روايات وقصص

زهرة الربيع

وفي اللحظة دي، فاطمة خرجت من أوضتها، وكانت سمعت آخر كلامنا.

بصت لأبوها وقالت: بابا، ممكن بكرة تيجي تحضرلي حفلة المدرسة؟

أحمد ابتسم وقال: طبعًا يا حبيبتي، هاجي.

قالتله: طب اوعدني إنك مش هتنسى.

بصلي، وبعدها رجع بص لها وقال: مش هوعدك بالكلام بس، هكتب الميعاد عندي، وهجهز نفسي من النهارده، وهكون موجود بإذن الله.

فاطمة ابتسمت ابتسامة صغيرة، ورجعت أوضتها.

أما أنا، ففضلت واقفة في مكاني، وفهمت إن أصعب حاجة في الحياة مش إن حد يمشي ويسيبك، لكن إنك تعرفي إزاي تحمي قلبك وقلوب أولادك بعد ما يرجع.

لأن الرجوع مش معناه إن كل حاجة اتصلحت، والاعتذار مش معناه إن الوجع اختفى، والحب مش معناه إننا نقبل أي حاجة من غير حدود.

وفي صباح اليوم التالي، وأنا بجهز الفطار، لقيت ورقة صغيرة على السفرة، مكتوب فيها بخط أحمد:

«صباح الخير يا نوال. أنا عارف إن الكلام عمره ما هيصلح اللي كسرته، لكن النهارده هبدأ أصلح بالفعل. ميعاد حفلة فاطمة الساعة عشرة، ومش هتلاقيني غايب».

ابتسمت رغم كل حاجة، وحطيت الورقة في درج المطبخ.

مش لأنها مسحت اللي فات، لكن لأنها كانت أول ورقة يكتبها لي من شهور، ما كانش فيها تهديد ولا خوف ولا هروب.

كانت مجرد وعد صغير، وأنا كنت مستعدة أراقب الأيام عشان أعرف إذا كان الوعد ده هيبقى حقيقة.

وفي الساعة عشرة إلا ربع، أحمد كان واقف قدام المدرسة، مستني فاطمة.

ولما شافته من بعيد، جريت عليه لأول مرة من يوم ما سابنا، وحضنته وهي بتعيط.

وأنا كنت واقفة على بعد خطوات، شايفة بنتي بتحضن أبوها، وحاسة إن قلبي لسه موجوع، لكنه أخيرًا بقى قادر يتنفس.

ساعتها عرفت إن حياتنا مش هترجع زي الأول، لكن ممكن نكتب لها بداية جديدة، بداية ما يكونش فيها حد مضطر يشيل كل الحمل لوحده، ولا طفل ينام وهو خايف إن أبوه يختفي الصبح.

أما الجواب القديم، اللي كان مكتوب فيه «حطيهم في دار أيتام، ده حمل محدش يقدر عليه»، فاحتفظت بيه في ظرف بعيد عن عيون الأولاد.

ما احتفظتش بيه عشان أفتكر أحمد وأكرهه، ولا عشان أذلّه بيه في يوم، لكن عشان ما أنساش أبدًا اللحظة اللي اضطرّيت فيها أكتشف قوتي، وأفهم إن الأمومة مش مجرد تضحية، وإن الحب الحقيقي ما ينفعش يكون على حساب الأمان والكرامة.

ومن يومها، كل ما حد يسألني إزاي قدرت أربي خمس عيال لوحدي في أصعب فترة، أبتسم وأقول إن ربنا بيبعت للإنسان قوة ما كانش يعرف إنها موجودة جواه، وإن العيال اللي ناس ممكن تشوفهم حمل تقيل، هما نفسهم اللي ممكن يكونوا سبب إنك تقفي على رجلك لما الدنيا كلها تقع.

لكن فيه حاجة واحدة عمري ما نسيتها.

في الليلة اللي أحمد رجع فيها من المستشفى لأول مرة، بعد ما الأولاد ناموا، قعد قدامي وقال: نوال، أنا عارف إنك وقفتي جنبي رغم كل اللي عملته، بس فيه سؤال لازم أسأله لنفسي قبل ما أطلب منك أي حاجة.

قلتله: إيه هو؟

قال: لو كنتي إنتي اللي تعبتي، وأنا اللي كنت سليم، هل كنت هسيبك؟

بصيتله، وقلت بهدوء: أنا ما أقدرش أجاوب عنك يا أحمد، لأن الإجابة مش كلام بيتقال بعد ما الأزمة تعدي. الإجابة كانت هتظهر في اللحظة اللي كنت هتختار فيها بين خوفك وبين مسؤوليتك.

نزل راسه، وما ردش.

وأنا كملت: اللي فات مش هيتغير، لكن اللي جاي لسه في إيدينا. أنا مش محتاجة منك تبقى بطل، ولا محتاجة منك تحل كل مشاكل الدنيا. أنا محتاجة منك تبقى صادق، وتبقى موجود، ولو ضعفت تقول إنك ضعفت بدل ما تسيبنا نواجه غيابك من غير تفسير.

رفع عينيه ليا، وقال: هحاول كل يوم أكون الراجل اللي تستحقيه إنتي والعيال.

قلتله: خليك الراجل اللي أولادك يقدروا يعتمدوا عليه، وبعدها الأيام هي اللي هتجاوب على باقي الأسئلة.

وفي صباح اليوم التالي، صحيت على صوت ضحك التوأم في الصالة، وصوت مريم وهي بتقول لأبوها إنه لازم يرسم معاها بيت كبير فيه خمس شبابيك، شباك لكل طفل، وشباك لماما، وشباك لبابا.

وقفت عند باب الأوضة، ولقيت أحمد قاعد على الأرض بيرسم معاهم، وفاطمة ويوسف بيختلفوا على لون السقف.

للحظة، المشهد رجعني لسنين فاتت، لما كنا بنحلم ببيت مليان ضحك، لكن المرة دي كنت شايفة حاجة مختلفة.

ما كنتش شايفة أسرة كاملة من غير مشاكل، كنت شايفة أسرة بتحاول تتعلم إزاي تواجه مشاكلها من غير ما تكسر بعضها.

قربت منهم، ومريم رفعت الرسمة وقالتلي: بصي يا ماما، ده بيتنا الجديد.

أخدت الرسمة وبصيتلها، فلقيت البيت مرسوم بألوان كتير، والشبابيك كلها مفتوحة، وفي وسط البيت خمسة أطفال ماسكين إيدين بعض.

أما فوق الباب، فكانت كاتبة بخطها الصغير:

«محدش فينا حمل على التاني».

حضنتها، ودموعي نزلت من غير ما أحاول أخبيها.

لأن الجملة اللي بنتي كتبتها ببراءة، كانت هي الحقيقة اللي احتجنا شهور طويلة عشان نتعلمها.

ويمكن أحمد ما كانش هيقدر يمسح اللي عمله، ويمكن أنا ما كنتش هنسى الجواب اللي كسرني، لكن أولادي كانوا بيكبروا، وبيتعلموا إن البيت مش مكان الناس فيه بتفضل مع بعض غصب عنها، ولا مكان حد بيهرب أول ما الدنيا تضيق.

البيت هو المكان اللي الناس فيه بتختار تواجه، وتتكلم، وتتحمل مسؤوليتها، وتعتذر لما تغلط، وتصلح اللي تقدر عليه.

وأنا، نوال، بعد 13 سنة من الزواج، اكتشفت إن أصعب امتحان للحب مش الأيام الحلوة، ولا الضحك، ولا الوعود اللي بنقولها وإحنا مطمنين.

أصعب امتحان هو اللحظة اللي الدنيا فيها بتقفل أبوابها، والإنسان بيكون قدامه اختيارين: يا إما يهرب ويسيب اللي بيحبهم يواجهوا المصير لوحدهم، يا إما يعترف إنه خايف، ويمد إيده ليهم، ويطلب منهم يساعدوه يقف من جديد.

أحمد اختار الهروب، وأنا اخترت إني ما أسمحش لهروبه إنه ينهي حياتي أو يسرق طفولة أولادي.

أما إذا كنت سامحته فعلًا، فده كان سؤال ما جاوبتش عليه بكلمة واحدة.

سيبت الأيام تجاوب عنه، وسيبت أفعاله تثبت إذا كان يستحق فرصة جديدة، لأن الحب ممكن يفضل موجود رغم الجرح، لكن الثقة لازم تتبني من أول وجديد، خطوة بخطوة، لحد ما القلب يصدق إن الأمان رجع.

وفي آخر اليوم، لما الأولاد ناموا، أحمد وقف عند باب الشقة وقاللي: تصبحوا على خير.

قبل ما يخرج، بصلي وقال: نوال، أنا مش عايزك تنسي اللي حصل، بس أتمنى في يوم لما تفتكريه، ما تفتكريش بس اللحظة اللي سبتكم فيها. أتمنى كمان تفتكري إني فضلت أحاول أصلح اللي كسرته، حتى لو أخدت مني سنين.

ما رديتش فورًا.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى