روايات وقصص

في القطار حكايات صافي هاني

“إنتِ كنتِ عارفة إن أحمد بيجهز ينقلك ملكية جزء من الشركة؟”

دموعها نزلت.

“أنا ما طلبتش منه حاجة.”

“بس كنتِ عارفة؟”

سكتت.

وده كان كفاية.

قلت:

“ليه؟”

قالت:

“عشان كنت فاكرة إنه هيتجوزني.”

اتسعت عيني.

“إيه؟”

“هو قال لي إن جوازكم انتهى من زمان.”

“وقال إنك حامل بس عشان العيلة تضغط عليك تفضلي معاه.”

حسيت إن الدنيا بتلف بيا.

مي كملت:

“أنا صدقته.”

“لحد ما اكتشفت إنه كان بيكدب عليا زي ما كان بيكدب عليك.”

سألتها:

“واكتشفتي إمتى؟”

قالت:

“لما شفت ورقة الطلاق.”

سكتنا.

وبعدين قالت:

“أنا عايزة أصلح اللي عملته.”

قلت:

“إزاي؟”

طلعت فلاشة صغيرة من شنطتها.

“عشان عندي نسخة من كل حاجة.”

بصيت لها.

“كل حاجة إيه؟”

قالت:

“المحادثات بين أحمد ووالده.”

وبعدين قربت الفلاشة مني.

“وفيهم حاجة أخطر من موضوع الأسهم.”

—

المشهد السابع — التسجيل

رجعت البيت وقفلت الباب عليا.

وصلت الفلاشة باللاب توب.

كان عليها مجلد واحد.

اسمه:

“الحقيقة.”

فتحته.

كان فيه تسجيلات صوتية.

أول تسجيل كان بين أحمد ووالده.

صوت والده واضح:

“لازم تخلّي سارة توقع قبل ما الصفقة تتم.”

أحمد رد:

“مش هتوافق.”

قال والده:

“يبقى خليك أذكى منها.”

قلبي بدأ يدق بسرعة.

التسجيل كمل.

“خلّيها تحس إنك مش محتاجها.”

“ولو سابت البيت؟”

“هترجع.”

“هي حامل.”

“وده أحسن وقت.”

سكت أحمد.

وبعدين قال:

“ومَي؟”

ضحك والده.

“مي مجرد وسيلة.”

وقفت التسجيل.

كنت مذهولة.

يعني مي نفسها كانت مجرد أداة.

رجعت شغلته.

والجملة الأخيرة خلت الدم يتجمد في عروقي:

“أهم حاجة يا أحمد إن سارة ما تعرفش إن الصفقة دي هتغيّر ملكية الشركة كلها.”

قفلت اللاب توب.

وقلت لنفسي:

“يبقى اللعبة بدأت من زمان.”

وفي نفس اللحظة موبايلي رن.

أحمد.

رفضت.

رن تاني.

رفضت.

وبعدين جالي تسجيل صوتي منه.

فتحته.

كان صوته مرعوب:

“سارة… أبويا عرف إنك عرفتي.”

سكت ثانيتين.

“اهربي من الموضوع ده.”

“لأن لو عرف إن معاكي التسجيلات…”

وصوته انخفض:

“مش هيسيبك.”

بصيت على باب الشقة.

وفي نفس اللحظة…

سمعت مفتاح بيتحط في الكالون.

حد كان بيحاول يفتح الباب.

وأنا لوحدي.

وحامل.

والتسجيلات قدامي.

ثم جاء صوت من خلف الباب:

“سارة…”

صوت والد أحمد.

“افتحي يا بنتي.”

تجمدت مكاني.

لأني كنت عارفة…

إن المواجهة الحقيقية بدأت دلوقتي.

المشهد الأخير — اللي خسرني خسر كل حاجة

فضلت واقفة مكاني وأنا ماسكة الموبايل والفلاشة في إيدي.

صوت أبو أحمد جه من ورا الباب:

“سارة افتحي يا بنتي، إحنا أهل.”

ضحكت بمرارة.

أهل؟

الأهل مش بيخططوا ياخدوا حق بنتهم من ورا ضهرها.

ومش بيستغلوا حملها عشان يكسروا إرادتها.

ومش بيستخدموا واحدة بريئة عشان يوقعوا بينها وبين جوزها.

قلت من ورا الباب:

“أنا مش هفتح.”

سكت شوية.

وبعدين قال:

“إنتِ فاهمة غلط.”

رديت:

“أنا فهمت كل حاجة.”

سكت.

فكملت:

“والتسجيلات عندي.”

الصمت اللي حصل بعدها كان كفاية.

عرفت إني مسكت الخيط اللي ممكن يهدم كل اللي بنوه.

بعدها بدقايق أحمد وصل.

سمعته بيتخانق مع أبوه قدام الباب.

“قولتلك بلاش تأذيها!”

أبوه رد:

“إنت اللي ضعفت قدامها!”

أحمد قال:

“أنا خسرت مراتي بسببك.”

رد عليه:

“مراتك؟ دي كانت هتخرب عليك مستقبلك!”

وأنا واقفة جوه الشقة، دموعي نزلت.

مش عشان أحمد.

عشان اكتشفت إن الراجل اللي كنت فاكرة إنه سندي كان واقف طول الوقت بين خوفه من أبوه وخوفه من خسارتي.

وأنا اللي دفعت تمن تردده.

فتحت الباب.

بص أحمد لي.

كان وشه منهار.

قال:

“سارة…”

قاطعته:

“متقولش حاجة.”

بصيت لأبوه.

“كل المستندات والتسجيلات هتروح للمحامي.”

اتوتر.

“إنتِ هتفضحي جوزك؟”

قلت:

“أنا مش بفضح حد.”

“أنا بحمي حقي.”

وبصيت لأحمد.

“والطلاق هيكمل.”

دموعه نزلت.

“حتى بعد كل اللي عرفتيه؟”

قلت بهدوء:

“بالذات بعد اللي عرفته.”

“أنا كنت ممكن أسامحك على كرسي.”

“وممكن أسامحك على كلمة وحشة.”

“لكن إني ألاقيك ساكت وأنا بيتخطط ورا ضهري…”

سكت.

حطيت إيدي على بطني.

“أنا مش هربي ابني في بيت أمه فيه بتتنازل كل يوم عشان تحافظ على جوازها.”

بعد أسبوعين، انتهت إجراءات الصفقة.

التسجيلات أثبتت التلاعب.

والتفويضات اتلغت.

ومجلس إدارة الشركة رجع لي كل حقوقي.

أما أحمد…

فاستقال من منصبه.

مش لأنه خسر الشركة.

لكن لأنه أخيراً فهم إن أكبر خسارة في حياته ما كانتش الأسهم ولا الفلوس.

كانت أنا.

بعد شهور، ولدت بنتي.

وسميتها “نور”.

لأنها فعلاً كانت النور اللي خلاني أشوف كل حاجة على حقيقتها.

وفي يوم السبوع، أحمد جه.

وقف بعيد عند الباب.

ماطلبش يدخل.

ولا طلب يشوفها.

بس قال:

“ممكن أسأل عليها؟”

بصيت له.

وسمحته يشوف بنته.

شالها لأول مرة.

وبكى.

قال:

“حقك عليا يا سارة.”

أنا ما جاوبتش.

مش كل اعتذار بيرجع اللي اتكسر.

ومش كل ندم معناه إن الناس لازم ترجع لبعض.

بعدها خرج أحمد من البيت.

قفلت الباب بهدوء.

وحضنت بنتي.

وبصيت من الشباك للشارع.

افتكرت اليوم اللي نزلت فيه من القطر.

اليوم اللي كنت فاكرة إني خسرت فيه جوزي.

لكن الحقيقة…

أنا ما نزلتش من القطر عشان أخسر حياتي.

أنا نزلت منه عشان أبدأ حياتي من جديد.

وأحياناً…

ربنا بيخرجنا من مكان إحنا فاكرينه نهايتنا…

عشان يفتح لنا باب ماكناش شايفينه.

ومن يومها فهمت إن كرامتي مش حاجة أطلبها من حد.

دي حاجة أحافظ عليها بنفسي.

وأحمد؟

فضل طول عمره فاكر إن سارة هتستناه في إسكندرية.

لكن الحقيقة…

سارة وصلت إسكندرية.

خلصت الصفقة.

رجعت بحقوقها.

وولدت بنتها.

وبدأت حياة جديدة…

من غير ما تستنى حد.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى