روايات وقصص

زهرة الربيع

— فيه كمان رسالة من الأستاذ حسن، كتبها قبل وفاته، وطلب مني أحتفظ بيها لحد ما صافي تكون مستعدة تسمع الحقيقة.

مدت لي الرسالة.

فتحتها بإيد مرتعشة، وبدأت أقرأ.

«إلى صافي، زوجتي وحبيبتي وأم ابني…

لو وصلتك الرسالة دي، يبقى غالبًا أنا مش موجود جنبك، ومش هقدر أقولك الكلام ده بنفسي.

أنا عارف إنك بتحبي طارق أكتر من أي حاجة في الدنيا، وعارف إن خوفك عليه ممكن يخليكي تحاولي تضمني له المستقبل بأي طريقة.

لكن عايزك تفتكري إن طارق مش مشروع لازم نخلصه، ولا مسؤولية لازم نسلمها لحد بعد ما نموت.

طارق إنسان، له مشاعر ورغبات وحقوق، ومن حقه يعيش حياة فيها أمان وكرامة، ومن حقه يقول لأ، ومن حقه يختار الأشخاص اللي يرتاح لهم.

لو في يوم حسيتِ إنك لازم تقرري عنه حاجة كبيرة، خدي وقتك، واسمعيه، واستعيني بالناس المتخصصة اللي تقدر تساعده يفهم اختياراته.

وأهم حاجة، ما تخليش خوفك من المستقبل يسرق منه الحاضر.

أنا عارف إنك هتتعبي، وعارف إنك هتخافي، لكن صدقيني، مش كل حاجة نعملها باسم الحب بتكون صح.

حافظي على طارق، لكن سيبيه يكبر بطريقته.

زوجك حسن».

الرسالة خلصت، وأنا كنت بعيط من غير صوت.

افتكرت كل ليلة طارق نام فيها جنبي لأنه كان خايف، وكل مرة رفض يدخل أوضته، وكل مرة قلت له إنه لازم يتعود على هبة، بدل ما أسأله هو خايف من إيه.

افتكرت إني كنت عايزة أضمن له المستقبل، لكني ما اديتوش فرصة يعيش حاضره بأمان.

قعدت على الكرسي، وبصيت لطارق اللي كان بيرسم في كراسة صغيرة.

قلت له:

— طارق، تعالى يا حبيبي.

جه وقعد جنبي.

سألته:

— إنت كنت عايز تتجوز هبة؟

طارق بص لي، وبعدها هز راسه بالرفض.

قلت له:

— طب كنت خايف منها ليه؟

رد بعد تفكير:

— أنا مش عارف أكون جوز. أنا بحب ماما، وبحب أقعد معاها. وهبة كانت بتقول لي لازم أنام لوحدي، وأنا كنت بخاف.

هبة نزلت عينيها، ودموعها نزلت تاني.

قالت:

— أنا آسفة يا طارق. أنا كنت فاكرة إنك هتتعود، وما فهمتش إنك محتاج وقت ومساعدة.

طارق بص لها وقال:

— إنتِ مش هتزعقي لي تاني؟

هبة هزت راسها.

— لأ، مش هزعق لك تاني.

وبعدين بص لي وقال:

— ماما، أنا عايز هبة تبقى صاحبتي، مش مراتي.

الجملة دي كانت كفاية تخليني أفهم القرار اللي كان لازم آخده من البداية.

بصيت لهبة، وقلت:

— أنا آسفة يا بنتي. أنا ظلمتك لما دخلتك حياة إنتِ مش مستعدة لها، وظلمت طارق لما قررت عنه من غير ما أسمعه.

هبة مسحت دموعها وقالت:

— وأنا كمان غلطت لما سكت عن اللي مضايقني، ولما ما طلبتش مساعدة من الأول.

منى وضحت لنا إن إنهاء الزواج أو استمراره لازم يتم وفق الإجراءات القانونية، وإن الأهم دلوقتي هو ضمان سلامة طارق وراحة الطرفين، والتعامل مع الحمل باعتباره موضوعًا طبيًا وشخصيًا له خصوصيته.

اتفقنا إن هبة ترجع لأهلها مؤقتًا، وإن أي قرار بعد كده يتم بهدوء ومن غير ضغط أو اتهامات.

لكن قبل ما هبة تقوم، مسكت إيدي وقالت:

— يا طنط صافي، فيه حاجة لازم أقولها لك عن حملي.

بصيت لها، وقلبي اتقبض.

قالت:

— أنا رحت لدكتورة تانية بعد ما عرفت إني حامل، وطلبت منها تعيد الفحوصات. الدكتورة قالت إن فيه تفاصيل لازم تتأكد منها، وإن الحمل محتاج متابعة دقيقة، لكن فيه حاجة أهم…

سكتت، وبعدين كملت:

— أنا كنت خايفة أقولك الحقيقة، لأنك كنتِ هتفتكري إني بخون طارق أو بخدعك. لكن أنا ما كنتش عايزة أحمل سر أكبر مني.

بصيت لها وسألتها:

— إيه السر يا هبة؟

هبة فتحت شنطتها، وطلعت ورقة طبية مطوية.

مدتها لي، وقالت:

— الورقة دي هتفسر لك ليه أستاذ سامح كان موجود في حياتي قبل ما أتجوز طارق، وليه كان بيحاول يساعدني من غير ما حضرتك تعرفي.

فتحت الورقة.

ولما قرأت أول سطر، حسيت إن قلبي اتقبض من جديد.

لأن اسم الشخص المكتوب في خانة جهة الاتصال للطوارئ كان اسم جوزي الراحل حسن.

وفي أسفل الورقة، كان فيه تاريخ يرجع لقبل وفاة جوزي بشهور.

رفعت عيني لهبة، وسألتها بصوت مرتعش:

— إنتِ كنتِ تعرفي جوزي قبل ما تتجوزي طارق؟!

هبة هزت راسها، وقالت:

— أيوه يا طنط… وكنت أعرفه من خلال موضوع قديم جدًا، هو اللي خلاني أوافق على الجوازة وأنا فاكرة إني بساعد طارق.

وبعدين بصت لحسام، اللي كان واقف مصدوم، وقالت:

— لأن أبو طارق هو اللي طلب مني قبل ما يموت إني لو قابلت ابنه في يوم، ما أسيبوش يواجه الدنيا لوحده… لكن فيه جزء من وصيته محدش فيكم قرأه لحد النهارده.

المشهد الثامن: الوصية الأخيرة
البيت كله سكت.

حتى طارق وقف الرسم، وبص لنا واحد واحد، كأنه حاسس إن فيه حاجة كبيرة بتحصل.

حسام قرب من هبة وقال:

— إنتِ بتقولي إن حسن هو اللي طلب منك تساعدي طارق؟

هبة هزت راسها.

— أيوه. لكن مش بالطريقة اللي حصلت. هو ما طلبش مني أتجوزه، ولا قال لي أوافق على جوازة أنا مش مستعدة لها. هو طلب مني أساعده لو احتاج مساعدة، لأنني كنت بتطوع في مركز بيساعد أسر الأشخاص ذوي الإعاقة.

أستاذ سامح أكد كلامها، وقال إن هبة كانت فعلًا بتشارك في أنشطة اجتماعية بالمركز، وإن معرفتها بطارق بدأت من خلال ترتيبات قديمة مرتبطة بوالده، لكن ما كانش فيه أي اتفاق يلزمها بالجواز منه.

هبة كملت:

— بعد وفاة الأستاذ حسن، اتواصلت معايا سعاد، وقالت لي إن فيه أسرة محتاجة بنت تساعد ابنها، وإن الأم مستعدة تدفع مبلغًا مقابل الزواج. أنا كنت محتاجة الفلوس عشان ظروف أهلي، ووافقت، لكني ما كنتش أعرف إن الابن هو نفس الشخص اللي أبو طارق كان بيتكلم عنه.

بصيت لسعاد، فحطت إيديها على وشها.

— أنا ما كنتش أعرف إن حسن كان كلمها قبل كده. أنا بس كنت عايزة ألاقي حل لصافي وطارق.

هبة قالت:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى