روايات وقصص

زهرة الربيع

بصلي بعينين مليانين تعب وقال: أنا مش زعلان على نفسي يا نوال، أنا زعلان عليكم. إنتوا متعودين على مستوى معين، وأنا مش عارف هقدر أوفرهولكم إزاي.

مسكت إيده وقلتله: إحنا مش محتاجين غير إننا نفضل مع بعض. لو هنعيش على الفول والجبنة هنعيش، ولو هنقعد في أوضة واحدة هنقعد، المهم ما نتفرقش.

ساعتها حضني جامد، وفضل ساكت فترة طويلة، وبعدها قال بصوت واطي: ربنا يخليكي ليا، أنا من غيرك ما أقدرش.

الكلام ده فضل محفور في قلبي، وكل ما أفتكره دلوقتي بحس إن قلبي بيتقطع، لأني ما كنتش أعرف إن الراجل اللي كان بيحضني ويشكر ربنا عليا، هو نفسه اللي هيسيبني بعد كده مع خمس عيال ويكتبلي إنهم حمل محدش يقدر عليه.

بعد ما خسر شغله، أحمد بدأ يدور على شغل. كان ينزل الصبح بدري ويرجع آخر النهار، ساعات يرجع متعصب وساعات يرجع ساكت، ولما أسأله لقيت حاجة يقوللي لسه، بس إن شاء الله خير.

كنت بحاول أخفف عنه، فبقيت أشتغل من البيت في تفصيل هدوم بسيطة للجيران، وأصلح ملايات وستاير وأعمل أي حاجة تجيب فلوس. كنت بصحى قبل العيال، أجهز الفطار وأرتب البيت، وبعد ما يخرجوا أو ينشغلوا ألحق شغلي، وبالليل أفضل قاعدة على المكنة لحد ما عيني توجعني من النور.

ورغم التعب، كنت بحس إني قوية طول ما أحمد موجود.

لكن اللي ما لاحظتوش وقتها إن أحمد بدأ يتغير بطريقة غريبة.

بقى يقفل موبايله أول ما أقرب منه، ولو رن وهو في الحمام يطلع يجري ياخده. بقى يخرج من غير ما يقول رايح فين، ولو سألته يرد بعصبية: هو أنا لازم أقدم تقرير عن كل خطوة بخطوها؟

كنت بستغرب، لكن أقول لنفسي إنه مضغوط بسبب الشغل، وإن الراجل لما يحس إنه مش قادر يصرف على بيته بيتعب من جواه، فكنت أعدي وأقول معلش.

حتى ولاده بدأوا يلاحظوا غيابه.

في ليلة، كانت مريم قاعدة على الأرض بتلون رسمة، وفجأة رفعت راسها وسألتني: ماما، هو بابا مش بيحبنا خلاص؟

قلبي وجعني من السؤال، فقعدت جنبها وقلت: إيه الكلام ده يا حبيبتي؟ بابا بيحبكم أكتر من الدنيا كلها.

قالتلي: طب ليه لما دخلت أحضنه امبارح قاللي سيبيني دلوقتي، أنا دماغي هتنفجر؟

ما عرفتش أرد عليها، فحضنتها وقلت: عشان بابا تعبان ومشغول، وإنتي عارفة إنه لما بيكون تعبان مش بيحب حد يكلمه.

فاطمة كانت واقفة عند باب الأوضة وسمعت الكلام. بصتلي بنظرة حسيت إنها فاهمة أكتر من سنها، وبعد ما مريم خرجت قالتلي: ماما، هو بابا زعلان مننا عشان إحنا كتير؟

لفيت ناحيتها بسرعة وقلت: مين قالك كده؟

قالتلي وهي بتلعب في صوابعها: سمعته مرة بيقول لحد في التليفون إن مصاريف البيت هتخنقه، وإنه مش عارف يعمل إيه في خمس عيال.

قربت منها ورفعت وشها ليا وقلت بحزم: بصيلي يا فاطمة، إنتوا عمركم ما كنتوا حمل على حد. إنتوا رزقنا وفرحتنا، واللي يقول غير كده يبقى مش فاهم يعني إيه عيلة.

هزت راسها، لكن عينيها فضلت حزينة.

عدت الأيام، وأحمد ما بقاش أحمد اللي أعرفه. بقى قليل الكلام، مفيش ضحك، مفيش قعدة بالليل نحكي فيها عن يومنا، وحتى لما كنت أعمل أكلة بيحبها، كان ياكل لقمتين ويقوم.

وفي مرة، وأنا برتب هدومه، لقيت إيصال تحويل فلوس بمبلغ كبير نسبيًا. استغربت، لأننا كنا بالعافية بندبر مصاريفنا، وهو ما قالليش إنه بعت فلوس لحد.

استنيته لحد ما رجع، وسألته بهدوء: يا أحمد، هو إنت حولت فلوس لمين؟

وشه اتغير للحظة، وبعدها خطف الإيصال من إيدي وقال: إنتي بتفتشي في حاجتي؟

قلتله: أنا مش بفتش، ده كان واقع وسط هدومك. أنا بس بسأل عشان إحنا محتاجين كل جنيه اليومين دول.

زعق وقال: الفلوس دي تخصني، وأنا حر أتصرف فيها.

سكت، مش خوفًا منه، لكن من الصدمة. عمره ما كلمني بالطريقة دي طول 13 سنة.

دخل الأوضة وقفل الباب، وأنا فضلت واقفة في الصالة بلم هدومه اللي وقعت على الأرض، وبحاول أفهم إزاي وصلنا للمرحلة دي.

في الليلة دي، ما نمتش كويس. كنت بسمع صوته وهو بيتكلم في التليفون بصوت واطي، وكل ما أقرب من الباب يسكت.

وبعدها بأيام، حصل موقف عمره ما فارق خيالي.

كنت في المطبخ بجهز الغدا، وسمعت أحمد بيتكلم مع حد، وبيقول: أنا خلاص مش قادر أكمل بالشكل ده. أنا لازم أخلص من الموضوع قبل ما يفوت الأوان.

وقفت مكاني، وإيدي على حلة الأكل، وقلبي بيدق بسرعة. كنت عايزة أدخل أسأله يقصد إيه، لكن سمعت صوته بيقول: لا، هي لسه ما تعرفش حاجة، ومش هتعرف غير لما أبقى بعيد.

حسيت إن رجلي مش شايلاني.

مين اللي هي ما تعرفش؟ وإيه الموضوع اللي لازم يخلص منه؟ وليه بيتكلم كأنه بيخطط لحاجة من ورايا؟

لكن قبل ما أستوعب، خرج من الأوضة ولقاني واقفة في المطبخ.

بصلي بحدة وقال: واقفة كده ليه؟

قلتله وأنا بحاول أثبت صوتي: كنت بجهز الغدا.

فضل باصصلي شوية، وبعدها دخل الأوضة من غير ما يقول كلمة.

يومها قررت إني لازم أتكلم معاه. مش هفضل عايشة معاه وأنا حاسة إن في حاجات كبيرة بتستخبى عني.

بالليل، بعد ما العيال ناموا، قعدت جنبه وقلتله: يا أحمد، أنا حاسة إنك متغير، وحاسة إن في حاجة إنت مخبيها عني. لو في مشكلة قوللي، إحنا عشرة عمر، وأنا عمري ما سيبتك في ضيقتك.

بصلي وسكت.

كملت وأنا بحاول أمنع دموعي: لو إنت زعلان من الفلوس، نقدر نبيع دهبي. لو مش لاقي شغل، أنا هشتغل أكتر. لو محتاج ترتاح شوية، أنا أشيل البيت كله. بس بالله عليك ما تبعدش عني وإنت قاعد جنبي.

للحظة، افتكرت إنه هيتكلم. شفت عينيه بتلمع، ومد إيده كأنه هيحضنني، لكنه فجأة قام من مكانه وقال: أنا تعبان وعايز أنام.

وسابني قاعدة لوحدي.

تاني يوم، لاحظت إنه بدأ يهتم بلبسه بطريقة مختلفة. بقى يخرج وهو لابس أحسن هدومه، ويحلق دقنه كل يوم، ويقعد قدام المراية وقت طويل. ولما أسأله رايح فين، يقوللي بدور على شغل.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى