قلتله: “ممكن. بس أنا لازم أعرف.” في اللحظة دي، موبايل طارق رن. كان اسم جنة ظاهر على الشاشة. بص لي، وأنا هزيت راسي بمعنى إنه يرد. فتح المكالمة وحطها على السماعة. “ألو يا جنة.” صوتها جه متوترًا. “طارق، إنت فين؟ أنا اتصلت بيك كتير.” “أنا عند ماما. محتاج أتكلم معاكي في موضوع.” سكتت لحظة. “موضوع إيه؟” طارق بص لي، وبعدها قال: “موضوع بابا.” الصمت اللي جه بعدها كان طويلًا لدرجة إني قدرت أسمع أنفاسها. وبعدين قالت: “هو حصل له حاجة؟” طارق رد: “لأ، بس أنا عايز أسألك سؤال، وإنتِ تجاوبيني بصراحة.” “اتفضل.” “إنتِ كنتِ فين امبارح الساعة تمانية بالليل؟” ما ردتش. سمعنا صوت حركة عندها، وبعدها قالت: “كنت عند صاحبتي. ليه؟” طارق غمض عينيه. “اسم صاحبتك إيه؟” “إيه التحقيق ده يا طارق؟” “اسمها إيه؟” قالت الاسم بسرعة، لكن طارق كان يعرف إن الاسم ده يخص واحدة من زمايلها اللي سافرت من مصر من أكتر من شهر. بص لي، وأنا فهمت من عينيه إنه عرف. قال بهدوء: “طيب، لما ترجعي البيت، ابقي كلميني.” قفل المكالمة. فضل ماسك الموبايل شوية، وبعدها حطه على الترابيزة. قال: “ماما، أنا كنت فاكر إني أعرف مراتي.” ما لقيتش كلام أقوله. قربت منه، ومسكت إيده. “يا حبيبي، لسه قدامنا حاجات لازم نفهمها.” هز راسه. “أنا مش عايز أظلم حد، بس مش هسمح لحد يضحك عليا.” في نفس اليوم، قررت أروح للمحامي اللي بيتابع أوراقنا من سنين. اسمه الأستاذ فؤاد، وكان يعرف محمود من أيام ما بدأ مشروعه. لما دخلت مكتبه، استقبلني بترحاب، لكن أول ما قلت له إني عايزة أراجع أوراق الأرض، وشه اتغير. سألني: “الأرض اللي في أطراف المدينة؟” قلتله: “أيوه.”
فتح درج مكتبه، وطلع ملفًا، وبدأ يقلب فيه. بعد شوية، رفع عينه ليا. “مدام سناء، أنا كنت فاكر إن الأستاذ محمود بلغك.” حسيت بقلبي بيدق بسرعة. “بلغني بإيه؟” قفل الملف بهدوء. “من حوالي شهرين، جالي هو وشخص تاني، وكانوا بيسألوا عن إجراءات نقل الملكية.” قلتله: “نقل ملكية إيه؟” “الأرض.” وقفت من مكاني. “مين الشخص التاني؟” تردد لحظة، وبعدها قال: “أنا ما ينفعش أتهم حد من غير ما تكون عندي كل التفاصيل. لكن اللي أقدر أقوله لك إن فيه استفسارات اتعملت بخصوص مستندات تخص الأرض، وإن فيه توكيل كان مطلوب مراجعته.” قلتله: “توكيل من مين؟” فتح الملف تاني، وطلع صورة ورقة. “ده طلب مراجعة، مش نقل ملكية نهائي. لكن فيه توقيع منسوب ليكي على مستند ضمن الأوراق اللي اتعرضت عليا.” مديت إيدي وخدت الورقة. بصيت للتوقيع. كان قريبًا جدًا من توقيعي، لدرجة إن أي حد يشوفه بسرعة ممكن يفتكره توقيعي فعلًا. لكن أنا كنت عارفة. أنا ما وقعتش على الورقة دي. رفعت عيني للمحامي. “أنا ما مضيتش هنا.” الأستاذ فؤاد سكت لحظة، وبعدها قال: “يبقى لازم نراجع أصل المستندات، ونتأكد من مصدرها، وما تمضيش على أي حاجة جديدة قبل ما نفهم الموضوع.” حطيت الورقة قدامي، وإيدي كانت بتترعش. اللي حصل في الفندق كان وجع كبير، لكن دلوقتي الموضوع بقى أكبر من علاقة بين محمود وجنة. كان فيه أوراق، وأرض، وتوقيع مش توقيعي. ولما خرجت من مكتب المحامي، اتصلت بمحمود. رد بعد رنتين. “أيوه يا سناء؟”
قلتله: “أنا عند الأستاذ فؤاد.” سكت. “بتعملي إيه هناك؟” “براجع ورق الأرض.” الصمت المرة دي كان أطول. وبعدين قال بنبرة حاول يخليها عادية: “طيب، لما ترجعي البيت نتكلم.” قلتله: “لأ يا محمود. أنا عايزة أتكلم دلوقتي.” رد بعصبية: “مش هينفع، أنا في اجتماع.” قلتله: “تمام. يبقى لما تخلص، هتلاقيني مستنياك.” قفلت المكالمة. لكن قبل ما أحط الموبايل في شنطتي، وصلتني رسالة من رقم غريب. «مدام سناء، أنا محتاجة أقابلك لوحدك. الموضوع يخص جنة، والأرض، وحاجة الأستاذ محمود مخبيها عنك من سنين.» فضلت باصة للرسالة. وبعد ثواني، وصلت رسالة تانية. «اسمي هالة. أنا كنت شاهدة على أول مرة اتفتح فيها موضوع الأرض، ولو حضرتك عايزة تعرفي الحقيقة، لازم نتقابل قبل ما محمود يعرف إني كلمتك.» رجعت البيت وأنا مش عارفة أفكر. مين هالة؟ وإزاي تعرف موضوع الأرض؟ وليه بتقول إن محمود مخبي حاجة عني من سنين؟ اتصلت بالرقم، لكنه كان مغلقًا. بعثت رسالة أسألها عن مكان المقابلة، وبعد دقائق ردت: «بكرة الساعة ستة، في كافيه جنب مكتب البريد القديم. من فضلك تعالي لوحدك.» فضلت طول الليل أفكر في الكلام ده. محمود رجع متأخر، وما حاولش يفتح أي موضوع. دخل الأوضة، وبعدها خرج بعد حوالي عشر دقايق، ووقف قدامي. قال: “سناء، إحنا لازم نتكلم.” بصيت له. “اتفضل.” قعد قدامي، وشبك إيديه ببعض. “أنا عارف إنك متضايقة، وعارف إن الفترة اللي فاتت كانت صعبة علينا إحنا الاتنين.” قلتله: “علينا إحنا الاتنين؟” بص للأرض. “أنا غلطت في حاجات، ومش هقول لك إني ما غلطتش.” قلبي بدأ يدق بسرعة. أهو أخيرًا هيعترف؟ لكنه كمل: “بس لازم تفهمي إن فيه ظروف حصلت، وأنا كنت بحاول أحلها من غير ما أوجعك.” قلتله: “إيه الظروف يا محمود؟” رفع عينه ليا. “الموضوع أكبر من اللي إنتِ متخيلاه.” قلتله: “يبقى فهمني.” سكت. وبعدين قال: “مش دلوقتي.” ضحكت بمرارة. “طبعًا مش دلوقتي. كل ما أسألك عن حاجة، تقول لي مش دلوقتي. كل ما أحاول أفهم، تقول لي إنتِ بتشكّي فيا. وكل ما أطلب منك الصراحة، تقفل الكلام وتمشي.” قام من مكانه. “أنا مش هقدر أتكلم وإنتِ بتعامليني بالطريقة دي.” قلتله: “وأنا مش هقدر أعيش معاك كأن مفيش حاجة حصلت.” بص لي فترة طويلة، وبعدها دخل الأوضة. لكن قبل ما يقفل الباب، سمعته بيقول بصوت واطي: “أنا كنت بحاول أحميكم.” فضلت واقفة مكاني. تحمينا من إيه؟ وإزاي يكون بيحاول يحمينا، وهو السبب في الوجع اللي بقينا فيه؟ تاني يوم، وصلت للكافيه قبل الساعة ستة بعشر دقايق. اخترت ترابيزة بعيدة عن الباب، وطلبت شاي، وفضلت أبص لكل واحدة تدخل المكان. الساعة بقت ستة وخمس دقايق، وبعدها شفت ست في أوائل الأربعينات داخلة، لابسة طرحة بسيطة وشنطة سودا على كتفها. بصت في المكان لحد ما عينيها وقعت عليا. قربت، وسألت: “مدام سناء؟”
هزيت راسي. قعدت قدامي، وحطت الشنطة على الكرسي اللي جنبها. قالت: “أنا هالة. وآسفة إني دخلتك في الموضوع ده بالطريقة دي.” قلت لها: “أنا مش عايزة اعتذارات. أنا عايزة أعرف إيه اللي عندك.” فتحت شنطتها، وطلعت ظرفًا بنيًا. حطته قدامي، لكنها ما سابتش إيدها منه. قالت: “قبل ما تشوفي الورق، لازم تعرفي إن محمود مش الشخص الوحيد اللي دخل في الموضوع، وجنة مش أول واحدة تعرف بأمر الأرض.” بصيت لها باستغراب. “يعني إيه؟” سحبت الظرف ناحية نفسها، وطلعت منه صورة قديمة. كانت صورة محمود، ومعاه راجل تاني، واقفين قدام مبنى قديم. وفي الخلفية، كانت فيه لافتة لمكتب عقارات. قلت: “ده محمود. والراجل اللي جنبه مين؟” هالة بصت للصورة وقالت: “ده أخوه.” اتسمرت مكاني. أخو محمود كان متوفي من أكتر من عشرين سنة، على حد علمي. أو على الأقل، ده اللي محمود حكاه لي طول السنين اللي فاتت. قلت لها: “أخوه مات من زمان.” هالة هزت راسها ببطء. “اللي أعرفه إن أخوه سافر بعد خلاف كبير بينهم، وإن فيه مستندات اتكتبت قبل سفره تخص الأرض اللي إنتِ بتسألي عنها.” قلت لها: “إنتِ تعرفي أخوه منين؟” قالت: “أنا بنت شريكه القديم.” فضلت باصة لها. بدأت أحس إن كل حاجة أعرفها عن حياتي بتتفك قدامي واحدة واحدة. هالة فتحت الظرف، وطلعت مجموعة أوراق، لكنها ما ادتهاليش كلها. اختارت ورقة واحدة وحطتها قدامي. “دي صورة من مستند قديم. مش هقول لك إنه يثبت حاجة لوحده، لكن لازم تشوفيه.” قريت الورقة ببطء. كان فيها اسم محمود، واسم أخوه، ووصف قطعة الأرض، وتاريخ يرجع لسنين طويلة قبل ما طارق يتولد. وفي آخر الصفحة، كان فيه بند مكتوب بخط واضح، بيتكلم عن حصة محفوظة لشخص تالت من العيلة. رفعت عيني لهالة. “مين الشخص التالت؟” هالة سكتت. وبعدين قالت: “أنا ما عنديش دليل قاطع على هويته من الورقة دي وحدها، لكن فيه مستند تاني ممكن يوضح الموضوع.” مدت إيدها ناحية الظرف، وطلعت ورقة مطوية. لكن قبل ما تفتحها، موبايلها رن. بصت للشاشة، وشها اصفر فجأة. رفضت المكالمة، وقامت من مكانها. قلت لها: “فيه إيه؟” قالت بسرعة: “لازم أمشي.” مسكت إيدها. “استني! إنتِ اللي طلبتي تقابليني. مين الشخص التالت؟ وإيه علاقة جنة بالموضوع؟” بصت لي بعينين مليانين خوف.
“اسمعيني كويس يا مدام سناء. أنا ما أعرفش كل اللي حصل بين محمود وجنة، ومش هكدب عليكي وأقول لك إني أعرف. لكن فيه حاجة أنا متأكدة منها: موضوع الأرض بدأ قبل فرح ابنك بوقت طويل.” سألتها: “يعني محمود كان مخطط لكل ده؟” ردت: “ما أقدرش أقول لك كده. لكن لازم تعرفي إن الشخص اللي اتكلم عن الأرض مع محمود في الشهور الأخيرة، مش هو الشخص اللي بدأ الموضوع من الأول.” وبعدين سابت إيدي، وحطت الورقة المطوية في شنطتي. قالت: “اقريها في البيت، واتصلي بالمحامي قبل ما تعملي أي خطوة.” خرجت بسرعة. فضلت قاعدة مكاني، والورقة في شنطتي، وحاسة إن كل إجابة بتجيب معاها عشرة أسئلة جديدة. فتحت الورقة بحذر. كانت صورة من مستند قديم، وفي آخره اسم مكتوب بخط اليد. اسم ما كنتش شفته قبل كده في أوراقنا. لكن الغريب إن الاسم كان متبوعًا بعنوان بيت أعرفه كويس جدًا. بيت أبويا القديم. البيت اللي اتقفل من سنين بعد وفاته، واللي كنت فاكرة إن كل أوراقه اتراجعت واتقسمت بشكل نهائي. قلبي بدأ يدق بعنف. إيه علاقة أرض محمود ببيت أبويا؟ وليه هالة قالت إن فيه شخصًا تالتًا من العيلة؟ رجعت البيت، وطلعت صورة الورقة، واتصلت
بالأستاذ فؤاد. طلب مني أبعت له صورة المستند، وبعد ما شافه، سكت لحظات. قال: “مدام سناء، أنا محتاج أشوف الأصل، وأراجع الملف القديم. ما ينفعش أديكي استنتاج من صورة غير مكتملة.” قلتله: “بس العنوان ده عنوان بيت أبويا.” رد: “وده سبب إضافي إننا نراجع أوراق الميراث. هل فيه أي مستند قديم أو وصية تخص البيت؟” افتكرت صندوق خشب صغير كان أبويا سايبه عندي قبل وفاته بسنة، وقال لي أحافظ عليه، وما أفتحهش إلا لما أحتاجه. كنت وقتها فاكرة إن جواه حاجات شخصية وصور قديمة. بعد وفاة أبويا، حطيته في دولاب الملابس، وكل ما أفتكره أقول لنفسي هفتحه في يوم أكون فاضية فيه. لكن السنين عدت، والصندوق فضل مكانه. قفلت مع المحامي، وطلعت الصندوق. كان عليه طبقة تراب خفيفة، والقفل الصغير بتاعه كان محتاج مفتاح. فتشت في علبة المفاتيح القديمة، لحد ما لقيت المفتاح مربوطًا بخيط أزرق. فتحته. فيه صور لأبويا وأمي، وخطابات قديمة، وساعة يد كانت بتاعته، ودفتر صغير بغلاف جلدي. قعدت على الأرض، وبدأت أقلب في
محتوياته. وفي آخر الصندوق، لقيت ظرفًا أبيض مكتوبًا عليه بخط أبويا: «لسناء، لما تحتاج تعرف الحقيقة.» إيدي بدأت ترتعش. فتحت الظرف. كان جواه خطاب طويل، مكتوب من أكتر من عشرين سنة. أول سطر خلاني أحس إن نفسي اتسحب من صدري: «بنتي سناء، لو وصلتي للورقة دي، يبقى غالبًا فيه حاجة حصلت خلتك ترجعي تدوري في الماضي. أنا عارف إنك وثقتي في محمود، وعارف إنك بنيتي معاه بيتك، وعشان كده ما حبيتش أتدخل في حياتك طول السنين اللي فاتت. لكن فيه أمانة لازم تعرفي عنها قبل ما يكون الوقت فات.» وقفت عن القراءة. إزاي أبويا كان يعرف حاجة تخص محمود من أكتر من عشرين سنة؟ كملت. «قبل جوازك من محمود، حصل اتفاق بينه وبين أخوه بخصوص أرض اشتروها بمشاركة ناس من العيلة. أنا ما كنتش طرفًا في الاتفاق، لكن اسمي اتذكر في أوراق مرتبطة بضمان جزء من المبلغ. وافقت وقتها أساعدهم، بشرط إن كل حق يرجع لصاحبه، وإن أي مستند يخص بنتي ما يتمش
استخدامه من غير علمها.» حسيت بصدمة. أبويا كان له علاقة بالأرض من البداية؟ قلبت الصفحة. «بعد الخلاف اللي حصل بين محمود وأخوه، جيه محمود وطلب مني أساعده في تسوية الموضوع. رفضت أوقع على أي ورقة جديدة، لأن الاتفاق القديم كان واضحًا. وبعدها بفترة، عرفت إن فيه نسخة من مستندات الاتفاق اختفت من الملف. ما اتهمتش حد، وما كانش عندي دليل، لكن احتفظت بصورة من الورق عندي، وقلت لنفسي إن الأيام هتوضح الحقيقة.» وصلت لآخر الخطاب. وكانت فيه جملة مكتوبة بخط أكبر: «لو لقيتي يومًا إن فيه ورقة باسمك وإنتِ ما مضيتيش عليها، ما تواجهيش حد قبل ما تتأكدي من الأصل. الحق مش محتاج صوت عالي، لكنه محتاج دليل.» حطيت الخطاب على الأرض، وغطيت وشي بإيدي. أبويا كان عارف إن ممكن ييجي يوم ألاقي فيه نفسي قدام حاجة زي دي. لكن لسه فيه سؤال واحد ما لقيتش له إجابة. ليه ما قالش لي قبل ما يموت؟ وليه محمود ما حكيش لي أي حاجة عن الاتفاق ده؟ جمعت الخطابات والمستندات، وحطيتها في ملف منفصل. وقررت إني مش هواجه محمود بورقة واحدة قبل ما المحامي يراجع كل حاجة. في المساء، طارق جه عندي. كان شكله مرهق، ودقنه بدأت تطول، وعينيه حمرا من قلة النوم. قعد قدامي، وقال: “ماما، أنا كلمت جنة تاني.” قلتله: “قالت لك إيه؟” “في الأول أنكرت، وبعدها لما سألتها عن الفندق، قالت إن بابا كان هناك عشان موضوع يخص الأرض.
” بصيت له بتركيز. “وإنت صدقتها؟” هز راسه. “مش عارف. قالت إن فيه أوراق كانت محتاجة توقيعه، وإنها قابلته صدفة بعد ما خلصوا الكلام. لكن لما سألتها ليه قالت لي إنها عند صاحبتها، اتعصبت وقالت إني بشك فيها من غير سبب.” سكت لحظة. “وبعدين قالت لي حاجة غريبة.” “إيه؟” قال: “قالت إن بابا وعدها إنه هيحل مشكلة تخص مستقبلها، وإنها كانت خايفة تقول لي عشان ما تعملش مشاكل بيني وبينه.” قلبي اتقبض. “هي قالت لك إن فيه علاقة بينها وبين باباك؟” طارق بص للأرض. “ما قالتش كده صراحة. بس ما قدرتش تشرح لي الصور.” قلتله: “إنت من حقك تعرف الحقيقة، لكن خليك هادي. ما تمضيش على أي ورقة، وما توافقش على أي إجراء يخص فلوس أو أملاك قبل ما نفهم كل حاجة.” رفع عينه ليا. “ماما، إنتِ عرفتي حاجة عن الأرض؟” حكيت له عن المحامي، وهالة، وخطاب أبويا. كان بيسمعني من غير ما يقاطعني، وكل ما أذكر تفصيلة جديدة، ملامحه تتغير. ولما خلصت، قال: “يعني ممكن يكون الموضوع كله بدأ قبل جوازي من جنة؟” قلتله: “ممكن. لكن لحد ما نشوف المستندات الأصلية، ما نقدرش نجزم بحاجة.” مسك راسه بين إيديه. “أنا مش قادر أستوعب إن كل ده بيحصل في عيلتنا.” قعدت جنبه، وقلتله: “يا طارق، إحنا مش هنقدر نغير اللي حصل، لكن نقدر نمنع إن أي حد يستغل وجعنا عشان ياخد قرار بالنيابة عننا.” فضل ساكت، وبعدها قال: “أنا هطلب من جنة تيجي بكرة. لازم نقعد كلنا ونتكلم.” هزيت راسي. “لو ده اللي إنت عايزه، أنا هكون موجودة.” لكنه قبل ما يمشي، وقف عند الباب، والتفت لي. “ماما، فيه حاجة أنا ما قلتهاش لك.” قلبي انقبض. “إيه يا حبيبي؟” قال: “قبل الفرح بيومين، بابا طلب مني أمضي على ورقة، وقال إنها تخص ترتيبات إدارية للشقة. أنا مضيت من غير ما أقرأها كويس، لأنه بابا.” حسيت ببرودة في جسمي. “الورقة دي كانت فين؟” “مش فاكر. غالبًا في مكتبه.” سألته: “ومضيت إمتى بالضبط؟” قال: “قبل الفرح بيومين، بعد ما رجعت من الشغل.” بصيت له، وقلت: “يا طارق، بكرة لازم نفتش في كل حاجة تخص الورقة دي، لكن من غير ما نكسر أي قفل أو ناخد مستند مش من حقنا.” هز راسه. “حاضر يا ماما.” خرج، وأنا فضلت قاعدة لوحدي. الورقة اللي مضى عليها
طارق، والتوقيع اللي ظهر باسمي في ملف الأرض، ورسالة جنة عن إن محمود وعدها يحل مشكلة قبل ما طارق يعرف. كل الخيوط بدأت تتجمع، لكن الصورة لسه ناقصة. تاني يوم، وصل محمود البيت بدري على غير عادته. دخل الصالة، ولقى ملف الأوراق قدامه. وقف مكانه. بص للملف، وبعدها بص لي. “إيه ده يا سناء؟” قلتله: “أوراق الأرض.” وشه اتغير. “إنتِ بتفتشي في حاجات مش من حقك؟” قمت من مكاني. “الأرض باسمي يا محمود. ودي أوراق تخصني، ومن حقي أعرف كل حاجة عنها.” قرب من الترابيزة، ومد إيده ناحية الملف، لكني حطيته جنبي. قلتله: “قبل ما تاخد أي ورقة، عايزاك تجاوبني على سؤال واحد.” بص لي بغضب. “اتفضلي.” “إنت ليه خليت حد يستخدم توقيع منسوب ليا على مستند أنا ما مضيتش عليه؟” وشه شحب. ما أنكرش على طول. ما قالش إنه مش فاهم. فضل واقف مكانه، وعينيه بتتنقل بيني وبين الملف. وبعد ثواني قال: “إنتِ فاهمة الموضوع غلط.” قلتله: “يبقى فهمني.” قعد على الكرسي، وحط إيده على جبينه. “الأرض دي موضوع قديم، وفيه التزامات من زمان. أنا كنت بحاول أحافظ على حقنا،
وعلى مستقبل طارق.” قلتله: “بحقنا؟ ولا بحق حد تاني؟” رفع عينه ليا. “إنتِ مش عارفة كل حاجة.” رديت عليه: “عشان إنت عمرك ما قلت لي كل حاجة.” سكت. وبعدين قال: “أنا ما كنتش عايز أخسرك.” ضحكت بمرارة. “وإنت فاكر إنك لما تخبي عني، وتدخل مرات ابنك في الموضوع، وتسيبني أعرف بالصدفة إن فيه حاجة غلط، كده بتحافظ عليا؟” قام من مكانه. “سناء، موضوع جنة مش زي ما إنتِ متخيلاه.” قلتله: “طيب، إيه اللي متخيلاه أنا؟” ما ردش. كملت: “أنا شفتك خارج من الفندق معاها. شفتك وإنت حاطط إيدك على وسطها. وشفتها وهي واقفة جنبك. وأنا مش هقبل إنك تحول الموضوع لاتهام ليا إني بشك فيك.”
نزل عينه. ولأول مرة، شفت على وشه حاجة غير الغضب. خوف. قال بصوت واطي: “أنا غلطت.” حسيت إن قلبي وقف للحظة. “في إيه بالضبط يا محمود؟” قعد تاني. “أنا دخلت في مشكلة، وكان لازم أحلها.” قلتله: “أي مشكلة تخليك تروح فندق مع مرات ابنك؟” غمض عينيه. “أنا ما كنتش ناوي أوجع طارق.” صرخت لأول مرة: “وأنا؟ أنا كنت ناوي توجعني؟” رفع إيده كأنه عايز يهديني. “سناء، اسمعيني للآخر.” قلتله: “أنا سمعتك واحد وتلاتين سنة. المرة دي إنت اللي هتسمع.” سكت. قلتله: “هالة قابلتني، والأستاذ فؤاد راجع الأوراق، وخطاب أبويا عندي. لو فيه حاجة تخص حقي، هعرفها بالطريقة القانونية. ولو فيه حاجة تخص ابني، مش هسمح لك تخفيها عنه.” وشه اتغير لما سمع اسم هالة. “إنتِ قابلتي هالة؟” قلتله: “أيوه.” قام بسرعة. “هي قالت لك إيه؟” قلتله: “اللي يخصني أنا، مش من حقك تتحكم في معرفتي بيه.” مشي خطوتين، وبعدها وقف. “سناء، لو المستندات دي اتفتحت كلها، مش أنا بس اللي هتضرر.” سألته: “مين كمان؟” ما ردش. في اللحظة دي، جرس الباب رن. بصينا إحنا الاتنين
ناحية الباب. فتحت، ولقيت طارق واقف، وجنبه جنة. وشها كان شاحبًا، وإيديها متشابكة قدامها، وعينيها ما قدرتش ترفعها ليا. طارق دخل وقال: “إحنا لازم نتكلم دلوقتي.” محمود وقف مكانه. جنة فضلت عند الباب، كأنها مستنية حد يقول لها تدخل ولا تمشي. قلت لها: “اتفضلي يا جنة.” دخلت ببطء، وقعدت على طرف الكنبة. طارق قعد قدامها. قال لها: “أنا مش هزعق، ومش ههينك. أنا عايز إجابات واضحة.” هزت راسها. “حاضر.” فتح موبايله، وورّاها الصور. جنة بصت للصورة، وبعدها غطت وشها بإيديها. قال طارق: “أنا عايز أعرف، إيه اللي كان بيحصل بينك وبين بابا؟” رفعت عينيها، وبصت لمحمود. هو ما بصش لها. قالت بصوت متقطع: “أنا غلطت.” طارق فضل ساكت. كملت: “بس الموضوع بدأ بسبب الأوراق.” طارق قرب منها.
“يعني إيه؟” قالت: “قبل الفرح بشهر تقريبًا، باباك كلمني، وقال لي إنه محتاج مساعدتي في موضوع يخص الأرض. قال إن فيه مستندات ناقصة، وإنه عايز يراجعها قبل ما تحصل مشكلة كبيرة.” محمود قاطعها: “جنة، مش لازم تدخلي في تفاصيل مش فاهمها.” طارق بص له بغضب. “سيبها تتكلم.” جنة كملت: “في البداية، كنت بساعده في ترتيب الملفات، لأنه قال إنك مشغول في تجهيزات الفرح، وإنه مش عايز يشغلك بحاجة تخص الشغل. وبعد كده، بقى يطلب مني أقابله عشان نتكلم في الموضوع بعيد عن البيت.” سألتها: “وليه الفندق؟” نزلت عينيها. “لأننا كنا بنحاول نخبي المقابلات.” طارق هز راسه ببطء. “يعني كنتوا عارفين إن اللي بتعملوه غلط.” جنة بدأت تعيط. “أيوه.” طارق بص لها طويلًا، وبعدها قال: “أنا مش عايز أسمع أعذار. أنا عايز أعرف الحقيقة كلها.”
جنة مسحت دموعها. “الحقيقة إن محمود وعدني إنه هيساعدني أحل مشكلة تخص عيلتي، وإنه بعد ما الموضوع يخلص، كل حاجة هترجع لطبيعتها. وأنا صدقته.” محمود قال بعصبية: “كفاية يا جنة.” لكنها المرة دي ما سكتتش. “لأ، مش كفاية. أنا تعبت من الخوف، وتعبت من إني كل يوم أصحى وأنا مش عارفة هقدر أكمل الكذبة دي لحد إمتى.” بصت لطارق. “أنا عارفة إني جرحتك، وعارفة إن مفيش كلام يقدر يصلح اللي حصل. بس أنا ما كنتش فاهمة كل اللي بيحصل في البداية.” طارق سألها: “ومتى فهمتي؟” جنة سكتت، وبعدها قالت: “لما عرفت إن فيه ورقة باسم سناء.” أنا حسيت إن جسمي كله اتشد. “ورقة باسمي؟” جنة بصت لي، ودموعها نازلة. “أنا شفتها في مكتب محمود. كان فيها توقيع، وقال لي إنها مجرد إجراء مؤقت، وإن حضرتك عارفة.” قلت لها: “وإنتِ صدقتيه؟” هزت راسها
. “في البداية، أيوه. لكن بعد كده، لما طلبت أشوف الورق الأصلي، رفض.” طارق وقف من مكانه. “وإنتِ ليه ما قلتيليش؟” جنة عيطت أكتر. “لأني كنت خايفة أخسرك.” رد عليها بصوت مكسور: “وإنتِ فاكرة إنك لما تخبي عني، كده بتحافظي عليا؟” ما ردتش. أنا كنت ببص لمحمود. كل كلمة بتتقال كانت بتكشف جزءًا جديدًا من الحقيقة، لكن لسه فيه حاجة ناقصة. سألته: “إنت استخدمت توقيع مزور باسمي؟” محمود حط إيده على راسه. “أنا ما زورتش توقيعك.” قلتله: “يبقى التوقيع ده جه منين؟” قال: “أنا ما أقدرش أجاوبك دلوقتي.”
طارق خبط بإيده على الترابيزة. “إنت لسه بتقول مش دلوقتي؟ بعد كل اللي حصل؟” محمود بص له. “يا طارق، أنا أبوك.” رد طارق والدموع في عينيه: “وأنا ابنك! ودي مراتي! ودي أمي! إنت فاكر إن كلمة أبوك دي هتخليني أنسى اللي شفته؟” محمود سكت. وفي اللحظة دي، موبايل جنة رن. بصت للشاشة، واتوترت. طارق قال: “ردي.” جنة رفضت المكالمة. بعد ثواني، وصلت رسالة. ظهر جزء منها على الشاشة: «لو قلتي لهم على الورقة التانية، كل حاجة هتضيع.» جنة شهقت، وقامت من مكانها. طارق مد إيده. “مين اللي بعت الرسالة؟” هي ما ردتش. قرب منها، وبص للشاشة.
الرقم ما كانش مسجل باسم. قال: “مين ده يا جنة؟” بدأت ترتعش. وبعدين بصت لمحمود وقالت: “أنا ما كنتش أعرف إنه هيوصل لكده.” محمود وقف فجأة. “جنة، اقعدي.” لكنها هزت راسها. “لأ. أنا مش هخبي حاجة تاني.” فتحت شنطتها، وطلعت ظرفًا صغيرًا. حطته على الترابيزة قدامنا. قالت: “دي صورة من الورقة التانية. أنا أخدتها من المكتب قبل ما أمشي آخر مرة.” طارق فتح الظرف. وأنا قربت منه. كانت الورقة عبارة عن نسخة من اتفاق قديم، وفي أسفلها توقيعان، واحد لمحمود، والتاني لرجل ما عرفناش اسمه. لكن اللي شد انتباهي ما كانش التوقيعين. كان فيه سطر مكتوب في منتصف الصفحة، بيشير إلى إن جزءًا من قيمة الأرض دُفع من مال مملوك لوالدي، وإن هذا الجزء لا يجوز التصرف فيه إلا بعد تسوية حقه وحق ورثته. رفعت عيني لمحمود. “يعني أبويا كان له حق في الأرض؟” محمود ما ردش. جنة قالت: “أنا عرفت الموضوع ده من الورقة، وبعدها بدأت أسأل محمود. لكنه قال لي إن المسألة قديمة وإنها اتسوت من زمان.” طارق سأل: “طيب إيه علاقتك إنتِ بالموضوع؟”



