روايات وقصص

زهرة الربيع

قلبي كان بيدق لدرجة إني حسيت إني مش قادرة أتنفس.

فتحت الظرف، ولقيت ورقة من مستشفى، وصورة لورقة تانية عليها ختم مكتب محاماة، وبعدهم مجموعة صور لعيالي.

صور عادية جدًا، لكن الغريب إن كل صورة كان مكتوب وراها تاريخ.

فاطمة وهي خارجة من المدرسة.

يوسف وهو واقف قدام محل قريب من بيتنا.

مريم وهي بتلعب في النادي.

وحتى التوأم، وهم خارجين معايا من عند أمي.

فضلت أبص للصور وأنا مش فاهمة. مين اللي صور ولادي؟ وليه أحمد محتفظ بالصور دي؟ وإيه علاقة المستشفى والمحامي بكل ده؟

مسكت الورقة الأولى.

كانت تقريرًا طبيًا باسم أحمد.

قرأت أول سطر، وحسيت إن الأرض بتلف بيا.

التقرير كان من شهرين، ومكتوب فيه إن أحمد محتاج متابعة عاجلة بسبب مشكلة صحية خطيرة، وإنه لازم يبدأ علاج منتظم، وإن حالته النفسية متأثرة بشدة.

لكن ده ما كانش كل شيء.

كان فيه ورقة تانية مكتوب فيها بخط أحمد:

«أنا مش عارف أقول لنوال إزاي. كل يوم ببص لولادي وبحس إني بسرق منهم حقهم في إنهم يعرفوا الحقيقة. أنا خايف أرحل قبل ما أكبرهم، وخايف أكمل العلاج وأشوفهم محتاجين وأنا مش قادر أعمل حاجة. بس أكتر حاجة مرعباني إني أبقى عبء عليهم».

قعدت على الكرسي وأنا بحاول أستوعب.

أحمد كان مريض؟

كان عنده مشكلة صحية خطيرة، ومخبيها عني؟

افتكرت كل مرة كان بيرجع فيها مرهق، وكل مرة كان بيقوللي إنه تعبان من قلة النوم، وكل مرة كان يرفض يروح لدكتور.

لكن لسه السؤال الأكبر موجود.

ليه كتب إنه مش قادر يسيب الأولاد معايا؟

وليه قاللي أحطهم في دار أيتام؟

قلّبت الأوراق لحد ما لقيت خطاب من مكتب محاماة، مكتوب فيه إن أحمد استفسر عن إجراءات قانونية تتعلق بترتيبات رعاية أطفاله في حالة عجزه عن الإنفاق أو غيابه.

ما كانش فيه أي قرار بأخذ العيال مني، ولا أي دليل على إني أم غير صالحة، لكن كان واضح إنه راح وسأل عن حاجات تخص مستقبلهم من ورايا.

وفي آخر الملف، لقيت ظرفًا صغيرًا عليه اسمي.

فتحته، وبدأت أقرأ.

«نوال حبيبتي،

أنا عارف إنك لما تقري الكلام ده هتكرهيني، ويمكن يكون عندك حق. أنا مشيت لأنني ضعفت، ولأنني بدل ما أواجهك بالحقيقة، اخترت أهرب منها.

من يوم ما عرفت إني مريض، وأنا عايش في خوف. كنت ببص لولادي وأتخيلهم من غيري، وأتخيلك وإنتي بتجري من مستشفى لمستشفى ومن شغل لشغل عشان توفري لهم كل حاجة.

كنت خايف أكون أنا السبب في ضياع مستقبلكم.

لكن فيه حاجة تانية لازم تعرفيها. قبل ما أكتبلك الجواب ده، جالي اتصال من شخص قاللي إن عنده معلومات عن حياتك، وإنك مخبية عني حاجة كبيرة. قاللي إنك مش الشخص اللي أنا فاكره، وإن في سر من الماضي لو عرفته، مش هقدر أبصلك بنفس الطريقة.

أنا ما صدقتوش في الأول، لكن لما بعتلي صورًا قديمة وأوراقًا، خوفت.

بدل ما أواجهك وأسألك، صدقت خوفي، وبدأت أدوّر وراكي.

وأنا آسف.

آسف إني خليت الشك ياكل كل حاجة حلوة بينا.

لو قدرتي تسامحيني يومًا، افتكري إنك كنتي أجمل حاجة حصلتلي، وإن أولادي عمرهم ما كانوا حمل عليا».

وقفت عند آخر سطر.

الرسالة ما جاوبتش على كل حاجة، لكنها كشفتلي إن أحمد ما كانش بس بيهرب من المرض والفقر، كان فيه حد دخل بينا، واستغل خوفه وضعفه.

بس مين الشخص ده؟

وإيه الأوراق اللي بعتها لأحمد؟

بدأت أفتش في الملف بعناية، لحد ما لقيت ظرفًا أبيض صغيرًا من غير اسم مرسل. جواه صورة قديمة ليا وأنا في العشرين من عمري، واقفة قدام مستشفى، وشابة تانية واقفة جنبي.

قلبي اتقبض.

الشابة دي كانت أختي سحر.

سحر اللي رحلت من خمس سنين بعد مرض طويل، واللي كانت أقرب إنسانة ليا قبل ما الدنيا تفرقنا بسبب خلاف عائلي قديم.

قلبت الصورة، ولقيت مكتوب وراها:

«اسأل نوال عن اللي حصل يوم ولادة فاطمة».

حسيت بدوخة شديدة.

يوم ولادة فاطمة؟

إيه اللي حصل يومها؟ أنا فاكرة اليوم ده كويس، كنت تعبانة جدًا، وأحمد كان جنبي، وأمي كانت معانا في المستشفى. لكن بعد الولادة، حصل خلاف كبير بين أمي وسحر، وسحر سابت البيت فترة طويلة، وبعدها علاقتنا اتقطعت.

كنت دايمًا فاكرة إن الخلاف كان بسبب الميراث، وإن أختي اختارت تبعد.

لكن ليه حد بيرجع يفتح الموضوع دلوقتي؟

وليه أحمد صدق إن فيه سر مخبي عنه؟

اتصلت بأمي، وطلبت منها تيجي البيت فورًا.

لما وصلت وشافت الصورة في إيدي، وشها اتغير. قعدت على الكنبة، وفضلت ساكتة لحد ما سألتها: ماما، إيه اللي حصل يوم ولادة فاطمة؟ وليه أحمد كان بيدور ورايا؟

أمي غمضت عينيها، وقالت بصوت متعب: كنت عارفة إن اليوم ده هييجي، بس كنت بتمنى ما تعرفيش الحقيقة بالطريقة دي.

قلبي وقع.

قلت: حقيقة إيه يا ماما؟ اتكلمي.

مسكت إيدي وقالت: يوم ولادة فاطمة، أختك سحر كانت معانا في المستشفى. كانت وقتها متجوزة، وكانت بتمر بظروف صعبة جدًا. جوزها كان رافض إنها تكمل علاجها، وكانت محتاجة فلوس عشان تقدر تتابع مع الدكتور.

سألتها: وده علاقته بإيه؟

قالت: بعد ولادتك، حصلت مشكلة في حسابات المستشفى. فلوس كانت متجمعة لعلاج سحر اختفت، وساعتها اتهموها إنها أخدتها. هي حلفت إنها ما لمستهاش، لكن محدش صدقها، وأبوك زعل منها، وهي خرجت من البيت وهي مكسورة.

قلت بصدمة: بس أنا مالي؟ أنا ما كنتش أعرف حاجة عن الفلوس دي!

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى