
وفي يوم، وأنا في جلسة العلاج الطبيعي، قدرت أقف بمساعدة الأخصائية لثوانٍ قليلة.
ثوانٍ بسيطة، لكنها بالنسبة لي كانت انتصارًا كبيرًا.
أول ما رجعت البيت، لقيت طارق مستنيني عند الباب.
قلت له:
— عندي خبر حلو يا حبيبي.
بص لي بفضول.
— إيه هو؟
قلت له وأنا بضحك:
— ماما قدرت تقف النهارده.
طارق صقف بإيديه، وجري حضني.
— أنا كنت عارف إنك هتقومي يا ماما!
عيطت وأنا بحضنه، لكن المرة دي ما كانش عياط خوف.
كان عياط فرحة، وندم، وأمل في بداية جديدة.
بعدها بفترة، حسام دعانا نتغدى عنده.
كانت أول مرة أروح بيته من أكتر من خمسة وعشرين سنة.
وأنا داخلة، لقيت صورة قديمة لينا إحنا الاتنين وإحنا أطفال، متعلقة في الصالة.
وقفت قدامها طويلًا.
حسام قرب مني وقال:
— أنا محتفظ بالصورة دي طول السنين اللي فاتت.
قلت له:
— كنت ممكن ترجع من زمان يا حسام.
هز راسه.
— أيوه، وكان لازم أرجع. أنا خسرت سنين كتير بسبب خوفي، لكن مش عايز أخسر اللي باقي من عمري.
بصيت له وقلت:
— وأنا كمان خسرت وقت وأنا بخاف على طارق من المستقبل، لحد ما نسيت أعيش معاه في الحاضر.
حسام مسك إيدي.
— لسه قدامنا وقت نصلح فيه اللي نقدر عليه.
دخل طارق في اللحظة دي، وكان شايل لعبة صغيرة جابها له خاله.
قال:
— ماما، بصي! خالي جاب لي هدية.
بصيت له وأنا بضحك.
— تستاهل يا حبيبي.
وبعدين قعدنا كلنا على السفرة، لأول مرة من شهور من غير خناق، ومن غير أسرار، ومن غير حد بيحاول يقرر حياة التاني.
لكن قبل ما نمشي، حسام طلب مني أقعد معاه شوية.
طلع ورقة صغيرة من درج مكتبه، وقال:
— فيه حاجة كنت مستني الوقت المناسب عشان أديهالك.
فتحت الورقة.
كانت رسالة قصيرة من جوزي، مكتوبة قبل وفاته بأيام.
«صافي، لو في يوم حسيتِ إنك ضيعتي الطريق، افتكري إنك تقدري ترجعي. المهم ما تفضليش ماشية في طريق غلط لمجرد إنك بدأتيه.
طارق أمانة عندنا، لكن الأمانة مش معناها نتحكم فيه. الأمانة معناها نحافظ على حقه إنه يعيش بكرامة، حتى لو ده احتاج مننا نغيّر أفكارنا».
ضمّيت الورقة لصدري.
ولأول مرة، حسيت إني فهمت معنى الأمانة اللي جوزي كان بيتكلم عنها.
مش الأمانة اللي تخليني أخاف عليه من كل حاجة.
لكن الأمانة اللي تخليني أسمعه، وأحترم اختياراته، وأساعده يبقى أقوى من غير ما أحسسه إنه عبء على حد.
المشهد العاشر: الحقيقة اللي فهمتها متأخر
بعد مرور سنة تقريبًا، حياتنا اتغيرت بشكل كبير.
طارق بقى بيروح المركز بانتظام، واتعلم مهارات جديدة، وبقى يقدر يعبّر عن حاجات كتير كانت بتخوفه زمان.
بدأ يتعلم استخدام الكمبيوتر، وبقى عنده جدول أسبوعي للأنشطة اللي بيحبها.
أما هبة، فأنهت علاقتها بطارق بهدوء واحترام، وبعد فترة رزقت بطفلها، وبدأت حياة جديدة مع أسرتها.
ما بقيناش أعداء، ولا بقينا أصحاب مقربين، لكننا اتعلمنا نحط حدودًا واضحة، ونحترم خصوصية بعض، وما نخليش الخلاف القديم يتحول لظلم جديد.
محمود قدم اعتذارًا رسميًا، وأي خلاف مالي يخص والده اتراجع عن طريق المحامية. واتعلم إن حتى لو الإنسان شايف إن له حق، لازم يطلبه بالطريقة الصح.
سعاد فضلت تحاول تصلح علاقتها بيا، وأنا مع الوقت قدرت أتكلم معاها من غير ما أفتكر الوجع في كل كلمة.
لكن علاقتنا ما رجعتش زي الأول بالضبط.
لأن الثقة لما بتتكسر، ممكن تتبني من جديد، لكن محتاجة وقت وأفعال، مش مجرد اعتذار.
أما أنا، فبدأت أرجع لحياتي بالتدريج.
العلاج الطبيعي ساعدني أستعيد جزءًا كبيرًا من قدرتي على الحركة، وبقيت أقدر أقف وأمشي خطوات بمساعدة، ثم بدأت أتحرك في البيت باستقلالية أكبر.
ما كنتش بقول إن الصدمة اختفت، ولا إن كل حاجة بقت مثالية.
لكن بقيت أعرف أتعامل مع خوفي بدل ما أسيبه يتحكم في قراراتي.
وفي يوم، كنت قاعدة مع طارق في البلكونة، وهو بيحكي لي عن نشاط جديد عايز يشترك فيه.
قال لي:
— ماما، أنا عايز أروح الرحلة اللي المركز عاملها.
في الماضي، كنت هسأله عشرات الأسئلة، وأخاف من كل احتمال، وأدور على طريقة تمنعه يروح عشان أطمن عليه.
لكن المرة دي، سألته:
— إنت حابب تروح ليه؟
قال لي:
— عشان هنتعلم حاجات جديدة، وهكون مع أصحابي، وأستاذ سامح هيكون معانا.
ابتسمت وقلت له:
— طيب، خلينا نعرف تفاصيل الرحلة، ونشوف إيه اللي محتاجينه عشان تروح وأنت مطمن.
طارق فرح جدًا، وقام حضني.
— إنتِ أحسن ماما في الدنيا.
غمضت عيني وأنا بحضنه، وقلت في سري:
يا رب، سامحني على كل مرة خفت فيها على ابني لدرجة إني نسيت أسمعه.
وفي نفس الليلة، فتحت درج الكومودينو، وطلعت رسالة جوزي القديمة.
قريتها مرة تانية، وبعدين حطيتها في إطار صغير جنب صورته.
ما بقيتش ببص للصورة وأعيط على اللي فات.
بقيت أبص لها وأفتكر إن الإنسان ممكن يحب بصدق، ومع ذلك يغلط.
وممكن يظن إنه بيحمي اللي بيحبهم، لكنه من غير ما يقصد يحرمهم من حقهم في الاختيار.
وأهم درس اتعلمته إن طارق مش محتاج واحدة تتجوزه عشان تضمن لي إنه مش هيبقى لوحده بعد موتي.
هو محتاج أسرة تحترمه، وأشخاص يفهموا احتياجاته، وبيئة آمنة تساعده يتعلم ويكبر على قد إمكانياته.
ومحتاج أم تسمعه، مش أم تقرر عنه كل حاجة.
في اليوم اللي بعده، وأنا بساعده يجهز حاجته للرحلة، لقيته بيطلع من درج مكتبه صورة قديمة.
كانت صورة لطارق وهو صغير، واقف في حضن أبوه، وحسام واقف جنبهم.
طارق بص للصورة وقال:
— ماما، بابا كان بيحبني؟
قعدت جنبه، ومسكت الصورة.
— أيوه يا حبيبي، كان بيحبك جدًا.
سألني:
— طب هو كان عارف إني هكبر؟
ابتسمت وقلت:
— كان عارف إنك هتكبر، وكان نفسه يشوفك بتتعلم وتفرح وتعمل الحاجات اللي بتحبها.
طارق سكت شوية، وبعدها قال:
— أنا نفسي لو كان عايش، أوريه الكمبيوتر اللي اتعلمته.
حضنته وقلت:
— أكيد كان هيفرح بيك جدًا.
وبعدين طارق بص لي، وقال جملة عمري ما هنساها:
— ماما، إنتِ كمان هتفرحي بيا لما أكبر؟
دموعي نزلت من غير ما أحس.
قلت له:
— أنا فخورة بيك من دلوقتي يا حبيبي. ومش لازم تعمل حاجة معينة عشان تفرحيني. إنت مش مطالب تثبت لأي حد إنك تستحق الحب.
طارق ابتسم، ورجع يكمل تجهيز شنطته.
وأنا فضلت قاعدة مكاني، بفكر في الرحلة الطويلة اللي مشيناها عشان نوصل للحقيقة.
كنت بدأت الحكاية بخوف من إن ابني يتساب لوحده بعد موتي.
وخوفي خلاني أوافق على جوازة ما كانتش مناسبة له، وأشك في بنت من غير ما أسمعها، وأزرع كاميرا عشان أراقب بيتي، وأتخيل إن كل اللي بيحصل مؤامرة ضدي.
لكن الحقيقة كانت أعقد من كده.



