روايات وقصص

ممرضه حكايات صافي هاني

لا صوت الأجهزة.

ولا صوت الممرضين.

ولا حتى صوتي وأنا بصرخ.

كنت باصة لوشها، ومستنية تفتح عينيها وتقولي إنها كانت بتهزر، وإننا هنروح البيت.

لكنها ما فتحتش عينيها تاني.

ومن اليوم ده، مريم كمال اللي كانت بتحاول تعيش بشرف، بقت ست بتدور على الحقيقة وسط ناس قرروا إنهم يقدروا يشتروا كل حاجة.

بعد وفاة أمي، اختفيت من القاهرة.

سيبت شغلي، وبيتي، وكل حاجة كانت بتربطني بحياتي القديمة.

ما كانش معايا غير شنطة صغيرة، وفلوس قليلة، ووشم التاج الأسود على معصمي.

الوشم ما كانش علامة عصابة، ولا رمز جريمة.

كان علامة لفريق حماية خاص كنت اتدربت معاه فترة طويلة، فريق كان بيشتغل على تأمين الأشخاص وجمع المعلومات في القضايا المالية الحساسة، تحت إشراف قانوني.

التاج الأسود بطرفه المكسور كان شعار المجموعة القديمة.

مجموعة اتفككت بعد اللي حصل في ليلة الخميس، واتحول أفرادها بين اللي سابوا البلد، واللي غيروا شغلهم، واللي اختاروا يسكتوا خوفًا على عائلاتهم.

كنت واحدة من أصغر أفراد المجموعة، لكني كنت الأسرع في الملاحظة، والأقدر على قراءة تصرفات الناس.

ومع الوقت، بقيت أعرف أدافع عن نفسي.

لكن ما فيش تدريب في الدنيا يقدر يجهزك لفقدان أمك.

في أوضة المستشفى، خلص محمود حكايته، وساد الصمت.

أدهم كان باصص لأبوه كأنه أول مرة يشوفه.

قال بعد فترة طويلة:

«إنت بتقول إن الست دي خسرت أمها بسبب خلافاتك مع فؤاد؟»

محمود رد بصعوبة:

«بسبب سكوتي كمان.»

أدهم وقف فجأة.

«يعني إنت كنت عارف مين اللي ورا اللي حصل، وسكت تمن سنين؟»

محمود غمض عينيه.

«أيوه.»

أدهم حط إيده على راسه، وبدأ يمشي في الأوضة رايح جاي.

«إنت كنت بتقولي طول عمرك إنك بتحمي العيلة، وإنك بتعمل كل حاجة عشاننا. إزاي تسيب إنسانة تتدمر بالشكل ده؟»

محمود بصله.

«لأني كنت جبان.»

الكلمة نزلت على أدهم كأن أبوه صفعه.

«إنت؟»

«أيوه يا أدهم. أنا راجل قضيت عمري أبني شركات وأكبر ثروتي، ولما جه وقت أقول الحقيقة، خفت على اسمي وفلوسي وابني. قلت لنفسي إن السكوت هيحميكم، وإن الموضوع هينتهي مع الوقت. لكن الموضوع ما انتهيش، وكل يوم عدى وأنا ساكت كان بيزود الظلم اللي وقع على مريم.»

كنت واقفة جنب الباب، ودموعي بتنزل في صمت.

ما كنتش محتاجة أسمع اعتذار.

كنت محتاجة أمي.

ومهما قال محمود، مفيش كلام هيرجعها.

قلت له:

«أنا مش جاية آخد منك فلوس، ولا عايزة تعوضني عن السنين اللي ضاعت. أنا عايزة أعرف مين اللي قرر إن أمي تدفع تمن حاجة ما تعرفش عنها أي حاجة.»

محمود هز راسه.

«هقولك كل حاجة.»

لكن أدهم قاطعه:

«مش قبل ما نعرف مين اللي بعت الرسائل لمريم النهارده.»

طلع موبايله ووراه رسالة مجهولة وصلته من دقائق.

كانت صورة ليا وأنا خارجة من المصعد في المستشفى، وتحتها كلام قصير:

«لو أبوك اعترف، مش هتشوفه تاني.»

أدهم رفع عينيه لأبوه.

«حد بيراقبنا من جوه المستشفى.»

محمود وشه اتغير.

«اقفل الموبايل.»

«ليه؟»

«اقفله يا أدهم!»

أدهم قفله فورًا.

وبعدين بصلي.

«إنتِ عندك فكرة مين ممكن يكون عمل كده؟»

قلت:

«عندي أكتر من احتمال، لكن مش هتهم حد من غير دليل.»

أدهم سكت، وبعدها قال:

«أنا آسف.»

بصيت له باستغراب.

كمل:

«على اللي حصل الصبح. أنا اتعاملت معاكي بطريقة سيئة، وهددتك، وكنت فاكر إن كل حاجة بتتحل بالصوت العالي والفلوس.»

قلت له:

«اعتذارك مش هيمسح اللي حصل، لكنه بداية كويسة لو كنت جاد.»

هز راسه.

«أنا جاد.»

في اللحظة دي، دخلت الدكتورة سارة بعد ما خبطت على الباب.

«معلش، لازم أطلب منكم تخرجوا شوية. حالة الحاج محمود محتاجة راحة.»

محمود مسك إيدي قبل ما أمشي.

«مريم، استني.»

بصيت له.

قال:

«فيه حاجة لازم تشوفيها.»

أشار لأدهم، اللي فتح درج الكومودينو وطلع مفتاح صغير مربوط بسلسلة قديمة.

محمود قال:

«المفتاح ده لخزنة في بيتي. جواها صورة التاج، ونسخة من رسالة كنت محتفظ بيها من ليلة الخميس. أنا ما قدرتش أواجهك بيها قبل كده.»

أخدت المفتاح، لكني ما حطيتوش في جيبي.

قلت:

«هشوفها، لكن مش لوحدي، ومش من غير ما نعرف إن كل حاجة هتتعمل بطريقة قانونية.»

أدهم رد بسرعة:

«أنا هكون معاكي.»

بصيت له.

«أنا مش محتاجة حارس.»

قال:

«عارف. لكنك محتاجة حد يشهد على اللي هنلاقيه.»

ما كانش عندي اعتراض.

خرجنا من الأوضة، وكل واحد فينا شايل سؤال أكبر من اللي دخل بيه.

لكن اللي ما كنتش أعرفه، إن الشخص اللي بعت الرسالة ماكانش بعيد عننا.

كان واقف في آخر الممر، وبيتابعنا من انعكاس الزجاج.

ولما شاف المفتاح في إيدي، طلع موبايله وبعت رسالة واحدة:

«المفتاح ظهر. لازم نتحرك قبل ما توصل للخزنة.»

تاني يوم الصبح، خرجت من المستشفى بعد ما خلصت شيفتي، لكني ما رجعتش البيت.

قابلت أدهم قدام البوابة.

كان واقف من غير العربية الفارهة اللي كان بييجي بيها كل يوم، ولابس قميص بسيط، وشكله مرهق كأنه ما نامش.

قال:

«جاهزة؟»

قلت:

«قبل ما نروح، عايزة أعرف حاجة.»

«اتفضلي.»

«إنت ليه مهتم تعرف الحقيقة دلوقتي؟ عشان أبوك خايف؟ ولا عشان اسم عيلتك ممكن يتأثر؟»

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى