
أنا كنت قاعدة، وحاسة إن رأسي هتنفجر.
يعني محمود كان بيدور على حق أبوه، لكنه دخل المخزن من غير إذن، وفتح الصندوق، وخلاني أعيش في خوف.
لكن لسه فيه حاجة مش مفهومة.
قلت لحسام:
— طيب إنت قلت إن فيه شخص كان بيستغل ثقتي، واسم محمود مكتوب في الورقة. هل محمود هو اللي جوزي كان بيحذرني منه؟
حسام سكت شوية، وبعدها قال:
— لأ يا صافي. محمود غلط، ولازم يتحمل مسؤولية غلطه، لكن الورقة اللي معاكي مش بتقول إنه سرق فلوس طارق. هي بتقول إنه حاول يوصل لمعلومات تخص حسابات قديمة. أما الشخص اللي جوزك كان بيحذرك منه، فهو شخص تاني تمامًا.
بصيت له بذهول.
— مين بقى؟!
حسام مد إيده للملف، وطلع ورقة تانية.
لكن قبل ما يقرأها، تليفونه رن.
بص للشاشة، ورد.
سمعته بيقول:
— أيوه يا أستاذة منى… حصل إيه؟
سكت شوية، وبعدها وشه اتغير.
قال:
— إنتِ متأكدة من النتيجة؟!
سكت تاني، وبعدين قال:
— لأ، ما تقوليش لحد أي حاجة لحد ما أوصل.
قفل التليفون، وبص لي.
قلت له:
— في إيه تاني؟!
حسام قال:
— منى، المحامية اللي كانت بتتابع أوراق جوزك، لقت مستند جديد في ملف قديم. المستند ده ممكن يثبت إن فيه حد استخدم اسم طارق في معاملة مالية من غير علمك.
وبعدين بص ناحية هبة.
— وفيه حاجة تانية. المستند فيه تاريخ قريب جدًا من تاريخ زواجك يا هبة.
هبة حطت إيدها على بطنها، ووشها شحب.
سألتها:
— إنتِ تعرفي حاجة عن الموضوع ده؟
هزت راسها بسرعة.
— لأ يا طنط، والله ما أعرف أي حاجة.
حسام قال:
— أنا مش بتهم حد. لكن لازم نراجع كل الأوراق بهدوء، ونفهم إيه اللي حصل.
في اللحظة دي، طارق قام من مكانه، وراح ناحية هبة.
مسك إيدها وقال:
— هبة، إنتِ زعلانة مني؟
هبة نزلت لمستواه، وحضنته وقالت:
— لأ يا طارق، إنت ما عملتش حاجة غلط.
طارق بص لي وقال:
— ماما، أنا عايز الكل يبقى مبسوط. أنا مش عايز حد يزعل مني.
الكلام ده خلاني أحس إني اتكسرت من جوايا.
كل واحد فينا كان بيجري ورا مصلحته، أو بيحاول يحل مشكلة قديمة، أو بيخبي سر، وفي النص كان طارق واقف، خايف من كل تغيير، ومش فاهم ليه الناس اللي بيحبهم بيتخانقوا.
قربت منه، ومسكت إيده.
— إنت مش مسؤول عن أي حاجة يا حبيبي. إنت مالكش ذنب في أي مشكلة بين الكبار.
طارق بص لي، وابتسم ابتسامة صغيرة.
لكن حسام كان لسه واقف، ماسك الورقة اللي جوزي كتبها.
وبعد لحظات، قال:
— يا صافي، لازم تعرفي إن فيه شخص كان عارف من البداية إن طارق مش مستعد للجواز، ومع ذلك شجعك على الفكرة، وكان عنده سبب يخليه مستعجل على الجوازة دي.
بصيت له.
— مين الشخص ده؟
حسام طوى الورقة، وحطها قدامي.
— اقري الاسم بنفسك.
مديت إيدي، وفتحت الورقة.
ولما شفت الاسم، حسيت إن قلبي وقع في رجلي.
لأن الاسم المكتوب ما كانش اسم محمود، ولا هبة، ولا أي حد من الناس اللي كنت بشك فيهم.
كان اسم الشخص اللي وقف جنبي يوم وفاة جوزي، واللي فضل سنين يقول لي إنه أكتر واحد خايف على طارق بعدي.
كان اسم أختي سعاد.
المشهد السابع: أختي اللي كنت فاكرة إنها سندي
بصيت لسعاد، ومقدرتش أنطق.
سعاد كانت واقفة قدامي، ووشها مليان دموع، لكنها ما حاولتش تنكر.
قلت لها بصوت مبحوح:
— إنتِ؟!
نزلت عينيها للأرض.
— أيوه يا صافي.
حسيت إني مش قادرة أتنفس.
— إنتِ اللي شجعتي جوازة طارق؟ إنتِ اللي كنتِ بتقولي لي إن لازم أأمن مستقبله قبل ما أموت؟ إنتِ اللي كنتِ بتقولي لي إن البنت دي مناسبة ليه؟
سعاد بدأت تعيط بصوت عالي.
— أنا كنت فاكرة إني بعمل الصح.
صرخت فيها:
— الصح إيه؟! إنتِ كنتِ شايفة ابني مرعوب، وكنتِ عارفة إنه مش مستعد، ومع ذلك سكتّي؟!
سعاد قربت مني، لكنها ما قدرتش تمسك إيدي.
قالت:
— أنا ما كنتش عارفة إن طارق هيتصرف بالشكل ده. أنا كنت شايفة إنك تعبانة، وإنك كل يوم بتقولي إنك خايفة تموتي وتسيبيه لوحده. كنت عايزة أطمنك إن فيه حد هيكون معاه بعدك.
قلت لها:
— وأنا طلبت منك تساعديني أختار له حياة مناسبة، مش تساعديني أزوجه غصب عنه!
سعاد سكتت، وبعدين قالت:
— أنا غلطت. بس لازم تعرفي إني ما عملتش ده عشان أستفيد من جوازه.
حسام تدخل:
— طيب ليه وافقتي على إن صافي تدفع المبلغ لأهل هبة؟ وليه كنتِ مصممة إن الجوازة تتم بسرعة؟
سعاد بصت له، وبعدها بصت لي.
— لأنني كنت خايفة من حاجة تانية.
قلت لها:
— إيه هي؟
سعاد أخدت نفس طويل، وبعدين قالت:
— قبل وفاة جوزك بشهور، عرفت إنه سايب مبلغ كبير باسم طارق، وإن فيه وصية بتحدد إزاي المبلغ ده يتصرف. كنت فاكرة إن الفلوس دي هتكون كفاية عشان تأمنوا مستقبله، لكن بعد ما جوزك مات، اكتشفت إن فيه خلاف على الحسابات، وإن الموضوع ممكن يطول سنين.
حسام هز راسه وقال:
— وده ما يديكيش الحق تتدخلي في حياته بالطريقة دي.
سعاد ردت:
— أنا عارفة. لكن لما محمود بدأ يسأل عن الحسابات القديمة، خفت إن المشاكل تزيد، وإن صافي تدخل في صراعات هي مش قدها. كنت فاكرة إن لو طارق اتجوز، هيبقى فيه حد مسؤول يساعدها في رعايته، وإن الدنيا هتهدى.
بصيت لها وأنا مش مصدقة.
— يعني إنتِ كنتِ بتفكري في الفلوس والمشاكل، وأنا كنت بفكر في ابني، وفي الآخر محدش فينا سأل طارق نفسه هو عايز إيه!
سعاد انهارت في العياط.
— سامحيني يا صافي.
لكن أنا ما قدرتش أسامحها في اللحظة دي.
مش لأن أختي كانت شريرة، لكن لأن وجع الخيانة من أقرب الناس بيكون صعب، خصوصًا لما تكتشفي إنهم كانوا شايفينك بتاخدي قرار غلط، وسابوكي تكملي فيه.
كنت محتاجة وقت.
وقت أفهم فيه كل اللي حصل، وأتعلم إزاي أحمي ابني من غير ما أتحكم في حياته.
لكن قبل ما أقدر أتكلم، جرس الباب رن مرة تانية.
المرة دي، اللي دخلت كانت محامية في أواخر الأربعينات، معاها شنطة أوراق كبيرة.
قالت:
— مساء الخير. أنا منى، المحامية اللي كانت بتتابع ملفات المرحوم الأستاذ حسن.
حسام رحب بيها، وقعدنا كلنا في الصالة.
منى فتحت الملف، وبدأت تراجع الأوراق واحدة واحدة.
قالت إن جوزي كان فعلًا سايب حسابًا منفصلًا فيه مبلغ مخصص لمصاريف طارق ومستقبله، وإن الحساب كان عليه ضوابط محددة، وأي تصرف فيه لازم يتم بطريقة قانونية واضحة.
أما المستند اللي اتكشف مؤخرًا، فكان عبارة عن طلب قديم للاستعلام عن الحساب، عليه توقيع غير مكتمل، ومعلومات محتاجة مراجعة.
منى أكدت إن الورقة لوحدها ما تثبتش إن حد سرق أو زوّر، وإن أي اتهام لازم يكون مبني على أدلة كاملة، مش مجرد شكوك.
بعدها طلعت ورقة تانية وقالت:




