خلي بالك من نفسك يا بنتي، وما تخليش حد ياخد منك حقك لمجرد إنك بتحبيه.” كنت فاكرة إنه بيتكلم عن الدنيا عمومًا. ما كنتش أعرف إن الجملة دي هترجع لي بعد كل السنين دي. طارق قعد جنبي. قال: “ماما، أنا قررت إني هبعد عن جنة لحد ما كل حاجة تتوضح. مش هقدر أعيش معاها وأنا مش واثق في أي كلمة بتقولها.” هزيت راسي. “ده قرارك يا حبيبي، وأنا هحترمه.” قال: “بس أنا مش عايز أكرهها، ولا عايز أكره بابا. أنا بس محتاج أبعد عشان أعرف أفكر.” حطيت إيدي على كتفه. “مش مطلوب منك تكره حد، ومش مطلوب منك تسامح حد قبل ما تكون مستعد. أهم حاجة ما تظلمش نفسك.” سكت شوية، وبعدها ابتسم ابتسامة صغيرة. “فاكرة لما كنت صغير، وكنت بخاف أنام لوحدي؟” ضحكت وسط دموعي. “كنت بتدخل تنام جنبي وتقول لي إنك سمعت صوت في الصالة.” قال: “أنا دلوقتي عندي تلاتين سنة،
وبرضه حاسس إني محتاج أقعد جنبك شوية.” حضنته. وفي اللحظة دي، عرفت إن كل اللي حصل، مهما كان موجعًا، مش هيقدر ياخد مني أهم حاجة عندي: ابني. بعد حوالي شهر، وصلنا رد أولي بخصوص مراجعة المستندات. الأستاذ فؤاد طلب مني أروح مكتبه أنا وطارق. لما دخلنا، كان حاطط قدامه ملفين منفصلين. قال: “المراجعة الأولية وضحت إن فيه اختلافات بين بعض النسخ الموجودة، وإن التوقيع المنسوب لمدام سناء محتاج فحصًا فنيًا. لسه ما نقدرش نقول إن فيه تزويرًا ثابتًا، لكن فيه أسباب كافية لاستكمال الإجراءات الرسمية وعدم الاعتماد على المستند المختلف عليه.” سألته: “وحق أبويا؟”
قال: “فيه مستندات بتدعم وجود اتفاق قديم مرتبط بحصة من قيمة الأرض، لكن تحديد الحق النهائي محتاج مراجعة باقي السجلات والمستندات الأصلية. إحنا ما زلنا في مرحلة التحقق.” طارق سأله: “يعني الأرض لسه باسمنا؟” رد المحامي: “الملكية المسجلة ما زالت كما تظهر في السجلات اللي راجعناها، وأي تغيير محتاج إجراء صحيح ومستندات معتمدة. لكن لازم ننتظر نتيجة الفحص ونراجع كل الالتزامات القديمة.” خرجنا من المكتب، وأنا حاسة براحة بسيطة. مش لأن كل حاجة اتحلت، لكن لأن الموضوع أخيرًا بقى بيتراجع على أساس أوراق وإجراءات، مش على أساس وعود وإنكار. وأنا ماشية مع طارق، سألني: “ماما، لو بابا اعتذر، هتسامحيه؟” وقفت شوية قبل ما أرد. قلتله: “الاعتذار ممكن يكون بداية، لكنه مش بيمسح اللي حصل. وأنا مش عارفة لسه هقدر أسامحه ولا لأ. لكني عارفة إني مش هرجع أعيش بنفس الطريقة اللي كنت عايشاها قبل ما أعرف الحقيقة.”
طارق هز راسه. “وأنا كمان.” بعدها بيومين، محمود اتصل بي. قال إنه عايز يقابلني، وإن عنده كلام لازم يقوله بعيدًا عن طارق. وافقت أقابله في مكان عام، وطلبت من الأستاذ فؤاد يكون عارف بموعد المقابلة، لأن أي كلام يخص الأرض لازم يفضل منفصلًا عن أي خلاف شخصي. وصل محمود في الموعد، وكان شكله أكبر من سنه. قعد قدامي، وما طلبش قهوة ولا فتح موبايله. قال: “سناء، أنا عارف إن مفيش كلام يقدر يرجع اللي ضاع.” فضلت ساكتة. كمل: “أنا كنت فاكر إن إخفاء الحقيقة هيخليني أقدر أصلح المشكلة من غير ما أخسركم. كل ما كنت بقرب من الحل، كانت تظهر مشكلة جديدة، وأنا كنت بخاف أعترف.” سألته: “وخفت من إيه بالضبط؟”
قال: “من إنك تعرفي إن فيه خلاف قديم على الأرض، وإن أبوكي كان له حق في جزء من الموضوع، وإننا ما وصلناش لتسوية نهائية زي ما كنت فاكر.” قلتله: “كنت فاكر؟ ولا كنت عارف؟” نزل عينه. “في البداية كنت فاكر إن الموضوع اتقفل. بعد كده ظهرت أوراق جديدة، واكتشفت إن فيه حاجات ما كانتش واضحة. وكان المفروض أقول لك من أول يوم.” سألته: “والتوقيع؟” قال: “أنا قدمت المستند وأنا عارف إنك ما مضيتيش عليه بنفسك. كنت فاكر إن الإجراء مؤقت، وإننا هنقدر نرجعه قبل ما يحصل أي تغيير.” قلتله: “إنت كنت بتقرر بالنيابة عني في حاجة تخص حقي، من غير ما تسألني.” هز راسه. “أيوه.” سألته: “وجنة؟” سكت طويلًا.
وبعدين قال: “أنا قربت منها بطريقة ما كانش ينفع تحصل، واستغليت ثقتها في كلامي، وهي كمان أخطأت في حق طارق. مش هطلب منك تبرري لي اللي عملته.” بصيت له. “أنا مش محتاجة منك اعترافات متأخرة عشان أعرف إني اتوجعت. أنا محتاجة أعرف هتعمل إيه من هنا ورايح.” قال: “هتعاون مع المحامي في كل حاجة، وهقدم أي مستند مطلوب، ومش هحاول أتصرف في الأرض من غير موافقتك. وبالنسبة لطارق، أنا هسيب له الوقت اللي يحتاجه.” قلتله: “كويس. لأن الثقة مش بترجع بكلمتين.” سكت، وبعدها قال: “أنا عارف.” قبل ما يقوم، بص لي وسأل: “إنتِ فاكرة أي حاجة حلوة من السنين اللي فاتت؟” السؤال وجعني. لأن الحقيقة إن السنين
ما كانتش كلها كدب. كان فيه أيام حلوة فعلًا، وذكريات صادقة، وضحك، ومرض، وتعب، ونجاح، وطفل كبر بيننا. لكن وجود الحاجات الحلوة ما كانش معناه إن اللي حصل يتنسي. قلتله: “أيوه، فاكرة. وده اللي بيخليني موجوعة أكتر. أنا مش زعلانة على يوم أو شهر. أنا زعلانة على ثقة بنيتها فيك يوم ورا يوم، وكنت فاكرة إنها أأمن حاجة في حياتي.” محمود غمض عينيه. ما ردش. وقام ومشي. وأنا فضلت قاعدة شوية، مش عارفة إذا كنت ارتحت بعد الكلام ولا تعبت أكتر. لكن لأول مرة، ما حسيتش إني مضطرة أجري وراه عشان أصلح حاجة هو كسرها. بعد شهور من المراجعات والإجراءات، اتضحت أجزاء مهمة من موضوع الأرض، وبدأ المحامي يستكمل الخطوات القانونية لتحديد الحقوق القديمة وتسوية أي التزامات ثابتة بالمستندات. ما كانش فيه حل سحري، ولا ورقة واحدة أنهت كل المشاكل. كان فيه وقت، ومراجعة، وأسئلة، وإجابات ما جتش كلها في يوم واحد. لكن الأهم إن أي إجراء جديد بقى بيتم بعلمنا، وإن محدش يقدر يضغط عليا عشان أمضي على حاجة مش فاهمها. أما طارق، فاختار ينهي زواجه من جنة بعد ما أخد وقته وفكر في كل اللي حصل. ما عملش
، وما حاولش يجرحها قدام الناس، لكنه قال لها بوضوح إن الثقة اللي اتكسرت بينهم ما بقاش قادر يبني عليها حياة. جنة حاولت تتكلم معاه أكتر من مرة، واعتذرت لي أنا كمان. سمعتها، لكني ما وعدتهاش إني هنسى. قلت لها: “أنا مش هحكم على حياتك كلها من غلطتك، لكن اللي حصل بينك وبين طارق مش حاجة بسيطة. هو محتاج يعيش من غير خوف وشك، وإنتِ محتاجة تتحملي نتيجة قراراتك.” عيطت، وهزت راسها، ومشيت. ما حسيتش بالانتصار. حسيت بالحزن على بيت كان ممكن يفضل قائمًا لو كل واحد فينا اختار الصراحة من البداية. ومحمود؟ ما رجعش يعيش معايا. فضلنا على تواصل محدود بسبب الإجراءات والأوراق، لكن حياتنا الزوجية توقفت عند النقطة اللي عرفت فيها الحقيقة. ما كانش قرار سهل، خصوصًا بعد واحد وتلاتين سنة. كان فيه أيام أصحى فيها وأمد إيدي ناحية مكانه في السرير من غير ما أفكر، وبعدها أفتكر إنه مش موجود. وكان فيه ليالي



