روايات وقصص

في عيد ميلادي السبعين

— عشان أشوف لحد فين ممكن يوصل ابني اللي أنا ربيته.

دموعه نزلت.

— ماما أنا غلطت.

قلت:

— الغلط إنك تنسى عيد ميلاد أمك.

سكت.

— لكن اللي عملته أنت مش غلط.

قربت خطوة.

— دي خيانة.

وفي اللحظة دي دخل رجال التحقيق ومعاهم أمر رسمي.

ديريك حاول يرجع للخلف.

لكن كان خلاص فات الأوان.

كيلسي كانت موجودة في الخارج ولما شافت اللي بيحصل انهارت.

أما أنا ففضلت واقفة.

مش فرحانة.

ومش منتقمة.

بس أخيرًا مرتاحة.

لكن قبل ما يخرج ديريك بص لي وقال:

— ماما لو سمحتي اديني فرصة واحدة.

سكت.

وبعدين قلت:

— الفرص اللي بتديها الأم لابنها مبتخلصش.

دموعه زادت.

— يعني هتسامحيني؟

بصيت له طويلًا.

— ممكن أسامحك يوم ما تتعلم الفرق بين التسامح والثقة.

خرج وهو بيبكي.

لكن الحكاية ما خلصتش.

لأن مارتن قرب مني وقال:

— في حاجة لازم تعرفيها قبل ما تمشي.

بصيت له.

— إيه؟

قال:

— ديريك مش هو اللي بدأ الموضوع.

اتجمدت.

— يعني إيه؟

فتح ملف جديد.

— في شخص تاني كان بيحرك كل حاجة من البداية.

قلت:

— مين؟

بص لي وقال:

— كيلسي.

المشهد الرابع: الحساب الأخير

بعد أيام بدأت الصورة كاملة تظهر.

كيلسي كانت هي اللي اكتشفت حجم ثروتي الحقيقي.

هي اللي أقنعت ديريك إن إدارة الشركة هتكون سهلة لو أثبتوا إني غير قادرة على إدارة أموالي.

وهي اللي كانت بتتواصل مع بعض الموظفين.

وهي اللي كانت بتحرك الأموال من وراء الستار.

أما ديريك فكان مجرد ابن ضعيف صدق زوجته وصدق إن أمه بقت عبء.

لكن لما بدأت التحقيقات الرسمية كيلسي انهارت.

واعترفت.

واعترفت إن حفلة عيد ميلادي ما كانتش مجرد إهانة.

كانت جزء من خطة.

كانوا عايزين يصوروني وأنا منهارة ويستخدموا الفيديو كدليل مزيف على إني مش مستقرة نفسيًا.

وقتها فهمت ليه كيلسي كانت بتصورني.

طبق أكل الكلاب ما كانش مجرد إهانة.

كان جزء من مؤامرة.

بعد شهور من التحقيقات اتردت الأموال واتلغت كل التفويضات واتاخدت الإجراءات القانونية ضد كل شخص شارك.

أما ديريك فخسر الشركة.

وخسر العربيات.

وخسر البيت اللي كنت بدفع أقساطه.

لكن أكتر حاجة خسرها كانت أمه.

أنا ما طردتوش من حياتي.

بس حطيت بيني وبينه باب كبير.

باب اسمه الثقة.

والباب ده ما بيتفتحش بكلمتين “أنا آسف”.

بعد سنة كاملة جه عيد ميلادي الواحد والسبعين.

المرة دي ما عملتش حفلة كبيرة.

روحت دار من دور بنيت كير.

دخلت الصالة.

لقيت عشرات العجائز قاعدين مستنييني.

واحدة منهم قربت مني وقالت:

— كل سنة وإنتي طيبة يا بنتي.

ابتسمت.

— وإنتي طيبة يا أمي.

ضحكت الست وقالت:

— أنا أمك؟

مسكت إيدها.

— كل ست كبيرة تستحق حد يقول لها يا أمي.

وبعدين طلعوا تورتة صغيرة.

حطوا عليها سبعين شمعة؟

لأ.

شمعة واحدة بس.

لكن المرة دي ما كانتش قدام طبق أكل كلاب.

كانت فوق تورتة عملوها بإيديهم.

وقفت قدامها.

وقبل ما أطفي الشمعة سمعت صوت من بعيد.

كان ديريك.

واقف عند الباب.

وشه كان مختلف.

ما بقاش لابس بدلة غالية.

ولا ساعة بملايين.

ولا بيتحرك حوالين الناس كأنه مالك الدنيا.

كان واقف بملابس بسيطة وفي إيده وردة.

قال:

— كل سنة وإنتي طيبة يا أمي.

الكل سكت.

بصيت له.

وبعدين قلت:

— إيه اللي جابك؟

قال:

— جيت أقول لك إني فهمت.

— فهمت إيه؟

نزل عينه للأرض.

— إن الفلوس اللي كنتي بتديهالي عمرها ما كانت حق مكتسب.

سكت لحظة.

— وإن الأم مش بنك.

بصيت له.

— كمّل.

— وإن اللي بيهين أمه عشان فلوسه بيكون أفقر واحد في الدنيا حتى لو حسابه مليان.

دموعي نزلت رغم إني حاولت أمنعها.

قرب خطوة.

— مش طالب ترجعي تثقي فيا.

— أمال طالب إيه؟

قال:

— بس تسمحيلي أبدأ من الصفر.

فضلت باصة له.

وبعدين قلت:

— الصفر أحسن من إنك تفضل عايش فوق فلوس مش بتاعتك.

ابتسم لأول مرة.

أما أنا فلفيت ناحية الستات والعجايز اللي قاعدين حواليا.

وقلت:

— يلا يا جماعة نطفي الشمعة.

ولما طفيتها تمنيت أمنية واحدة.

مش إن ابني يتعاقب.

ومش إن اللي ظلمني يندم.

تمنيت بس إن كل أم في الدنيا تعرف قيمتها قبل ما حد يقنعها إنها كبرت وبقت عبء.

لأن السن مش بيقلل قيمة الإنسان.

والفلوس عمرها ما كانت دليل قوة.

وأحيانًا أقسى درس ممكن يتعلمه اللي بيظلمك…

إن الشخص اللي ظنه ضعيف لأنه كبير في السن

يكون هو نفسه الشخص اللي قادر يقفل كل الأبواب اللي كان فاكر إنها ملكه.

أما طبق أكل الكلاب اللي حطه ديريك قدامي في عيد ميلادي السبعين؟

احتفظت بصورته.

مش عشان أفتكر الإهانة.

لكن عشان أفتكر اليوم اللي فهمت فيه إن بعض الناس لازم تخسر كل شيء…

عشان تعرف قيمة الحاجة اللي كانت في إيديها.

ومن يومها كل ما حد يسألني عن سر نجاحي أقول له:

“متديش حد أكبر من حجمه في حياتك لمجرد إنه من دمك

ومتخليش خوفك من الوحدة يخليك تقبلي الإهانة

لأن الوحدة مع كرامتك

أرحم بكتير من الزحمة حوالين ناس بتستنى سقوطك.”

تمت بحمد الله

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى