
— لما دخلت البيت، وشفت طارق بيخاف من التغيير، افتكرت كلام الأستاذ حسن، وقررت أتواصل مع أستاذ سامح. كنت عايزة أعرف إزاي أساعد طارق من غير ما أضغط عليه.
سألتها:
— طيب الحمل؟
هبة ردت بهدوء:
— الحمل حصل من علاقة سابقة قبل الجواز، وانتهت قبل ما أوافق على الزواج. وأنا عارفة إن ده موضوع حساس، وعشان كده كنت محتاجة أكون صريحة، لكني كنت خايفة من رد الفعل. أنا مش هطلب من طارق يتحمل مسؤولية مش مسؤوليته، ومش هخلي حد يظلمه بسببي.
ما سألتهاش عن تفاصيل أكتر. كان واضح إن الموضوع يخصها، وإن المطلوب دلوقتي هو التعامل معاه بمسؤولية، من غير فضائح ولا اتهامات.
لكن بقي سؤال واحد.
ليه جوزي كان محتفظ باسم هبة في أوراقه؟
هنا منى المحامية قالت:
— الوصية اللي عندي فيها جزء إضافي، لكن لازم نقرأه كله قبل ما نستنتج أي حاجة.
فتحت الملف، وطلعت ظرفًا قديمًا عليه اسم جوزي.
كان مكتوب عليه:
«إلى صافي… لو وصلت لليوم اللي تحسي فيه إنك لازم تختاري مستقبل طارق بدلًا منه».
إيدي بدأت تترعش.
فتحت الظرف، ولقيت ورقة مكتوبة بخط جوزي.
«صافي حبيبتي،
أنا عارف إنك بتحبيني، وعارف إنك هتفضلي طول عمرك تحاولي تحمي طارق من كل حاجة ممكن تضايقه.
لكن فيه حاجة لازم تعرفيها: أنا ما كنتش خايف على طارق من الدنيا قد ما كنت خايف عليه من إننا نحبسه في خوفنا.
طارق عنده قدرات، وعنده حاجات بيحبها، وعنده احتياجات لازم نفهمها. هو محتاج ناس تساعده يتعلم ويعبر عن نفسه، مش ناس تقرر عنه
طارق عنده قدرات، وعنده حاجات بيحبها، وعنده احتياجات لازم نفهمها. هو محتاج ناس تساعده يتعلم ويعبر عن نفسه، مش ناس تقرر عنه كل خطوة.
أنا قابلت حسام قبل وفاتي، واتفقنا إنه لو قدر يرجع لحياتنا، يساعدك في تنظيم أمور طارق المالية والقانونية، لكن من غير ما يتدخل في قراراتك أو يفرض عليك حاجة.
أما هبة، فهي بنت قابلتها في مركز التأهيل، وكانت بتساعد أسر كتير. أنا قلت لها لو في يوم قابلت طارق، تعاملُه باحترام، وتساعده لو احتاج، لكني ما طلبتش منها أبدًا إنها تتجوزه.
ولو وصلتي لمرحلة إنك بتفكري في جوازه عشان تطمني على مستقبله، افتكري إن الجواز مش وسيلة لتأمين الرعاية، وإن من حقه يعيش بأمان من غير ما يكون مطالب يرضي خوفنا.
أنا سايب لك رسالة تانية عند منى، فيها تفاصيل الحسابات القديمة، وحقوق كل شخص، عشان محدش يقدر يستغل طارق أو يستغل خوفك عليه.
وأرجوكي، لو غلطتي في حقه من غير قصد، ما تخافيش تعترفي بالغلط وتصلحيه.
الحب مش إننا ما نغلطش.
الحب إننا نسمع، ونتعلم، ونرجع نعمل الصح».
خلصت الرسالة، وحطيتها على صدري، وفضلت أعيط.
ما كانش جوزي مخبي عني سرًا عشان يوجعني.
كان بيحاول يسيب لي طريق أقدر أمشي فيه لما يغيب، لكني من كتر خوفي، ما شفتش الطريق ده.
بصيت لطارق، لقيته واقف جنبي، ماسك كراسته.
قال لي:
— ماما، إنتِ بتعيطي ليه؟
مسحت دموعي وابتسمت له.
— عشان فهمت حاجة مهمة يا حبيبي.
— إيه هي؟
حضنته وقلت:
— إني بحبك أوي، وإن الحب مش معناه إني أختار كل حاجة مكانك. من النهارده، هنحاول نفهم بعض، وناخد القرارات سوا على قد ما نقدر.
طارق ابتسم، وقال:
— طيب ينفع أتعلم الكمبيوتر؟
ضحكت وسط دموعي.
— طبعًا ينفع يا حبيبي. وهنشوف كمان إيه الحاجات اللي بتحبها، وهنساعدك تتعلمها.
حسام قرب مننا، وحط إيده على كتف طارق.
— وأنا هفضل موجود يا بطل، لو إنت حابب.
طارق بص له وقال:
— هتفضل تيجي تلعب معايا؟
حسام دموعه نزلت.
— هاجي، يا طارق. المرة دي مش هختفي من غير ما أقولك.
كانت دي أول مرة من سنين أحس إن البيت بدأ يهدى.
لكن لسه فيه حسابات قديمة لازم تتراجع، وحقوق لازم تتحدد، وزواج لازم ينتهي بطريقة تحفظ كرامة الطرفين.
ومع الوقت، بدأنا نصلح اللي نقدر عليه.
هبة رجعت لأهلها، وبدأت تتابع حملها مع طبيبتها. اتفقنا إننا ما نضغطش عليها ولا على طارق، وإن إنهاء الزواج يتم باحترام ومن خلال الإجراءات القانونية.
محمود اعترف إنه دخل المخزن من غير إذن، ووافق إنه يسلم كل الأوراق اللي أخدها، وإن أي مطالبة مالية تخص أبوه تتراجع عن طريق المحامية، من غير ما يقترب من حساب طارق.
سعاد اعتذرت لي، لكني ما قدرتش أرجع علاقتي بيها زي الأول بسرعة. احتجت وقت عشان أستعيد ثقتي فيها.
أما حسام، فبدأ يزورنا بانتظام، وبقى طارق يستناه كل أسبوع.
وبدأنا مع أستاذ سامح برنامج دعم مناسب لطارق، يساعده على التعبير عن مشاعره، والتعامل مع التغييرات، وتعلم مهارات جديدة على قد قدراته واحتياجاته.
لكن أكبر تغيير حصل كان جوايا أنا.
بطلت أقول له كل يوم: «إنت هتعمل إيه بعد ما أموت؟»
وبقيت أسأله:
«إنت حابب تعمل إيه النهارده؟»
وبقيت أتعلم إن مستقبل ابني مش لازم يتحدد كله النهارده، وإن الأمان مش معناه إننا نمنع عنه كل تجربة جديدة، لكن معناه نساعده يخوض التجارب المناسبة ليه، وهو عارف إن فيه ناس بتحبه وتحترم حدوده.
المشهد التاسع: اليوم اللي رجعت فيه أقف على رجلي
عدت أسابيع، وبعدها شهور.
كنت بعمل جلسات علاج طبيعي، وبحاول أستعيد قدرتي على الحركة. الدكاترة قالوا إن حالتي محتاجة متابعة، وإن فقدان القدرة على المشي بعد الصدمة النفسية مش لازم نفترض إنه سببه الصدمة وحدها، وعشان كده كنت ملتزمة بالفحوصات والعلاج.
في البداية كنت فاقدة الأمل.
كنت كل ما أحاول أقف، أفتكر الصورة اللي شفتها على الكاميرا، وأفتكر إزاي بيتي اتحول من مكان أمان لمكان مليان أسرار.
لكن طارق كان بيشجعني.
كل يوم الصبح، يجيب لي الكرسي ويحطه جنب السرير، ويقول:
— يلا يا ماما، النهارده هتقفي شوية.
كنت أضحك وأقول له:
— هو إنت بقيت الدكتور بتاعي؟
يرد بمنتهى الجدية:
— لأ، أنا ابنك، وأنا هساعدك.
كان كلامه البسيط بيديني قوة.



