
ابن سلفتي كان لسه يادوب بيتعلم المشي ودخل فرن العيش وهيه شغاله ومحدش شافه غيري، كان ممكن الحقه بس لما افتكرت الكلمتين اللي امه قالتهم قبلها بيومين عملت حاجه عمري ما اتخيلت اعملها !!!!
مرت كم يوم، وكنا قاعدين كلنا في الحوش، فالحاجة بصت لي بطيبة وقالت: “إيه يا عليه، مش كنتي بتقولي لما لقيت الحاجة ضحكت باستغراب وقالت لي: “يا بت يا ! أول ما الكلمة طلعت منها، شفت وش رحمة بس أناوقفتها، راسي دارت وما بقيتش فاهمة حاجة: “تعالي هنا يا رحمة.. صرفت إيه يا حجة؟ أنا ما لمستش مليم من التلات آلاف اللي رحمة جابتهوملي!”
الحاجة عينيها اتفتحت على آخرهم وقالت: “تلاتة إيه يا بنتي؟! أنا مدياها في إيدها عشرة، خمسة ليكي وخمسة ليها!”
سحبت رحمة من إيدها بالراحة قبل ما الدنيا تقوم وما تقعدش قدام الحاجة، وخدتها على من ورايا؟!”
هنا وشها تحول لسم صافي، وضحكت بصوت عالٍ كله غل وشماتة، وقالت لي وهي بتجز على سنانها:
” ليه يا حلوة؟! هو إنتي فاكرة الفلوس دي بتاعتك؟ ده إنتي وكل فلوسك، وفلوس جوزك، وحتى أي قشاية بتشتروها في ده، ورث لابني الصغير ده!”
“ولا نسيتي إنك أرض بور؟ آخر نفس هيطلع منك مش هيبقى لك حد بعده يورثك! اللي أدهولك تاخديه وإنتي ساكتة وبايسة إيدك وش وظهر.. كدة كدة يا حبيبتي كل ده بيرجع لنا تاني، حتى وتعبه إحنا اللي هنورثه في الآخر.. إلا بقى لو حصلت معجزة وبدلوا لك بطنك اللي زي قلتها دي!”
ضحكت ضحكة هزت كياني، وراحت شايلة ابنها من على الأرض وهي بتقول بصوت عالي يسمع كله: “تعالى يا حبيبي جوة لتتحسد.. قل أعوذ برب الفلق!”
أنا وقفت مكاني مش قادرة أرفع رجلي. . كلامها كان صح، وده اللي كان .. إن راجلي بيشقَى لغيره، وإن سكوتي وحرماني مخليني شايفة تعبه بيروح لناس بتتمنى ! فضلت يومين مش بدوق النوم، كلامها يرن في ودني زي الجرس: “أرض بور.. كل شقاكم لابني.. هنورثكم في الآخر!”
بعد يومين، كانت الحاجة بتخبز عيش شمسي في الحوش تحت. ولعت الفرن الطين الكبير، وحطت فيه الحطب والقش، ولعته لما النار بقت ملهلبة من جوة وزي . فجأة الباب الخارجي خبط، فالحاجة سابت الفرن قايد وراحت تفتح تشوف مين في الوقت ده.
في اللحظة دي، أنا كنت طالعه من شقتي عشان أساعد الحاجة في الخبيز. وشوفت اللي أبوه سابه مفتوح وهو طالع، وأمه كانت محبوسة في المطبخ بتعمل أكل . الولد سحل نفسه ووصل لحد الحوش، وقعد يلعب جنب باب الفرن المفتوح. وهو بيلعب، اللعبة الصغيرة اللي في إيده اترمَت جوة الفرن افتكرت أمي وهي بتقول لي زمان: “يا بنتي مهما حصل بينك وبين حد، إوعي تخلي الغضب يخليكي على إنسان.” من قلبي: “يااا رحمة!” وجريت عليه من غير ما أفكر.
في اللحظة دي كانت الحاجة راجعة للحوش، وأول ما شافتني والولد في
رحمة خرجت من المطبخ على صوت الصريخ، ولما شافت ابنها في “إنتي… إنتي اللي لحقتيه؟”
هزيت راسي. قالت وهي بتبص لابنها: “كنتِ ممكن تسيبيه…” الجملة وقعت بينا زي الحجر. أنا ما رديتش. لكن الحاجة فهمت. بصت لي طويل، وبعدها قالت: “ليه ما سبتيهوش؟” “عشان هو طفل يا حجة… ملوش ذنب في كلام أمه.” المكان كله سكت. ورحمة بدأت تبكي أكتر. الثاني
بعد ما اطمنا إن الولد بخير، الحاجة قفلت الفرن، وقعدت في نص الحوش وطلبت من كل رجالة البيت والستات يتجمعوا.
رحمة كانت قاعدة جنب ابنها، ولسه أما أنا فكنت واقفة بعيد.
الحاجة بصت لرحمة وقالت:
“قومي يا رحمة.”
رحمة قامت وهي بتبكي.
قالت لها:
رحمة غطت وشها بإيديها.
الحاجة كملت:
“بس قبل ما تشكريها، أنا عايزة أعرف منك حاجة… إنتي قلتي لها إيه من يومين؟”
رحمة سكتت.
الحاجة بصوت أقوى:
“اتكلمي.”
رحمة أول ما سمع الكلام، وشه اتغير.
قال:
“إنتي قلتي كده لمراتي؟”
رحمة حاولت تبرر: وبصت لرحمة: وبعدين بصت لي:
“وعليّة، فلوسك اللي اتاخدت منك هترجعلك كاملة.”
رحمة بصت للأرض.
لكن أنا قلت:
“أنا مش عايزة الفلوس بس.”
الجميع بص لي.
قلت:
“أنا عايزة كلمة واحدة تتصلح.”
سكتوا.
وقلت وأنا ببص لرحمة:
“أنا مش أرض بور.”
رحمة رفعت عينيها لي.
كملت:




