
أهدى
وأضعف
دخل عند أمي
وقف قدامها
وقال
«أنا آسف يا طنط»
أمي بصت له
وسكتت
قال
«أنا غلطت»
أمي قالت
«أيوه»
نزل عينه
«ومش عارف أصلح اللي عملته»
أمي قالت
«مش لازم تصلحه»
رفع عينه
قالت
«بس اتعلم منه»
سكت
وبعدين قال
«أنا خسرت صافي»
أمي ردت
«إنت خسرت صافي يوم ما خليتها تختار بينك وبين أمها»
دموعه نزلت
وقال
«أنا كنت غبي»
أمي قالت
«كنت أناني»
هز راسه
«أيوه»
وبعدين بص لي
«أنا كنت فاكر إن الرجولة معناها إني أتحكم في كل حاجة»
أنا ما اتكلمتش
قال
«لكن فهمت إن الراجل الحقيقي هو اللي يحمي بيته مش يهين أضعف حد فيه»
أمي قالت
«كويس إنك فهمت»
سكت
وبعدين خرج
أنا كنت متوقعة إني أحس بالانتصار
لكن اللي حسيت بيه كان حاجة تانية
راحة
راحة لأنني أخيرًا بطلت أحاول أثبت له أي شيء
بعد أيام حصلت جلسة الطلاق
دخلنا المحكمة
هو كان واقف بعيد
وأنا كنت مع محمود
الأوراق كانت جاهزة
المحامية كانت معايا
والأمور مشت بهدوء
وفي النهاية انتهى الزواج
خرجت من المكان وأنا حاسة إني بتنفس لأول مرة من سنين
محمود قال
«خلصت»
قلت
«أيوه»
قال
«حاسّة بإيه؟»
قلت
«مش عارفة»
قال
«مبسوطة؟»
بصيت له
«مش مبسوطة إن جوازي انتهى»
«أمال؟»
قلت
«مبسوطة إني رجعت أملك نفسي»
رجعت البيت
ولقيت أمي قاعدة في البلكونة
الشمس داخلة على وشها
وقعدت جنبها
قالت
«خلص؟»
قلت
«خلص»
ابتسمت
وقالت
«ربنا يعوضك»
حضنتها
وقلت
«إنتي العوض يا أمي»
مرت الشهور
حالة أمي بدأت تتحسن تدريجيًا
والعلاج كان مرهق
لكنها بقت أقوى
وأنا بدأت أرجع لشغلي
وأرتب حياتي
وأصلح حساباتي
وفي يوم وصلني اتصال من المحامية
قالت لي
«في حاجة لازم تعرفيها»
قلت
«إيه؟»
قالت
«راجعنا كل التحويلات»
قلبي اتقبض
قالت
«في مبلغ كبير شريف كان مخبيه»
قلت
«مبلغ إيه؟»
قالت
«كان بيحوّل فلوس من حسابك لحساب تاني»
«باسمه؟»
«لأ»
«باسم مين؟»
قالت الاسم
كان اسم ست
أنا سكت
لثواني
وقلت
«مين دي؟»
قالت
«مش عارفة»
لكنني كنت فاهمة إن الموضوع أكبر من مجرد سحب فلوس
واجهت شريف
وقلت له
«مين نهى؟»
سكت
وبعدين قال
«مفيش حد»
قلت
«التحويلات باسمها»
قال
«دي واحدة ساعدتني في شغل»
قلت
«إنت كنت بتديها فلوسي؟»
«كنت هردهالك»
«إمتى؟»
سكت
قلت
«من إمتى؟»
قال
«قبل ما أمي تيجي»
بصيت له
«يعني كنت بتاخد فلوسي من قبل ما تحصل كل المشكلة؟»
سكت
وقتها فهمت إن موضوع أمي كان مجرد لحظة كشفت الحقيقة
المرض ما كانش السبب
وجود أمي ما كانش السبب
المشكلة كانت في شريف نفسه
هو كان بيشوف كل حاجة من زاوية مصلحته
ولما حس إن أمي أخذت من وقته أو من راحته
قرر يعاقبها
ولما أنا وقفت ضده
قرر يعاقبني
لكن اللي مكنش في حسابه إنني هوقف نهائيًا
بعد فترة اتضح إن الست دي كانت شريكة له في مشروع صغير كان بيحاول يخفيه
وكان بيستخدم جزء من فلوسي في المشروع من غير علمي
الموضوع دخل في إجراءات قانونية
ولما حسام عرف الحقيقة
قطع علاقته بأخوه
وقال لي
«أنا كنت فاكر إنه غلط مرة»
قلت
«كلنا»
قال
«لكن واضح إن المشكلة فيه من زمان»
قلت
«أيوه»
وبعدها اختفى شريف من حياتي تقريبًا
مبقاش فيه مكالمات
ولا رسائل
ولا تهديدات
ولا محاولات رجوع
كأنه أخيرًا فهم إن الباب اتقفل
المشهد الخامس
عدت سنة كاملة
سنة كانت مليانة حاجات مكنتش أتخيل إني أعيشها
أمي خلصت جزء كبير من علاجها
وصحتها اتحسنت
وبقت تمشي في البيت من غير مساعدة
وفي يوم خرجت معايا نشتري حاجات للبيت
كانت لابسة هدوم بسيطة وطرحة بيضا
وبتضحك
وأنا كنت ببصلها ومش مصدقة إن نفس الست دي من سنة كانت نايمة على مرتبة هوا في بدروم بارد
وقفت قدام محل حلويات
وقالت
«ندخل نجيب حاجة؟»
ضحكت
«الدكتور مانع السكر»
قالت
«مش كل يوم»
دخلنا
واخترنا حلو بسيط
ورجعنا البيت
في المساء جرس الباب رن
فتحت
لقيت حسام
قال
«ممكن أدخل؟»
دخل
وكان في إيده ظرف
قال
«ده ليكي»
فتحته
لقيت جواب من شريف
قريته
كان بيقول إنه مش بيطلب رجوع
ولا بيطلب مسامحة
كان بيقول إنه أخيرًا فهم إن جملة «أنا راجل البيت» كانت أكتر جملة فضحته
وإنه عرف إن البيت مش سلطة
وإن الرجولة مش صوت عالي
ولا تحكم
ولا إجبار
وإنه خسر مراته لأنه حاول يثبت إنه الأقوى
وفي آخر الجواب قال
«أنا مش مستني رد منك، بس كان لازم تعرفي إنني فهمت غلطتي متأخر»
قفلت الجواب
وحطيته في الدرج
حسام قال
«مش هتردي؟»
قلت
«لأ»
قال
«مش مسامحاه؟»
بصيت لأمي
كانت قاعدة بتشرب الشاي
وقالت
«المسامحة حاجة والرجوع حاجة تانية»
ابتسمت
وقلت
«أنا مسامحاه»
حسام استغرب
«بجد؟»
قلت
«أيوه»
وبعدين قلت
«بس مش هرجع له»
سكت
قلت
«أنا سامحته عشان أنا مش عايزة أعيش عمري كله شايلة غضب»
«لكن اللي حصل علمني إن الإنسان ممكن يسامح من غير ما يفتح الباب تاني»
حسام هز راسه
وقام ومشي
بعد ما خرج قعدت جنب أمي
قالت
«إنتي مبسوطة؟»
قلت
«أوي»
قالت
«طب ليه؟»
بصيت حواليا
البيت
البلكونة
المطبخ
أوضتها
كل حاجة كانت هادية
وقلت
«عشان البيت بقى بيت فعلًا»
أمي ضحكت
وقالت
«يعني إيه؟»
قلت
«يعني مفيش حد بيخوف حد»
«مفيش حد بيأمر حد»
«مفيش حد بيحسس حد إنه عبء»
«كل واحد فيه بيحترم التاني»
أمي قالت
«دي هي الرجولة يا بنتي»
بصيت لها
قالت
«إن اللي معاك يحس بالأمان»
حضنتها
وفي اللحظة دي افتكرت أول يوم رجعت فيه من السفر
افتكرت أمي وهي نايمة على الأرض
افتكرت شريف وهو واقف قدامي بيقول
«أنا راجل البيت»
افتكرت خوفي
وغضبي
والأيام اللي كنت فاكرة فيها إني لو سبت جوزي يبقى أنا فشلت
لكنني فهمت بعدها إن الفشل الحقيقي كان إني أسمح لحد يهين أمي وأنا ساكتة
وفهمت إن الجواز مش معناه إن الست تتنازل عن كرامتها
وإن البيت مش مكان يفرض فيه شخص سيطرته على الباقيين
البيت أمان
والجواز رحمة
والقوة الحقيقية مش إنك تقدر تكسر اللي أضعف منك
القوة إنك تقدر وتحط نفسك مكانه وتختار الرحمة
أمي مسكت إيدي وقالت
«صافي»
قلت
«نعم؟»
قالت
«تعالي»
قربت منها
فحضنتني وقالت
«أنا فخورة بيكي»
ساعتها دموعي نزلت
مش عشان شريف
ولا عشان الطلاق
ولا عشان كل اللي حصل
نزلت عشانني أخيرًا عرفت إنني ما خسرتش جوزي
أنا أنقذت نفسي وأمي من حياة كانت هتخلينا نعيش طول عمرنا خايفين
وبعدها بأيام علقت صورة جديدة في الصالة
صورة ليا أنا وأمي وإحنا بنضحك
وتحتها كتبت جملة واحدة
«البيت اللي مفيهوش رحمة عمره ما كان بيت»
ومن يومها كل ما أمي تتعب أو تحس بالخوف كنت أقعد جنبها وأقول لها
«أنا هنا»
فتبتسم وتقول
«عارفة»
لأنها كانت عارفة فعلًا
إن المرة دي
مش هسمح لحد ينقلها للبدروم
ولا يحسسها إنها عبء
ولا يخليني أختار بين أمي وكرامتي
أما شريف
فبعد كل اللي حصل
عرف أخيرًا إن جملة «أنا راجل البيت» مش بتدي صاحبها الحق يهين حد
وإن البيت مش بيبقى بيت عشان الراجل واقف فيه
البيت بيبقى بيت لما اللي جواه يحس بالأمان
واللي حصل معاه ما كانش نهايته لأنه فقد البيت
كانت نهايته الحقيقية إنه فقد الإنسانة اللي كانت مستعدة تقف جنبه في كل حاجة
بس هو اختار في لحظة غرور إنه يهين أضعف إنسانة في البيت
فخسر أقوى إنسانة كانت واقفة في ضهره
وأنا؟
أنا كملت حياتي
وأمي كملت علاجها
والبيت فضل مفتوح
لكن المرة دي
لناس تعرف قيمة الرحمة
مش ناس فاكرة إن الرجولة معناها إنهم يقدروا يأمروا ويكسروا
ومن يومها كل ما أفتكر اللي حصل
أقول لنفسي إن أحيانًا كلمة واحدة يقولها شخص وهو فاكر إنها بتثبت قوته
تكون هي نفسها الكلمة اللي تكشف ضعفه
وشريف قال
«أنا راجل البيت»
فأثبت بنفسه إنه ما كانش يعرف يعني إيه بيت أصلًا.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




