أبص فيها لصورة فرحنا وأسأل نفسي: هو الراجل اللي في الصورة ده كان مين؟ وهل كنت أعرفه فعلًا؟ لكن مع الوقت، بدأت أتعلم إن الوحدة مش دايمًا معناها إنك لوحدك في البيت. أحيانًا تكون الوحدة إنك تعيش جنب شخص سنين طويلة، وتكتشف إنك ما بقيتش عارف تصدق كلمة واحدة من اللي بيقولها.
وفي المقابل، ممكن تبقى لوحدك فعلًا، لكنك مرتاح لأنك مش مضطر تشك في كل صوت، ولا تخاف من كل رسالة، ولا تتساءل كل ليلة إذا كنت بتتوهم أو إذا كانت الحقيقة أسوأ مما تتخيل. رجعت أزور قبر أبويا كل أسبوع. كنت بقعد قدامه وأحكيله عن اللي حصل، وعن طارق، وعن الأيام اللي عدت. وفي مرة، وأنا بحط الورد على قبره، قلتله: “أنا ما قدرتش أحافظ على البيت زي ما كنت بتمنى يا بابا، لكني حاولت أحافظ على نفسي وعلى ابني. يمكن دي كانت الأمانة اللي كنت تقصدها من البداية
.” وبعدها ابتسمت لأول مرة من قلبي من يوم ما بدأت الحكاية. في صباح يوم هادي، كنت قاعدة في البلكونة، بشرب الشاي وببص للشمس وهي بتطلع من بين العمارات. طارق دخل عليا، ومعاه كيس فطير من المخبز اللي بحبه. قال: “صباح الخير يا ست الكل.” ضحكت. “صباح النور يا حبيبي. إيه الكرم ده؟” حط الكيس على الترابيزة وقعد جنبي. “قلت أغير لك الجو شوية. بقالي فترة كل ما أجيلك ألاقيكي بتشربي الشاي لوحدك.” قلتله: “أنا اتعودت.” رد بسرعة: “ما تتعوديش على الوحدة يا ماما. أنا موجود.” مسكت إيده.
“عارفة يا حبيبي.” قعدنا نفطر سوا، واتكلمنا عن شغله، وعن حاجات بسيطة في البيت، وعن فيلم كان عايز نتفرج عليه آخر الأسبوع. ولأول مرة من شهور، ضحكنا من غير ما نفتكر الأوراق أو الفندق أو الرسائل. بعد الفطار، طارق قام يغسل إيده، وساب موبايله على الترابيزة. ظهرت رسالة من رقم مش مسجل. ما حاولتش أفتحها، وما قربتش من موبايله. لكن بعد شوية، رجع طارق، وبص للشاشة، ووشه اتغير. سألته: “فيه حاجة يا حبيبي؟” مسك الموبايل، وفضل باصص للرسالة. وبعدين قال: “ماما، جنة بعتت لي.” سكت لحظة. “بتقول إنها لقت ورقة جديدة وسط حاجات أبوها القديمة، وإن الورقة دي ممكن تغير فهمنا لجزء من موضوع الأرض.” قلبي دق بسرعة، لكني حاولت أتمالك نفسي. قلتله:
“وإنت هتعمل إيه؟” بص لي، وبعدها قفل الموبايل. “هبعتها للمحامي، وهو يراجعها. مش هقابل حد، ومش همضي على حاجة، ومش هصدق أي كلام من غير دليل.” ابتسمت له. “كده أنا مطمنة عليك.” لكنه رجع فتح الموبايل، وقرأ الرسالة مرة تانية. وبعدين قال: “فيه جملة في آخرها يا ماما، مش فاهم معناها.” سألته: “بتقول إيه؟” قرب مني ووراني الشاشة. كانت جنة كاتبة: «الورقة دي بتثبت إن محمود ما كانش الشخص الوحيد اللي عارف الحقيقة من البداية. فيه حد تاني من العيلة كان متابع كل حاجة، وسابكم تكتشفوا الموضوع لوحدكم.»
فضلت باصة للكلام. حد تاني من العيلة؟ مين؟ أخو محمود اللي كنا فاكرين إنه اختفى من زمان؟ ولا شخص تاني كان موجودًا وسطنا طول السنين دي؟ طارق رفع عينه ليا، وأنا بصيت له. ما اتكلمناش. لكن في اللحظة دي، فهمت إن الحكاية اللي بدأت بصورة قدام فندق، ما كانتش مجرد حكاية زوج خان ثقة زوجته. كانت حكاية أسرار اتدفنت سنين، وحقوق اتأجلت، وناس اختارت السكوت بدل المواجهة. وأنا، سناء، اللي قضيت عمري أحاول أحافظ على البيت، عرفت أخيرًا إن الحقيقة ممكن تهد بيت، لكنها كمان ممكن تنقذ اللي لسه فاضل منه. أما الورقة الجديدة، فكانت لسه عند جنة. والمرة دي، قررت إني مش هسبق الأحداث، ولا هسمح للخوف يختار مكاني.
هستنى الحقيقة، مهما كانت، وهواجهها وأنا واقفة على رجلي. لأن الست اللي وصلت لسن ستة وخمسين سنة، وعدّت على كتفها تلاتين سنة من المسؤولية، وربّت ابنها، وسندت جوزها، مش لازم تفضل طول عمرها تدفع ثمن أسرار غيرها. ومن يومها، كل ما أفتكر كلام أبويا، أفتكر إنه ما قالش لي إن الراجل ده هيخيب ظني عشان أعيش خايفة. هو قالها عشان أعرف إن الثقة مش معناها إني أغمض عيني عن الحقيقة. وإن الحب، مهما كان كبيرًا، ما يديش لحد الحق إنه ياخد كرامتي أو حقي أو أماني، وبعدها يطلب مني أعتبر كل اللي حصل مجرد غلطة. أنا لسه ما نسيتش. ولسه فيه وجع بيصحى جوايا من وقت للتاني. لكن بقيت أعرف أعيش من غير ما أهرب من الحقيقة. وبقيت أعرف إن البيت مش أربع حيطان، ولا صورة فرح معلقة على الحيطة، ولا اسمين مكتوبين في عقد جواز. البيت الحقيقي هو المكان اللي تقدري تنامي فيه وإنتِ مطمنة، وتتكلمي فيه من غير خوف، وتعيشي فيه من غير ما تضطري تشكي في نفسك كل يوم.
وده البيت اللي قررت أبنيه من جديد، حتى لو المرة دي هبنيه من غير محمود. أما طارق، ففضل جنبي، وبدأ يرجع لحياته خطوة خطوة. وفي يوم، وإحنا قاعدين قدام قبر جده، قال لي: “عارفة يا ماما؟ أنا كنت فاكر إن اكتشاف الحقيقة هيخليني أخسر كل حاجة.” سألته: “ودلوقتي؟” ابتسم وقال: “دلوقتي عرفت إن اللي بيضيع لما الحقيقة تظهر، مش دايمًا بيكون حاجة كان لازم نتمسك بيها.” حطيت إيدي على إيده، وبصينا سوا لاسم أبويا. ولأول مرة، ما طلبتش منه يحميني من اللي جاي. طلبت منه بس يديني القوة أواجهه. لأن الحكاية ما كانتش عن نهاية جواز، ولا عن خيانة اتكشفت، ولا عن أرض عليها خلاف. كانت عن ست اكتشفت متأخر إن الحفاظ على نفسها مش أنانية، وإن الصمت مش دايمًا حكمة، وإن العِشرة مهما طالت ما تبررش إن حد يخبي عنها الحقيقة. وكانت عن ابن اتوجع من أقرب الناس ليه، لكنه اختار ما يخليش وجعه يحوله لشخص تاني. أما أنا، فرفعت راسي، ومسحت دمعة أخيرة من على خدي، وقلت في سري: “سامحت الأيام على اللي أخدته مني، لكن مش هسمح لها تاخد مني اللي باقي.” ورجعت مع ابني من المقبرة، وإحنا ساكتين، لكن لأول مرة من شهور، كان السكوت بيننا راحة، مش خوف. تمت.




