روايات وقصص

زهرة الربيع

بصيت ناحية أوضة الأولاد، وبعدها رجعت بصيتله وقلت: الأيام يا أحمد، الأيام هي اللي هتثبت كل حاجة.

خرج بهدوء، وقفلت الباب وراه، لكن المرة دي ما وقفتش أعيط قدام الباب زي أول يوم.

رجعت لأوضة الأولاد، غطيت حمزة وعمر، وبوست مريم على جبينها، وعدلت الغطا على يوسف، وبعدها وقفت عند سرير فاطمة اللي كانت لسه صاحية.

همستلي: ماما، إحنا هنكون بخير؟

حضنتها وقلت: أيوه يا حبيبتي، هنكون بخير بإذن الله، سواء الدنيا مشيت زي ما إحنا عايزين أو لأ. إحنا مع بعض، وربنا معانا، ومش هنسمح للخوف إنه ياخد مننا أكتر من اللي أخده.

غمضت فاطمة عينيها، وبعد شوية نامت.

أما أنا، فخرجت للبلكونة وبصيت للشارع الهادي، وافتكرت أول يوم قريت فيه جواب أحمد، لما كنت فاكرة إن حياتي انتهت، وإن خمس عيال بقوا حمل فوق طاقتي، وإن مفيش طريق أقدر أكمله.

لكنني كنت غلطانة.

حياتي ما انتهتش يوم أحمد مشي، وحياتي ما بدأتش ترجع يوم أحمد اعتذر.

حياتي فضلت مستمرة في كل مرة قمت فيها أجهز الفطار، وفي كل مرة اشتغلت عشان أوفر مصاريف المدرسة، وفي كل مرة حضنت طفل من أولادي وهو خايف، وفي كل مرة اخترت أواجه يوم جديد رغم إني كنت تعبانة.

وعرفت إن أحيانًا الإنسان بيكتشف نفسه في أسوأ لحظة، مش لأنه كان ضعيف قبلها، لكن لأنه ما كانش مضطر يعرف هو قادر على إيه.

ومن يومها، بقيت أقول لنفسي إن أولادي مش حمل على رقبتي، وإن وجودهم مش سبب ضياعي، وإن أي حد يختار يبعد عنهم هو اللي خسر فرصة إنه يعيش معاهم أجمل سنين عمرهم.

أما أنا، فهفضل أمهم، وهفضل أتعلم وأشتغل وأكبر معاهم، وهفضل أدي قلبي فرصة يفرح، لكن مش هسلمه تاني من غير ما أشوف الأمان في الأفعال.

لأن نوال اللي قرأت جواب دار الأيتام وهي منهارة، ما بقتش نفس نوال اللي وقفت بعدها وشالت مسؤولية خمس عيال.

الأولى كانت فاكرة إنها ما تقدرش تعيش من غير أحمد.

أما التانية، فعرفت إنها تقدر تعيش، وتقدر تنجح، وتقدر تحب أولادها وتحميهم، وتقدر حتى تدي فرصة جديدة للي غلط فيها، لكن من غير ما تنسى نفسها.

وفي آخر ليلة من السنة، جمعت أولادي حواليا، وكل واحد قال أمنية نفسه تتحقق في السنة الجديدة.

فاطمة تمنت تنجح وتدخل الكلية اللي بتحلم بيها، ويوسف تمنى يبقى لاعب كرة، ومريم تمنت تتعلم الرسم، وحمزة وعمر تمنوا نفس الأمنية، وهي إن بابا يفضل ييجي يلعب معاهم.

ولما جه دوري، بصيت لوشوشهم وقلت: أتمنى إننا نفضل دايمًا نحب بعض، ونقول الحقيقة لبعض، وما نخليش أي مشكلة تفرقنا قبل ما نحاول نحلها.

وبعد ما الأولاد ناموا، فتحت الدرج اللي كنت مخبية فيه جواب أحمد القديم، وقرأته مرة أخيرة.

طويته بهدوء، وحطيته في ظرف، وقفلت الدرج.

ما كانش ده معناه إني نسيت، ولا معناه إن كل حاجة بقت سهلة.

كان معناه إني قررت ما أخليش أسوأ لحظة في حياتي تتحكم في كل اللي جاي.

ومن ورا باب أوضة الأولاد، سمعت صوت مريم وهي نايمة بتنادي: ماما.

دخلت بسرعة، لقيتها بتبتسم وهي نايمة، قربت منها وبوستها، وهمست:

أنا هنا يا حبيبتي، ومش هسيبكم.

وفي اللحظة دي، فهمت إن الجواب اللي بدأ بكلمة «متدوريش عليا» انتهى بالنسبة لي بقرار مختلف تمامًا.

أنا مش هفضل أدور على الراجل اللي كان أحمد زمان، ولا هقضي عمري مستنية يرجع الشخص اللي وعدني بيه في أول جوازنا.

أنا هبص للراجل اللي قدامي دلوقتي، وأشوف إذا كان قادر يكون أب وزوج يتحمل مسؤولية اختياراته، وهدي نفسي الحق في إني أختار من غير خوف.

أما أولادي الخمسة، فهفضل أفكرهم كل يوم إنهم نعمة، وإنهم مش مسؤولين عن أخطاء أبوهم ولا عن تعبي، وإن قيمتهم مش مرتبطة بقدرة أي حد على تحملهم.

لأن في يوم من الأيام، أبوهم كتب إنهم حمل محدش يقدر عليه.

لكن الأيام أثبتتلي إنهم كانوا السبب اللي خلاني أقف لما وقعت، وأكمل لما افتكرت إن الطريق انتهى، وأكتشف إن القوة اللي كنت بدور عليها في جوزي طول السنين دي، كانت موجودة جوايا من البداية.

ويمكن أحمد رجع يطلب فرصة، ويمكن أنا قررت أديها له، لكن الحاجة الوحيدة اللي اتغيرت للأبد إن نوال ما بقتش الست اللي بتخاف من إن حد يمشي ويسيبها… لأنها عرفت إنها حتى لو اتسابِت، تقدر تقف على رجليها، وتحمي ولادها، وتبدأ من جديد.

9 من 9التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى