
جوزي قالي: “بلاش فضايح وتعمليلنا حوار”، وده بعد ما لقيت بنتنا اللي عندها تلات سنين قاعدة لوحدها في البلكونة في البرد، وفي إيدها لقمة عيش ناشفة، في نفس الوقت اللي فيه ستة كبار ملمومين جوه وضاربين عزومة سي فود ملوكي.. مدفوعة بالقرش والمليم من شقايا ومرتبي.
ما ناقشتش.
ما عيطتش.
بكل هدوء وقفت كل كروت البنك بتاعتي، كلمت المحامي، رفعت قضية طلاق، وبعتتلهم إنذار رسمي على يد محضر.. قلب العزومة الملوكي دي لبداية خراب بيوتهم ونهايتهم.
الجزء الأول
”لو جعانة، تخلص حتة العيش دي برة.. العيال الفرفورة دي بتطلع فاشلة وما بتتحملش المسؤولية”.. ده كان كلام حماتي “كريمة” وهي بتقشر جمبرياية جامبو، والزبدة سايحة على صوابعها.
دي كانت أول جملة أسمعها أول ما فتحت باب شقتي.
كنت لسه راجعة من مأمورية شغل برة القاهرة قبل معادي بتلات ساعات بعد ما خلصت حملة إعلانية هدت حيلي. شنطة السفر في إيد، وجزمتي اللي بكعب تعباني وشايلاها في الإيد التانية.
كل اللي كان نفسي فيه إني آخد بنتي “خديجة” في حضني.
أنا كنت بحول لحماتي 35 ألف جنيه كل شهر عشان تاخد بالها من خديجة وأنا في الشغل. ده غير إني شايلة مصاريف البيت، الفواتير، الشغالة، علاج حمايا، وكارت الائتمان الإضافي بتاع جوزي “طارق”، وحتى مصاريف لبس وشوبنج أخته “ولاء”.
كنت فاكرة إن بنتي وسط ناس بيحبوها وبيتقوا الله فيها.
طلعت مغفلة.
البيت كله كانت ريحته فواكه بحر طازة. السفرة كانت هتطق من كتر الجمبري، والكابوريا، والإستاكوزا، والسبيط، وقزايز العصير الغالية. حماتي كانت قاعدة في رأس السفرة وبتضحك بفخر، وطارق بيصب لها العصير، وولاء وصاحبها واقفين بيصوروا العزومة فيديو عشان ينزلوها استوري على الانستجرام والتيك توك.
ولاء ضحكت وقالت: “يا ماما، ده أحلى من أكل مطاعم إسكندرية بكتير! كويس إن ‘مريم’ بتقبض بالملايين”.
حماتي ابتسمت وقالت: “بتشقى وتتعب.. ولازم حد يستمتع بالفلوس دي”.
ساعتها بس خدوا بالهم إني واقفة.
الصالون كله سكت فجأة.
طارق قام بسرعة وهو متوتر: “حبيبتي! جيتي بدري يعني؟ طب ما قولتيش ليه؟ تعالي تعالي كلي معانا…”
سألته: “فين خديجة؟”
بص في الأرض وقال: “أكلت ونامت زمانها”.
عرفت علطول إنه بيكذب. خديجة مستحيل تنام بدري كده.
دورّت عليها في أوضتها.
في الحمام.
في الصالة.
مالهاش أثر.
لحد ما لمحت باب البلكونة موارب.
فتحته.
لقيت بنتي الصغيرة قاعدة لوحدها على كرسي بلاستيك صغير، لافة نفسها بجاكيت خفيف والجو برد وساقعة برة. إيديها كانت متلجة، وفي إيدها نص رغيف عيش ناشف بايت.
بصتلي وعينيها مليانة دموع: “ماما.. ينفع أدخل جوه بقى؟”
قلبي اتعصر واتقطع ميت حتة.
شيلتها بين إيديا، كانت سقعانة ومثلجة.. ووزنها خفيف أوي زي الريشة.
ورانا جوه، السفرة مليانة أكل سخن وجميل ما تلمسش.
دخلت الصالة وبعلو صوتي بس بهدوء مرعب سألت: “إيه اللي انتوا عاملينه في بنتي ده؟”
حماتي مسحت بؤها بالمنديل بكل برود وقالت: “جرى إيه يا مريم؟ ما تبقيش حنبكية ومأفورة كده! السي فود أصلاً تقيل ومش بتاع عيال صغيرة. وبعدين قرصة الودن دي بتعلم العيال الناشفية والرباية الصح، انتي معوداها على الدلع كأنها أميرة”.
ولاء ضحكت وقالت: “فعلاً مدلعاها أوي”.
بصيت لطارق، مستنية أشوف في عينه حتى ريحة الندم أو النخوة.
لكن هو نفخ بضيق وقال: “أبوس إيدك بلاش تفاهة وتعمليلنا حوار وفضايح قدام الناس.. أمي أدرى بالرباية، وخديجة لازم تتعلم إن مش كل اللي تعوزه تلاقيه”.
حضنت بنتي جامد وقولتله بصوت واطي: “عندك حق”.
#حكايات_صافي_هاني
الأربعة بصوا لي وهم مستغربين ومبرقين.
مش فاهمين حاجة.
شيلت خديجة ومشيت بيها ناحية باب الشقة، وقبل ما أقفل الباب ورايا، لفيت وبصيت لهم آخر بصة وقولت بكل برود: “من أول بكرة.. كل واحد فيكم هيتعلم ويعرف بالظبط يعني إيه يعيش وهو محروم من كل حاجة”.
ما حدش فيهم فهم قصدي إيه.
وما كانوش يعرفوا إن العزومة اللي على السفرة دي هي آخر لقمة هيدوقوها على قفايا ومن فلوسي.
وكل ده، وأنا لسه ما كشفتش السر الكبير اللي هيهد فوق دماغهم كل حاجة فاكرين إنهم يملكوها.
#حكايات_صافي_هاني
يتبع
المشهد الثاني: الحساب اتقفل
أول ما خرجت من الشقة، ما رحتش عند أهلي، ولا حتى كلمت حد أحكيله اللي حصل.
ركبت العربية، حطيت خديجة في الكرسي اللي ورا، وغطيتها بالبطانية، وقعدت أبص عليها طول الطريق.
كانت ساكتة.
وده كان أكتر حاجة خوفتني.
خديجة اللي كانت طول عمرها بتتكلم وتضحك وتسأل عن كل حاجة، كانت قاعدة تضم إيديها الصغيرة لصدرها وبتبص من الشباك.
سألتها بهدوء:
“خديجة… مين حطك في البلكونة؟”
سكتت شوية، وبعدين قالت:
“تيتا.”
قلبي وجعني.
“وبابا كان فين؟”
بصت في الأرض وقالت:
“بابا قاللي ما أعيطش… عشان الضيوف بياكلوا.”
وقفت العربية على جنب.
مش عارفة أنا كنت بسوق إزاي لحد اللحظة دي.
نزلت من العربية، فتحت الباب الخلفي، وضميتها لصدري.
وقلت لها:
“ماما آسفة.”
قالت بمنتهى البراءة:
“إنتي مش وحشة يا ماما… أنا عارفة إنك بتحبيني.”
الجملة دي كسرتني.
لأنها كانت صغيرة جدًا على إنها تفهم إن أمها كانت بتشتغل ليل ونهار عشان توفر لها حياة كريمة، وفي المقابل أهل أبوها كانوا بيعاملوها كأنها عبء.
رجعت البيت التاني اللي كنت مأجراه قريب من شغلي، ودخلت خديجة تنام.
لكن أنا ما نمتش.
فتحت اللابتوب.
وبدأت أراجع كل التحويلات البنكية اللي كنت ببعتها لحماتي.
35 ألف جنيه كل شهر.
منهم مصاريف خديجة.
فتحت كشف الحساب.
ولقيت حاجة خلت الدم ينشف في عروقي.
فلوس خديجة ما كانتش بتروح على خديجة.
جزء كبير منها كان بيتسحب على شكل مشتريات إلكترونية، مطاعم، ملابس، رحلات، وفواتير بطاقات.
والأسوأ…
إن فيه تحويلات شهرية منتظمة لحساب باسم “ولاء طارق”.
أخت جوزي.
فتحت التحويلات واحدة واحدة.
كنت شايفة بعيني الفلوس اللي كنت بحوشها عشان بنتي، وهي بتروح لشوبنج أخت جوزي.
وقتها اتصلت بمحاميتي.
قلت لها:
“أنا عايزة أبدأ إجراءات الطلاق بكرة.”
سكتت ثواني.
وقالت:
“مريم، إنتي متأكدة؟”
قلت:
“أنا كنت متجوزة راجل فاكرة إنه سند. النهارده اكتشفت إني كنت بموّل ناس شايفين بنتي أقل من لقمة عيش.”
قالت:
“طيب… فيه حاجة أهم لازم تعرفيها.”
“إيه؟”
قالت بصوت هادي:
“راجعي عقود الملكية والشراكة اللي بينك وبين طارق.”
سكت.
أنا أصلًا كنت اللي شايلة معظم شغل الشركة.
لكن طارق كان دايمًا بيقنعني إن ده “بيت جوزك وشغلك وشغلنا مع بعض”.
فتحت الملفات.
وهنا اكتشفت أول جزء من السر الكبير.
الشركة اللي طارق بيظهر قدام الناس إنه صاحبها…
كان 70% من رأس مالها باسمي أنا.
والـ30% الباقيين باسم طارق.
لكن فيه بند في العقد أنا كنت شبه نسيته.
بند بيقول إن أي التزامات مالية شخصية على طارق لا يجوز تحميلها على أصول الشركة أو حساباتها.
ابتسمت لأول مرة من وقت ما لقيت بنتي في البلكونة.
وقلت لمحاميتي:
“اعملي كل اللي تقدري عليه.”
قالت:
“وفيه حاجة تانية.”
“إيه؟”
“فيه قرض كبير متاخد باسم الشركة، وطارق ضامن شخصي عليه.”
سكت.
بدأت أفهم.




