حاجة في الدنيا تستاهل نخبيها عن بعض؟”   رفع عينه.   “أيوه، مالك؟”   “فاكر لما كنت بتقول إن لو حصل بينا أي خلاف، لازم نتكلم بصراحة؟”   حط الموبايل على الترابيزة.   “سناء، إنتِ عايزة توصلي لإيه؟”   بصيت في عينيه.   “عايزة أعرف إذا كان لسه فيه حاجة من الكلام ده جواك.”   فضل ساكت.   وبعدين قال:   “أنا عمري ما قصرت معاكي.”   الجملة نزلت عليا كأنها صفعة.   ما قالش إنه ما عملش حاجة.   ما قالش إنه بريء.   قال إنه ما قصرش معايا.   وكأن الواحد ممكن يخون ثقة إنسان، وبعدها يفتكر إن كل السنين اللي فاتت تمسح اللي حصل.

  قلتله:   “أنا ما سألتكش إذا كنت قصرت معايا في الأكل والشرب والبيت. أنا بسألك عن حاجة تانية.”   قام من مكانه.   “أنا مش فاهم إنتِ بتتكلمي عن إيه.”   قلتله:   “هتفهم قريب.”   خرج من البيت وهو متوتر، وأنا فضلت مكاني.   بعد حوالي ساعة، اتصل بي طارق.   “ماما، إنتِ في البيت؟”   “أيوه يا حبيبي.”   “أنا جاي لك.”   صوته كان مختلفًا، هادي زيادة عن اللزوم.   لما وصل، دخل وقعد قدامي، وحط موبايله على الترابيزة.   قال:   “أنا ما نمتش طول الليل.”   قمت عملت له شاي، وحطيت قدامه طبق بسكويت، لكنه ما لمسش حاجة.   “كلمت جنة؟” سألته.   هز راسه.   “اتصلت بيها الصبح، قالتلي إنها عند صاحبتها. سألتها إذا كانت محتاجة حاجة، قالتلي لأ. ما واجهتهاش.”   “ليه؟”   “لأني عايز أسمع الحقيقة وأنا هادي. وبعدين أنا افتكرت حاجة.”   قرب مني.   “ماما، من أول ما اتجوزنا، جنة كانت بتسألني أسئلة غريبة عن بابا.”   قلبي اتقبض.   “زي إيه؟”   “كانت بتسألني عن شغله، وعن الناس اللي بيشتغل معاهم، وعن علاقتكم ببعض. في الأول كنت

فاكر إنها بتحاول تتعرف على العيلة. بعد كده بدأت تسألني إذا كنت عارف تفاصيل مشروع بابا القديم، وإذا كانت عنده أوراق ملكية أو عقود محفوظة في البيت.”   قلتله:   “وإنت قلتلها إيه؟”   “قلت لها إني مش عارف التفاصيل، وإن كل اللي يخص شغل بابا هو اللي ماسكه. بعدها بطلت تسأل.”   سكت شوية، وبعدها قال:   “في حاجة كمان. قبل الفرح بأسبوع، جنة طلبت مني أجيب لها صورة البطاقة بتاعتي وصورة بطاقتك وبطاقة بابا، وقالت إن ده عشان نخلص شوية إجراءات تخص التأمين والشقة.”   حسيت ببرودة في أطرافي.   “وإنت جبت لها الصور؟”   هز راسه.   “أيوه. بس أنا مش فاهم ده معناه إيه.”   قمت من مكاني، وفتحت الدرج اللي بنحط فيه المستندات المهمة.   بدأت أراجع الأوراق.

  عقود الشقة، شهادات الميلاد، صور البطاقات، أوراق المشروع القديم اللي محمود كان شريكًا فيه مع واحد صاحبه، ومستندات تخص قطعة أرض اشتريناها من سنين في أطراف المدينة.   وفجأة، لاحظت إن ملف الأرض مش موجود.   كنت متأكدة إني حطيته في الدرج ده بنفسي من حوالي شهرين، لما محمود طلب مني أراجع بعض الأوراق.   فتشت في الدرج كله، وبعدها فتحت الدولاب، وبعدين الصندوق اللي بنحفظ فيه الأوراق القديمة.   الملف اختفى.   طارق كان واقف ورايا.   “إيه يا ماما؟ بتدوري على إيه؟”   بصيت له.   “عقد الأرض يا طارق.”   “أرض إيه؟”   “الأرض اللي أنا وباباك اشتريناها من سنين، وكانت مسجلة باسمنا إحنا الاتنين.”   طارق قرب مني.   “مش يمكن بابا أخد الملف عشان الشغل؟”

السابق1 من 5
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى