جنة سكتت. وبعدين قالت: “أبويا كان يعرف شريك محمود القديم، وكان فيه مبلغ كبير اتدفع زمان من خلاله. بعد وفاة أبويا، ظهرت مطالبات تخص المبلغ ده، وأنا كنت بحاول أعرف إذا كان ليا حق فيه.” بصيت لها. “يعني كنتِ بتقابلي محمود عشان الفلوس؟” قالت: “في البداية، أيوه. لكن بعد كده الموضوع اتعقد.” طارق قال: “واتعقد إزاي؟” جنة بصت لمحمود، وبعدها قالت: “محمود قال لي إن فيه طريقة نحل بيها الموضوع من غير ما حد يعرف، وإننا محتاجين نجهز أوراق معينة. وبعدها بدأت المقابلات اللي إنتِ شفتيها.”
طارق وقف، ومشي بعيد عنها. “أنا مش قادر أصدق إنك دخلتي حياتي وإنتِ شايلة كل ده.” جنة قالت وهي بتعيط: “أنا ما اتجوزتكش عشان أوجعك.” رد عليها: “بس ده اللي حصل.” سكتت. محمود حاول يتدخل: “يا طارق، الموضوع مش بالشكل اللي إنت فاهمه. أنا كنت بحاول أوصل لتسوية تحفظ حقوق الجميع.” طارق التفت له. “حقوق الجميع؟ طيب حق أمي فين؟ وحق جدو اللي اتساب في ورقة قديمة ومحدش قال لنا عنها؟ وحق جنة في إنها تكون صريحة معايا؟” محمود ما لاقاش رد. وفي اللحظة دي، رن جرس الباب مرة تانية. كلنا بصينا ناحية المدخل. فتحت الباب، ولقيت الأستاذ فؤاد المحامي واقف، ومعاه ملف كبير. استغربت وجوده، لكنه قال:
“آسف إني جيت من غير موعد، لكن بعد ما راجعت المستندات القديمة، اكتشفت حاجة ما ينفعش تتأجل.” دخل، وحط الملف على الترابيزة. بص لمحمود. “أستاذ محمود، لازم نوضح كل حاجة قدام مدام سناء وطارق.” محمود وقف مكانه، وملامحه اتغيرت. الأستاذ فؤاد فتح الملف، وطلع مستندًا قديمًا، وبعدها قال: “أنا راجعت أصل الاتفاق، وسجلات الملكية المتاحة، والمستند اللي عليه توقيع مدام سناء. فيه تناقضات لازم تتفحص رسميًا، وما ينفعش حد يتصرف في الأرض بناءً على نسخة أو توقيع مختلف عليه.” بصيت له وقلت: “يعني إيه؟” قال: “يعني إننا لازم نوقف أي إجراء جديد، ونراجع أصل المستندات عن طريق الجهات المختصة. وفيه كمان خطاب قديم من والد حضرتك، بيأكد إن جزءًا من قيمة الأرض كان مرتبطًا بحقوق لم تتم تسويتها في الملف اللي عندنا.” محمود نزل عينه. طارق سأله: “بابا، إنت كنت عارف إن لجدو حق في الأرض؟” محمود سكت فترة طويلة. وبعدين قال: “أيوه.” الكلمة نزلت على البيت كله كأنها باب اتقفل فجأة.
قلتله: “من إمتى؟” قال بصوت مبحوح: “من زمان.” “ومن إمتى وإنت عارف إن فيه مستندات ناقصة؟” ما ردش. كررت السؤال. “من إمتى يا محمود؟” رفع عينه ليا، وكانت مليانة تعب وخوف. “من قبل ما طارق يتولد.” حسيت إني مش قادرة أقف. قعدت على الكنبة، وطارق قرب مني. واحد وتلاتين سنة. واحد وتلاتين سنة وأنا عايشة معاه، وبشاركه بيتي وعمري وذكرياتي، وفيه موضوع قديم بالشكل ده ما كنتش أعرف عنه حاجة. الأستاذ فؤاد قال بهدوء: “إحنا مش هنا عشان نحكم على حد. إحنا هنا عشان نثبت الحقوق، ونتأكد من صحة المستندات، ونمنع أي تصرف يضر بأي طرف.” وبعدين بص لمحمود. “فيه سؤال أخير، ولازم تجاوب عليه بوضوح. هل وقعت مدام سناء على التوكيل اللي ظهر في الملف؟
” محمود فضل ساكت. جنة بدأت تعيط تاني. طارق كان واقف ووشه متجمد. وأنا كنت مستنية الإجابة. بعد لحظات، محمود قال: “لأ.” الأستاذ فؤاد سأله: “هل عندك علم بمن وضع التوقيع؟” محمود بلع ريقه. “أنا اللي قدمت الورقة.” قلتله: “يعني إنت اللي قدمت ورقة بتوقيع مش توقيعي؟” قال بسرعة: “أنا ما كتبتش التوقيع بإيدي.” رد المحامي: “ده مش كفاية. لازم نعرف مين كتبه، وإزاي وصل للمستند، وهل استُخدم في أي إجراء رسمي. دي مسائل لازم تتراجع بالأصول، مش بالكلام.” طارق قرب من أبوه. “ليه يا بابا؟ ليه عملت كده؟” محمود بص له، وبعدها قال: “كنت فاكر إني أقدر أصلح كل حاجة بعدين.” طارق هز راسه، ودموعه نزلت
. “إنت كل مرة كنت بتأجل الحقيقة، كنت بتخلينا نخسر جزءًا جديدًا من بعض.” محمود ما ردش. أما جنة، فكانت قاعدة على الكنبة، وبتبص للأرض. بعد شوية، رفعت عينيها لطارق. “أنا عارفة إنك مش هتسامحني دلوقتي، ويمكن عمرك ما تسامحني. لكن أنا مستعدة أقول كل اللي أعرفه، وأسلّم كل الأوراق اللي عندي.” طارق رد بهدوء موجع: “الكلام ده كان لازم يحصل من الأول.” وبعدين التفت لي. “ماما، أنا هاخد وقتي قبل ما أقرر أي حاجة. مش هسيب الغضب يقرر عني، لكن مش هقدر أعيش كأن مفيش حاجة حصلت.” مسكت إيده.
“خد وقتك يا حبيبي. محدش هيجبرك على قرار.” مرت الأيام اللي بعدها ببطء شديد. الأستاذ فؤاد بدأ الإجراءات اللازمة لمراجعة المستندات، وطلب الاحتفاظ بكل النسخ والأصول المتاحة، ومنع أي تصرف جديد في الأرض لحين اتضاح الوضع القانوني. أنا ما كنتش عايزة أعمل حاجة لمجرد الانتقام، ولا كنت عايزة أسيب حقي خوفًا من كلام الناس. كنت عايزة أعرف الحقيقة، وأحافظ على حقي وحق ابني، وأفهم إزاي بيت كامل ممكن يعيش سنين طويلة وفيه سر بالشكل ده. محمود خرج من البيت وقعد فترة عند واحد من أصحابه. ما طلبتش منه يرجع، وما طلبتش منه يمشي
. هو اللي اختار يبعد، وأنا لأول مرة ما حاولتش أصلح كل حاجة بإيدي. كنت زمان أول ما يحصل خلاف بيننا، أروح أتكلم معاه، وأحاول أرجع الأمور لطبيعتها، حتى لو أنا اللي موجوعة. المرة دي، كنت محتاجة أسمع صوتي أنا. كنت محتاجة أفهم أنا عايزة إيه بعيدًا عن الخوف من الوحدة، وبعيدًا عن ذكريات السنين اللي فاتت. أما طارق، فبدأ يقعد معايا كل يوم تقريبًا. كان بيحاول يرجع لحياته الطبيعية، لكنه كل ما يسمع صوت موبايله، أو يشوف صورة من الفرح، يسكت فجأة. وفي يوم، دخل عليا ومعاه علبة صغيرة. قال: “ماما، دي كانت عند جنة.” فتح العلبة، ولقيت جواها صورة قديمة لأبويا، وصورة تانية لمحمود وأخوه. قلتله: “هي قالت لك إيه؟” قال: “قالت إن الصور كانت مع الأوراق، وإنها احتفظت بيها لأنها كانت عايزة تعرف أصل موضوع الأرض.” مسكت صورة أبويا. كان واقف قدام بيتنا القديم، لابس جلابية بيضا، وبيضحك للكاميرا. افتكرت كلامه في آخر أيامه، لما كان بيقول لي دايمًا: “


