
أما فاطمة، فوقفت عند الباب تراقبه.
أحمد قرب منها وقال: صباح الخير يا فاطمة.
ردت بهدوء: صباح الخير يا بابا.
مد إيده ناحيتها، لكنها ما جريتش تحضنه زي زمان. اكتفت إنها تقرب وتقعد جنبه، وبعد شوية بدأت تحكيله عن المدرسة.
كان واضح إن المسافة بينهم لسه موجودة، لكن كان واضح برضه إنها بدأت تسمح له يحاول.
وبعد الفطار، أحمد طلب مني نتكلم لوحدنا.
وقفنا في المطبخ، وقال: أنا عارف إنك لسه مش واثقة فيا، وعارف إنك ممكن تفتكري كل اللي حصل كل ما تشوفيني. بس أنا عايزك تعرفي إنني مش ههرب تاني.
بصيتله وقلت: ما تقولش كلام كبير يا أحمد. قوللي بس لو بكرة خفت، هتعمل إيه؟
رد من غير تردد: هقولك إني خايف.
سألته: ولو حسيت إنك مش قادر تصرف على البيت؟
قال: هقعد معاكي ونحسبها سوا، ونشوف نقدر نعمل إيه.
قلت: ولو حد جه قالك عني كلام؟
قال: هسألك إنتي الأول، قبل ما أصدق أي حد.
سكت شوية، وبعدها قلتله: ولو في يوم رجعت لنفس اللي كنت عليه، مش هقدر أعديها بسهولة.
قال: فاهم.
ما حضنتوش، وما قلتلوش إني سامحته، لكني حسيت لأول مرة إن الكلام اللي بيقوله ممكن يكون بداية حقيقية، لو قدر يلتزم بيه.
وبعد ما مشي، فاطمة دخلت المطبخ، ووقفت جنبي.
قالت: ماما، هو بابا ممكن يرجع زي زمان؟
بصيتلها وابتسمت بحزن وقلت: مش عارفة يا حبيبتي، بس اللي أعرفه إننا مش هنرجع زي زمان بالضبط. إحنا اتغيرنا، واتوجعنا، واتعلمنا حاجات كتير. لو هنرجع، هنرجع بشكل أحسن، مش هنرجع نعيش نفس الغلطات.
فاطمة حضنتني وقالت: أنا بس مش عايزاكي تعيطي لوحدك تاني.
ضمّيتها لصدري، وقلت لها: وأنا مش هسيب نفسي أضيع تاني يا فاطمة. إنتوا مش مسؤولين عن سعادتي، ولا مطلوب منكم تصلحوا اللي بيني وبين بابا. إنتوا مسؤوليتكم تعيشوا طفولتكم وتتعلموا وتفرحوا، وأنا هفضل أمكم اللي بتحبكم مهما حصل.
وبعد سنة كاملة، كانت حياتنا اتغيرت بطرق كتير. أحمد استمر في علاجه، ورجع يشتغل في شغل يناسب ظروفه، وأنا وسعت شغلي من البيت وبقيت بجيب طلبات أكتر. الأولاد كبروا، وكل واحد فيهم بدأ يستعيد إحساسه بالأمان بطريقته.
أنا وأحمد ما رجعناش لبعض في يوم وليلة، لكن بعد شهور من الالتزام والوضوح، وبعد ما جلسنا مع مختص أسري يساعدنا نتكلم من غير اتهامات، قررنا ندي زواجنا فرصة جديدة، بشروط واضحة تحفظ حقي وحق الأولاد، وباتفاق إن أي مشكلة ما تتسابش لحد ما تتحول لكارثة.
وفي أول ليلة رجع فيها أحمد يقعد معانا لحد الصبح، كان التوأم نايمين في أوضتهم، ومريم نامت وهي ماسكة إيده، ويوسف فضل يحكيله عن المدرسة، وفاطمة كانت بتذاكر على السفرة.
وقفت عند باب الصالة أبص للمشهد، وافتكرت الجواب اللي بدأ كل الوجع.
افتكرت اللحظة اللي كنت واقفة فيها لوحدي، والورقة بتترعش في إيدي، وأنا مش عارفة هأكل خمس عيال إزاي، ولا هأشرح لهم غياب أبوهم إزاي، ولا هأقدر أكمل من غيره إزاي.
لكنني كملت.
ما كملتش عشان كنت أقوى ست في الدنيا، ولا عشان ما كنتش بخاف، لكن عشان كل مرة كنت ببص لعيالي، كنت بلاقي سبب أقوم عشانه.
وفي آخر الليل، أحمد قرب مني وقال: نوال، فاكرة أول مرة قلتلك فيها إنك نعمة ربنا ليا؟
بصيتله وقلت: فاكرة.
قال: أنا وقتها كنت فاكر إن الحب معناه إني أفرحك بالكلام، وأجيبلك اللي تقدري عليه، وأخليكي مطمنة طول ما الدنيا سهلة. لكن لما الدنيا صعبت، اكتشفت إني ما كنتش بعرف أحب بالطريقة الصح.
سألته: وإيه الطريقة الصح؟
قال: إني ما أهربش لما أخاف، وما أخليش خوفي يتحول لوجع في قلبك، وما أنسى إن البيت مش حيطان وفلوس، البيت ناس بتسند بعضها حتى وهي مش عارفة الحل.
بصيتله فترة طويلة، وبعدها قلت: أنا مش هنسى اللي حصل يا أحمد، لكن مش هخلي اللي حصل هو كل حياتنا. هنكمل، بس كل واحد فينا لازم يفتكر إن الثقة أمانة، وإن الأولاد دول مش حمل على حد، دول خمس أرواح ربنا ائتمننا عليهم.
هز راسه، ودموعه لمعت في عينيه.



