روايات وقصص

زهرة الربيع

أمي هزت راسها وقالت: عارفة يا بنتي. إنتي ما كنتيش تعرفي. لكن بعد سنين، ظهر شخص بيقول إنه معاه دليل إنك كنتي عارفة، وإنك سكتّي عشان تحافظي على علاقتك بأحمد.

حسيت بالغضب بيغلي جوايا.

قلت: مين الشخص ده؟

أمي بصتلي وقالت: ابن خالك، شريف.

ما صدقتش.

شريف كان من الناس اللي أحمد يعرفهم من زمان، وكان دايمًا يزورنا ويسأل عن أحوالنا. هو نفسه الشخص اللي كان بيتكلم مع أحمد بعد ما اتفصل من شغله.

قلت: شريف هو اللي عمل كده؟ وليه؟

أمي ردت: من فترة، كان بيحاول يقنع أحمد يدخل معاه في شغل، وأحمد رفض. بعدها بدأ يلمح له إنك مخبية عنه أسرار، وإنك كنتي سبب في ظلم أختك. أنا ما كنتش أعرف إنه وصل للكلام ده غير لما أحمد كلمني من كام أسبوع وسألني عن الماضي.

وقتها بدأت أفهم إن شريف استغل مرض أحمد وخوفه، واستغل خلاف العيلة القديم، عشان يزرع الشك بينا.

لكن ليه؟ إيه مصلحته في إنه يهد بيتنا؟

ما قدرتش أستنى.

اتصلت بأحمد، لكن تليفونه كان مقفول. بعتله رسالة قلتله فيها إني عرفت إنه مريض، وإن اللي حصل بينا مش هيمنعني إني أطمن عليه، وإنه لو عنده أي سؤال عن الماضي، يواجهني بدل ما يصدق كلام الناس.

بعدها اتصلت بشريف.

رد عليا بصوت عادي، وكأنه ما عملش حاجة.

قلتله: أنا عايزة أشوفك.

سألني: في حاجة يا نوال؟

قلت: أيوه، في حاجة تخص أحمد، وتخص أختي سحر، وتخص الصور اللي بعتها له.

سكت ثواني، وبعدها قال: ما أعرفش إنتي بتتكلمي عن إيه.

قلتله: تمام، يبقى لما نتقابل هتشرحلي.

قفلنا، وحددت معاه ميعاد في كافيه قريب من بيت أمي.

رحت وأنا معايا نسخة من الأوراق والصورة. كنت خايفة، لكن غضبي كان أكبر من خوفي.

لما شافني، حاول يبتسم وقال: إيه يا نوال؟ كل ده عشان شوية كلام؟

حطيت الصورة قدامه وقلت: إنت اللي بعتها لأحمد؟

بص للصورة، وبعدها بصلي وقال: أنا بس كنت بحاول أساعده يعرف الحقيقة.

قلت: الحقيقة اللي إنت عارف كويس إنها مش موجودة؟ أنا ما أخدتش فلوس سحر، وما كنتش أعرف أصلًا إن فيه فلوس اختفت.

قال ببرود: أنا ما قلتش إنك أخدتيها، أنا قلت إنك كنتي عارفة.

قلتله: وعندك دليل؟

سكت.

كملت: أحمد كان تعبان ومريض، وإنت استغليت خوفه عشان تخليه يشك في مراته وأولاده. إنت فاهم إنك ممكن تكون دمرت بيت كامل؟

اتغيرت ملامحه، وقال: هو اللي اختار يمشي. أنا ما أجبرتوش.

الكلمة دي وجعتني، لكنها في نفس الوقت صحّتني.

أيوه، شريف كان السبب في نشر الشك، لكن أحمد هو اللي اختار يصدق من غير ما يسألني. هو اللي اختار يسيبني مع خمس عيال، وهو اللي كتبلي كلام جارح بدل ما يقعد معايا ويواجهني.

قمت من مكاني وقلتله: أنا مش هضيع وقتي معاك. لو عندك دليل حقيقي، قدّمه. غير كده، ابعد عن بيتي وعن أولادي.

خرجت من الكافيه وأنا حاسة إني خسرت حاجات كتير، لكني لأول مرة من أيام كنت عارفة إن لازم أركز على نفسي وعلى عيالي، مش على محاولة فهم كل قرار أحمد أخده.

رجعت البيت، ولقيت فاطمة قاعدة على السلم مستنياني. أول ما شافتني، جريت عليا.

قالت: ماما، بابا اتصل.

قلبي دق بسرعة.

سألتها: قالك إيه؟

قالت: سألني عنك، وقاللي إنه آسف، وإنه عايز يكلمك. بس يا ماما، أنا سألته هيرجع إمتى، وما ردش عليا.

حضنتها وقلت: سيبيه يا حبيبتي، المهم إنتي ما تشيليش هم الكبار.

لكن الحقيقة إن قلبي كان متعلقًا بأمل صغير، رغم كل اللي حصل.

في نفس الليلة، أحمد اتصل بيا.

أول ما سمعت صوته، ما قدرتش أتكلم.

قال بهدوء: نوال، إنتي قريتي الورق؟

قلت: قريته كله.

سكت فترة، وبعدها قال: أنا عارف إني غلطت.

قلتله: غلطت؟ إنت سبت خمس عيال يا أحمد. خمس عيال كانوا بيصحوا كل يوم يسألوا عليك. إنت كتبتلي أحطهم في دار أيتام! إنت متخيل فاطمة سألتني إيه؟ سألتني إذا كان بابا سابنا عشان إحنا كتير!

سمعت صوته بيتكسر، وقال: أنا آسف.

قلتله: أنا مش عايزة كلمة آسف دلوقتي. أنا عايزة أفهم. إنت ليه ما قلتليش إنك مريض؟ ليه ما قلتليش إن حد بيشكك فيا؟ ليه ما واجهتنيش بدل ما تهرب؟

قال: كنت خايف.

صرخت فيه: وأنا؟ أنا ما كنتش خايفة؟ أنا لما لقيتك مش موجود، حسيت إن عمري كله كدبة. كنت شايلة البيت معاك، وكنت مستعدة أبيع دهبي وأشتغل ليل ونهار، وإنت ما اديتنيش حتى فرصة أكون جنبك!

فضل ساكت، وبعدها قال: أنا في المستشفى يا نوال.

قلبي انقبض.

سألته بسرعة: إيه اللي حصل؟

قال: تعبت جدًا، وجالي هبوط، والناس اللي معايا نقلوني المستشفى. الدكتور بيقول إني لازم أبدأ العلاج فورًا.

قلتله وأنا بحاول أتماسك: إنت فين؟

قال اسم المستشفى، وبعدها أضاف: بس مش لازم تيجي.

قفلت عيني من الوجع.

حتى وهو في المستشفى، كان لسه بيحاول يبعدني عنه.

قلتله: أنا مش جاية عشان إنت تستاهل أو ما تستاهلش. أنا جاية عشان إنت أبو ولادي، وعشان مش هسمح إن أولادي يعرفوا إن أبوهم كان تعبان وإحنا واقفين نتفرج عليه من بعيد.

وقبل ما يقفل، قال جملة فضلت ترن في ودني:

يا نوال، فيه حاجة لسه ما عرفتيهاش، ومش عارف إذا كنت هقدر أقولها لك ولا لأ.

قلتله: لما أوصل هنتكلم.

قفلت التليفون، وروحت لأمي، وطلبت منها تفضل مع العيال. فاطمة كانت واقفة عند الباب وسمعت الكلام.

قالت: ماما، هتروحي لبابا؟

قلت: أيوه يا حبيبتي.

نزلت عينيها للأرض، وبعدها قالت: لو شوفتيه، قولي له إن حمزة وعمر لسه بيسألوا عليه، وإن مريم مخبية له رسمة تحت مخدتها، وإن يوسف بيقول إنه مش زعلان منه، بس نفسه يرجع.

ما قدرتش أمنع دموعي.

حضنتها وقلت: حاضر.

وصلت المستشفى بعد المغرب، وسألت عن أحمد. الممرضة دلتني على غرفته، ولما دخلت لقيته نايم، وشك شاحب، ووشه أرفع من آخر مرة شفته فيها.

وقفت عند الباب شوية، مش عارفة أقرب ولا أرجع.

ده نفس الراجل اللي كنت بجري عليه أول ما يرجع من الشغل، واللي كنت بحط راسي على كتفه لما أخاف، واللي وعدني إنه عمره ما يسيبني.

لكنه كان برضه الراجل اللي سابني ومشي.

قربت من السرير، ولما حس بيا فتح عينيه.

أول ما شافني، دموعه نزلت.

قال بصوت ضعيف: جيتي؟

رديت: أيوه.

حاول يقوم، لكني طلبت منه يفضل مكانه.

قعدت على الكرسي، وقلتله: أنا هنا عشان أسمعك، لكن مش معنى كده إن كل حاجة رجعت زي الأول.

هز راسه وقال: أنا فاهم.

فضل ساكت شوية، وبعدها بدأ يحكيلي عن مرضه، وعن خوفه من المستقبل، وعن شريف اللي فضل يضغط عليه بالكلام عن الماضي، ويقوله إن فيه أسرار هتغير نظرته ليا.

قال إنه كان بيحاول يلاقي حل يضمن بيه مصاريف الأولاد لو احتاج علاج طويل، وإنه راح يسأل عن مساعدات اجتماعية وترتيبات قانونية، لكنه بدل ما يتكلم معايا، اتصرف لوحده.

سألته: والفلوس اللي كنت بتحولها؟

قال: كنت بحاول أجمع مبلغ للطوارئ، وحولت جزء منه لشخص قاللي إنه هيقدر يساعدني ألاقي شغل بره. وبعدها اكتشفت إنه ضحك عليا، وإن الفلوس راحت.

بصيتله بصدمة.

يعني فوق المرض والشك، كان فيه كمان حد استغله ماديًا؟

قال وهو بيبكي: أنا خسرت فلوسي، وخسرت شغلي، وكدت أخسركم كلكم. أنا ما كنتش شايف قدامي يا نوال.

قلتله: إنت كنت شايف قدامك، بس كنت شايف خوفك بس. ما شفتش أنا ولا ولادك.

نزل راسه، وما حاولش يدافع عن نفسه.

وبعد لحظات، قال: فيه حاجة أخيرة لازم تعرفيها.

حسيت إن قلبي رجع يدق بسرعة.

قال: قبل ما أمشي، كنت مجهز ورقة تانية، غير اللي سيبتها لك. كنت ناوي أكتب فيها كل حاجة، لكن في آخر لحظة غيرت رأيي، وكتبت الكلام اللي وجعك.

سألته: وليه؟

قال: لأن شريف اتصل بيا قبل ما أخرج من البيت، وقاللي إنك عرفتي كل حاجة، وإنك هتطلبِي الطلاق وتاخدي الأولاد وتمنعيني أشوفهم. أنا صدقته، وانهرت. كتبتلك الكلام ده وأنا في حالة خوف وغضب، ومشيت من غير ما أفكر.

قلتله: وإنت شايف إن ده مبرر؟

هز راسه وقال: لأ. مفيش مبرر.

وبعدين مد إيده ناحية الكومودينو، وطلع مفتاح صغير.

قال: المفتاح ده لخزنة في البنك، فيها كل الورق اللي يخص العلاج والتأمين، وفيه كمان مستندات تخص الأولاد. كنت عايز أضمن إن لو حصلي حاجة، ما يبقوش محتاجين لحد.

أخدت المفتاح، لكن ما حسيتش بالراحة اللي كنت متوقعاها.

سألته: طب ليه ما قلتليش؟

قال: لأنني كنت جبان.

الكلمة دي خرجت منه بصعوبة، لكنها كانت أول مرة يعترف فيها بالحقيقة من غير ما يلوم الظروف أو الناس.

فضلنا ساكتين فترة طويلة، لحد ما سألني: هما عاملين إيه؟

قلتله: بيحبوك، رغم كل اللي حصل.

غطي وشه بإيده وفضل يبكي.

قال: أنا نفسي أشوفهم.

قلتله: لما تبقى أحسن، هجيبهم. بس لازم تعرف إنك مش هتقدر ترجع البيت وتتصرف كأن اللي حصل ما حصلش.

قال: أنا مش طالب ده. أنا عايز فرصة أصلح اللي أقدر عليه.

خرجت من المستشفى وأنا مش عارفة إذا كنت قادرة أسامحه أو لأ. كنت حاسة إني بين حب 13 سنة وجرح ما كنتش أتخيل إنه ييجي منه.

الأيام اللي بعدها كانت صعبة. أحمد بدأ العلاج، وأنا كنت بتابع أخباره من خلال المستشفى، وأحيانًا كنت بروحله بعد ما أسيب العيال عند أمي. ما كنتش بروح كل يوم، لأن عندي خمس عيال محتاجين أكل ومدارس واهتمام، وشغل لازم أخلصه عشان نعيش.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى