روايات وقصص

زهرة الربيع

لكن في يوم، وأنا في البيت، جالي اتصال من رقم غريب.

رديت، فسمعت صوت راجل بيقول: أستاذة نوال؟ أنا محامي الأستاذ أحمد. محتاجين نتقابل بخصوص مستندات تخص الأسرة.

قلبي اتقبض.

سألته: مستندات إيه؟

قال: فيه أوراق كان زوج حضرتك سايبها عندنا، وطلب إنها تتسلم لك في حالة معينة.

اتفقنا على ميعاد، وروحت مكتبه بعد يومين.

المحامي استقبلني، وطلع ملفًا كبيرًا، وقال: زوج حضرتك كان جاي هنا من فترة، وكان بيسأل عن تأمين مستقبل أولاده في حالة مرضه. لكن فيه ورقة تانية مهمة جدًا.

فتح الملف وطلع مستندًا مكتوبًا فيه إن أحمد كان بيحاول يخصص جزءًا من أي تعويض أو مستحقات يحصل عليها من شغله السابق لمصاريف تعليم الأولاد، وإنه كان عايز يضمن إن المبلغ يفضل مخصصًا ليهم.

سألته: يعني هو ما كانش ناوي يحرمهم مني؟

قال: إطلاقًا. مفيش أي مستند عندنا بيثبت الكلام ده. بالعكس، كل طلباته كانت مرتبطة بمستقبل أولاده، لكن حالته النفسية وقتها كانت مضطربة جدًا، وكان بيتصرف من غير ما يستشير حد.

وبعدها طلع ظرفًا آخر.

قال: ده طلب مني أسلمه لك لو حضرتك جيتي بنفسك.

فتحت الظرف، ولقيت رسالة قصيرة:

«نوال، لو وصل لك الخطاب ده، يبقى أنا ما قدرتش أقولك كل حاجة بنفسي. أنا عارف إنك مش مطالبة تسامحيني، لكن أتمنى ما تخليش غلطتي تحرم أولادي من معرفة إن أبوهم حبهم، حتى لو خذلهم في أصعب لحظة.

أنا كنت فاكر إن الرجولة إني أتحمل كل حاجة لوحدي، واكتشفت متأخر إن الرجولة الحقيقية إني أشاركك خوفي بدل ما أهرب منك.

لو رجعت لحياتكم، هحاول أكون أب أفضل. ولو ما رجعتش، خليهم يعرفوا إنهم ما كانوش يومًا عبء عليا».

قريت الرسالة أكتر من مرة، وبعدها حطيتها في الشنطة.

ما كنتش قادرة أقرر إذا كنت هسامحه، لكني عرفت إن أولادي ما ينفعش يدفعوا تمن أخطاء الكبار.

بعد أسبوع، أحمد طلب يشوفهم.

أول ما قلت لفاطمة، سكتت، وبعدها سألتني: هو بقى كويس؟

قلت: بدأ يتحسن، والدكتور بيتابعه.

قالت: طب هو ندمان؟

بصيتلها وقلت: أيوه، ندمان.

ردت: أنا مش عارفة إذا كنت زعلانة منه ولا وحشني.

حضنتها وقلت: الاتنين ممكن يبقوا موجودين في نفس الوقت يا حبيبتي. ممكن تحبي حد وتبقي زعلانة منه، ومش لازم تسامحيه في يوم وليلة.

قررنا نروحله كلنا.

دخلنا غرفته، وأول ما شاف التوأم، فتح دراعاته وقال: تعالوا يا حبايبي.

حمزة جري عليه، وعمر وقف متردد شوية، وبعدها قرب ببطء.

مريم طلعت الرسمة اللي كانت مخبياها، وادتهاله من غير كلام.

يوسف وقف بعيد، وفاطمة كانت ماسكة إيدي.

أحمد بص لأولاده واحد واحد، ودموعه نزلت وهو بيقول: أنا آسف يا ولادي. أنا غلطت في حقكم، ومش هطلب منكم تنسوا اللي حصل، بس هحاول أثبتلكم إني أقدر أكون أبوكم من جديد.

يوسف سأله بصراحة الأطفال: إنت هتمشي تاني؟

السؤال نزل على أحمد كأنه حجر.

بصله وقال: مش هقدر أوعدك إن الدنيا مش هيحصل فيها سفر أو غياب، لكن أوعدك إني مش ههرب منكم تاني، ولو في حاجة هتخليني أبعد، هكلمكم وأفهمكم.

فاطمة ما اتكلمتش، لكنها قربت من السرير وقالت: إحنا مش محتاجين منك فلوس كتير يا بابا. إحنا محتاجين لما نخاف نلاقيك، ولما نسألك ترد علينا، ولما تكون تعبان تقولنا بدل ما تختفي.

أحمد غطى وشه بإيده، وفضل يبكي من غير ما يقدر يرد.

خرجنا من المستشفى بعد الزيارة، وأنا حسيت إن حاجة صغيرة بدأت تتصلح، لكن الجرح لسه موجود.

مرت شهور، وأحمد التزم بالعلاج، وبدأ يتحسن بالتدريج. وأنا كملت شغلي من البيت، وفضلت أرتب حياتي على أساس إني المسؤولة عن أولادي، سواء أحمد رجع أو ما رجعش.

ما رجعناش نعيش مع بعض فورًا. اتفقنا إننا ندي نفسنا وقت، وإن أي خطوة لازم تكون مبنية على الثقة، مش على الخوف من الوحدة أو الشفقة على المرض.

أحمد بدأ يزور الأولاد بانتظام، ويشارك في مصاريفهم على قد قدرته، ولما ما كانش يقدر، كان يقول الحقيقة بدل ما يختفي. أما فاطمة، فبدأت ترجع تضحك شوية بشوية، ويوسف بطل يسأل كل يوم إذا كان أبوه هيسافر، ومريم رجعت ترسم صور العيلة، والتوأم بقوا يستنوا مكالمته كل مساء.

لكن أكبر تغيير حصل كان جوايا أنا.

اتعلمت إني ممكن أحب حد من قلبي، لكن ده ما يمنعش إني أحافظ على كرامتي وحقوقي. واتعلمت إن التضحية مش معناها إني أشيل الدنيا كلها لوحدي وأسكت، وإن الأم القوية مش هي اللي عمرها ما بتعيط، لكنها اللي بتعيط وتقوم تاني عشان أولادها.

وفي يوم، بعد مرور حوالي ست شهور على رحيله، أحمد طلب يقابلني في نفس المكان اللي كنا بنقعد فيه زمان لما كنا مخطوبين.

وصلت، ولقيته مستنيني، وفي إيده ظرف صغير.

قعدت قدامه، فقال: أنا مش جاي أطلب منك ترجعي البيت النهارده، ولا جاي أقولك إنك لازم تسامحيني. أنا جاي أديكي حاجة كان المفروض أديهالك من زمان.

فتح الظرف وطلع ورقة قديمة.

كانت رسالة كتبها لي قبل ولادة فاطمة، وقت ما كنا لسه بنجهز أوضة البيبي، وكان بيقول فيها إنه نفسه يكون عندنا بيت مليان ضحك، وإنه مهما حصل، عمره ما هيخلي أولاده يحسوا إنهم عبء.

قريت الكلام، ودموعي نزلت.

قال: أنا كنت الراجل اللي كتب الرسالة دي، وبعدها بقيت الراجل اللي كتبلك جواب دار الأيتام. مش عارف إزاي قدرت أبقى الشخصين دول في نفس العمر، لكن عارف إن الكلام الحلو لوحده ما يكفيش، وإن اللي يثبت الحب هو التصرف وقت الشدة.

بصلي وقال: أنا مش هقولك سامحيني عشان أنا تعبان، ولا عشان الأولاد محتاجيني. أنا بطلب فرصة أستحقها بأفعالي، ولو قررتي إنك مش قادرة ترجعي، هحترم قرارك، وهفضل مسؤول عن ولادي على قد ما أقدر.

سكت فترة، وبعدها سألني: إنتي لسه بتحبيني يا نوال؟

السؤال وجعني، لأني كنت لسه بحبه، لكن الحب ما بقاش كفاية لوحده.

قلتله: أنا حبيت الراجل اللي كان بيشاركني خوفه، مش الراجل اللي خاف مني وصدق الغريب وسابني. لو عايزنا نرجع، لازم نبدأ من جديد، ولازم تثبتلي إنك اتغيرت فعلًا، مش بكلامك، بأيامك.

هز راسه وقال: موافق.

رجعنا البيت في اليوم ده، لكن كل واحد فينا رجع بيته. ما كانش فيه وعد بالرجوع السريع، ولا حضن أنهى كل الوجع، ولا نهاية مثالية تمسح اللي فات.

كان فيه بس قرار إننا نحاول نصلح اللي اتكسر، من غير ما نكذب على نفسنا.

وبعد فترة، أحمد بدأ ييجي يساعدني في شغلي، ويوصل الأولاد للمدرسة لما يقدر، ويقعد معاهم في الواجب، ويشارك في تفاصيل حياتهم الصغيرة اللي كان زمان فاكر إنها مش مهمة.

وفي إحدى الليالي، وأنا بلم هدوم الأولاد، لقيت حمزة نايم وهو حاضن صورة أبوه، وعمر نايم جنبه ماسك طرف الصورة بإيده.

وقفت أبص عليهم، وافتكرت الجواب اللي كان مكتوب فيه إن خمس عيال حمل محدش يقدر عليه.

لكن الحقيقة إن الحمل ما كانش في وجود العيال، ولا في عددهم، ولا في مصاريفهم بس. الحمل الحقيقي كان في الخوف اللي أحمد خباه، وفي الأسرار اللي ما اتقالتش، وفي الشك اللي دخل بين اتنين كان المفروض يواجهوا الدنيا مع بعض.

أما أنا، فكنت عارفة إن الطريق لسه طويل، وإن الثقة مش بترجع بمجرد الاعتذار، وإن أولادي محتاجين يشوفوا أفعال ثابتة قبل ما يصدقوا أي وعد.

وفي صباح يوم الجمعة، بعد ما أحمد بدأ يتحسن، جه البيت بدري، ومعاه كيس كبير فيه فطار الأولاد اللي بيحبوه.

فتحوا الباب، ولما شافوه، التوأم جريوا عليه، ومريم فضلت تناديه، ويوسف ابتسم لأول مرة من غير ما يسأله هيمشي إمتى.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى