روايات وقصص

زهرة الربيع

كنت عايزة أصدقه، لأن تصديق إن جوزي بيكدب عليا كان أصعب بكتير من تصديق أي حاجة تانية.

وفي ليلة، صحيت على صوت التوأم بيعيطوا. قمت أطمن عليهم، ولما خرجت من الأوضة لقيت أحمد قاعد في الصالة والضوء مطفي، ماسك صورة عائلية قديمة.

كانت الصورة اللي اتصورناها يوم عيد ميلاد يوسف، يوم ما جمعنا حوالين التورتة، وكان أحمد شايل حمزة وعمر وكلنا بنضحك.

سمعته بيهمس لنفسه: سامحوني.

وقفت عند باب الصالة وقلت: بتقول إيه يا أحمد؟

انتفض، وخبى الصورة بسرعة، وقال: مفيش، روحي نامي.

لكن أنا ما نمتش. فضلت أفكر في الكلمة اللي قالها، وفي نظرته، وفي كل التصرفات اللي بقت تخوفني.

مرت أيام قليلة، وفي صباح يوم الخميس، صحيت بدري كعادتي. حضرت الفطار، وصحيت فاطمة ويوسف، وبعدها دخلت أوضة التوأم أصحيهم.

لما رجعت أوضتي، لقيت السرير فاضي جنبي.

استغربت، لأن أحمد مش من عادته يصحى قبلي، وتليفونه كان على الكومودينو، فقلت أكيد في البيت.

ناديت عليه: يا أحمد!

مفيش رد.

لفيت في الشقة، دخلت الحمام والمطبخ والبلكونة، لكن ما لقيتوش. ولما رجعت الأوضة، لمحت ورقة مطوية جنب تليفونه.

قلبي انقبض من غير سبب مفهوم.

مسكت الورقة وفتحتها، ولقيت مكتوب بخط إيده:

«متدوريش عليا يا نوال، مش هتلاقيني خلاص. إنتي خربتي بيتي بالعيال اللي عمالة تولديهم زي الأرانب لحد ما بقوا هم يقطموا الضهر. أنا سافرت ومش راجع. ولو عايزة نصيحتي، حطي العيال دي في ملجأ، ده حمل كبير مش هتقدري عليه لوحدك ولا أي حد يقدر عليه».

الورقة اترعشت في إيدي، واتجمدت مكاني.

أحمد؟

جوزي وأبو عيالي بيكتب عني وعن ولاده الكلام ده؟ الراجل اللي كان بيبوس جبين فاطمة كل يوم قبل المدرسة، واللي كان يشيل مريم على كتفه ويقولها إنتي أميرة بابا، واللي كان ينام والتوأم في حضنه، يقدر يسيبهم كده؟

حسيت إن الهوا اتسحب من الأوضة، وإن السنين كلها بتنهار فوق دماغي.

وفجأة سمعت صوت خطوات صغيرة ورايا.

كانت فاطمة، ووراها يوسف ومريم، والتوأم بيشدوا في هدومي.

فاطمة مسكت دراعي وقالت: ماما، إنتي مالك؟ إيه الورقة دي؟ وبابا فين؟

حاولت أخبي الورقة، لكن يوسف كان أسرع مني، وشاف كلمة «سافرت».

سألني بصوت بيرتعش: بابا سافر من غير ما ياخدنا معاه؟

مريم بدأت تعيط، وحمزة جري ناحية الباب ينادي: بابا، بابا، أنا صحيت أهو!

وعمر جري وراه، وفضلوا يخبطوا على الباب بإيديهم الصغيرة.

في اللحظة دي، حسيت إن قلبي اتقسم خمس حتت، وكل حتة فيهم مع واحد من عيالي.

نزلت على ركبتي وحضنتهم كلهم، وقلت بصوت حاولت أخليه ثابت: بابا عنده شغل يا حبايبي، وإن شاء الله هيرجع.

لكن فاطمة ما صدقتنيش.

بصتلي في عيني وقالت: ماما، هو سابنا؟

ما قدرتش أرد.

حضنتني جامد، وسمعتها بتعيط في كتفي وتقول: أنا مش عايزة حاجة منه، أنا بس عايزاه ما يسيبكيش لوحدك.

وقتها انفجرت في العياط، لكني حاولت أتماسك عشانهم. ما كانش عندي رفاهية الانهيار، لأن خمس عيال كانوا واقفين مستنيين مني إجابة تطمنهم، وأنا نفسي كنت محتاجة حد يطمني.

رجعت بصيت للورقة، وقلت لازم أكملها، يمكن يكون في حاجة تانية، يمكن يكون كتب الكلام ده وهو غضبان، يمكن يكون فيه تفسير لكل اللي حصل.

لكن وأنا بقلب الورقة، لقيت السطر الأخير مكتوب بخط أصغر من باقي الكلام.

قربت الورقة من عيني وبدأت أقرأ.

«وفي حاجة لازم تعرفيها قبل ما تدوري عليا…»

وقفت لحظة، وقلبي بدأ يدق بعنف.

كملت القراءة:

«الفلوس اللي كنت بحولها كل أسبوع ما كانتش لحد غريب. أنا كنت بجهز مكان لأولادي بعيد عنك، لأني اكتشفت إنك…»

السطر كان مقطوع، كأن القلم وقف فجأة، وتحته كان فيه كلام مكتوب على ظهر الورقة.

قلبتها بسرعة، ولقيت جملة واحدة خلت إيدي تتجمد.

«افتحي الدرج المقفول في مكتبي، وهتعرفي ليه أنا مش قادر أسيبهم معاكي».

الورقة وقعت من إيدي.

مش قادر يسيبهم معايا؟

يعني إيه؟ هو بيشكك فيا كأم؟ أنا اللي سهرت على حرارتهم، وأنا اللي كنت بصحى من النوم عشر مرات عشان أطمن عليهم، وأنا اللي كنت باكل آخر لقمة بعد ما أشبعهم، بقى شايف إني مش أمينة على ولادي؟

رفعت راسي وبصيت ناحية مكتبه الصغير اللي في آخر الصالة.

كان فيه درج عمره ما سمحلي أفتحه. حتى لما كنت بنضف المكتب، كان يقولي سيبيه زي ما هو، فيه حاجات تخص الشغل.

عمري ما اهتميت، لأن الثقة بينا كانت أكبر من أي درج مقفول.

لكن دلوقتي، الدرج ده بقى واقف قدامي كأنه باب لحقيقة عمري ما تخيلتها.

دخلت أوضة النوم، لبست بسرعة، وخدت العيال معايا عند أمي في البيت اللي في الشارع اللي جنبنا. أمي اتخضت أول ما شافت وشي، ولما عرفت إن أحمد مشي، حضنتني وفضلت تقول حسبي الله ونعم الوكيل، ربنا يحاسب الظالم.

سيبت العيال معاها، ورجعت البيت لوحدي.

كنت مرعوبة، لكن كان لازم أعرف الحقيقة.

فتحت المكتب، وقعدت أدور على المفتاح. فتحت الأدراج اللي فوق، قلبت الورق والدفاتر، لحد ما لقيت مفتاح صغير مربوط في حلقة معدنية قديمة، مخبي ورا مجموعة كتب.

حطيته في القفل.

الدرج اتفتح بصوت خفيف.

أول حاجة شفتها كانت ملفات بنكية وإيصالات تحويل، وبعدها ظرف بني مكتوب عليه بخط أحمد: «لنوال، لو اضطريت تعرفي الحقيقة».

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى