روايات وقصص

ممرضه حكايات صافي هاني

سكت شوية، وبعدها قال:

«فيه سببين. الأول إن أبويا غلط، ولازم يصلح غلطه. والتاني إن طول عمري كنت فاكر إن نجاحه معناه إنه ما بيغلطش. لما سمعت حكايِتك، اكتشفت إني ما كنتش أعرف عنه كل حاجة.»

بصيت له بتمعن.

«والسبب التالت؟»

ابتسم ابتسامة حزينة.

«لأني لو كنت فضلت الشخص اللي كنت عليه امبارح، كنت هبقى نسخة من الناس اللي ظلموكي.»

ما رديتش.

ركبت معاه، واتحركنا ناحية بيت العيلة في الزمالك.

طول الطريق، أدهم كان ساكت، وكل شوية يبص للمراية كأنه بيتأكد إن محدش ماشي ورانا.

قلت له:

«إنت متوتر.»

قال:

«أنا طول عمري ما كنتش بخاف من حاجة. لكن دلوقتي حاسس إن فيه حاجات كتير ما أعرفهاش، وده مخليني أفكر في كل خطوة.»

قلت:

«الخوف مش عيب. العيب إنك تخليه يقرر بدل منك.»

بصلي بسرعة.

«إنتِ بتتكلمي كأنك اتعلمتي ده بالطريقة الصعبة.»

رديت وأنا باصة من الشباك:

«أنا اتعلمت حاجات كتير بالطريقة الصعبة.»

وصلنا البيت بعد حوالي نص ساعة.

كان بيت كبير، بابه خشب تقيل، وحواليه جنينة واسعة.

استقبلتنا مدبرة المنزل، الست فاطمة، اللي أول ما شافت أدهم سألت عن الحاج محمود.

طمنها إنه في المستشفى، وبعدها طلب منها تفتح المكتب القديم.

دخلنا المكتب، وكان مليان مكتبات وصور عائلية.

أدهم وقف قدام صورة أبوه وهو شاب، وقال:

«أنا كنت فاكر إن كل أسرار البيت ده تخص شغل العيلة بس.»

قلت له:

«أوقات أخطر الأسرار بتكون في الحاجات اللي الناس بتفتكر إنها عادية.»

طلع المفتاح، وفتح درج صغير في مكتب أبوه.

جواه كان فيه ظرف بني قديم، وصورة مطبوعة، ودفتر ملاحظات.

أخدت الصورة الأول.

كانت صورة لاجتماع قديم، فيه محمود وفؤاد وثلاثة رجال تانيين.

لكن على ظهر الصورة، كان فيه اسم مكتوب بخط إيدي.

«مريم كمال.»

قلبت الصورة.

ولقيت نفسي واقفة في طرف القاعة، بعيدة عن المجموعة، شايلة ملف الحسابات.

قلت:

«الصورة دي اتصورت في يوم الاجتماع الأخير.»

أدهم قرب مني.

«يعني حد كان بيراقبك من وقتها؟»

«واضح كده.»

فتحت الظرف.

كان جواه خطاب مكتوب بخط محمود.

«إلى من يهمه الأمر، أقر بأن مريم كمال لم تتورط في أي مخالفة مالية، وأن ما توصلت إليه من ملاحظات يستحق التحقيق. وأتحمل مسؤوليتي عن تأخري في الإبلاغ عن الشبهات المحيطة بالمشروع.»

رفعت عيني لأدهم.

«أبوك كتب اعتراف ببراءتي من تمن سنين؟»

هز راسه.

«واضح إنه كان عايز يقول الحقيقة، لكنه ما بعتش الخطاب.»

قلبت الورقة، ولقيت ملاحظة بخط تاني.

«أي محاولة لإعادة فتح الموضوع ستؤدي إلى كشف أسماء لا يريد أحد ظهورها.»

أدهم شد الورقة من إيدي، وقراها مرتين.

«مين كتب الكلام ده؟»

بصيت للخط.

كنت أعرفه.

قلبي بدأ يدق بسرعة.

قلت:

«الخط ده مش غريب عليا.»

أدهم سألني:

«تعرفيه؟»

هزيت راسي ببطء.

«أيوه. شفته قبل كده في أوراق الشركة.»

حاولت أفتكر الاسم، لكن ذاكرتي كانت بترجعني لليلة الخميس، لصوت الباب، ولأمي وهي بتقول لي ما أتأخرش.

غمضت عيني لحظة، وبعدها افتكرت.

«كمال عزمي.»

أدهم عقد حواجبه.

«مين كمال عزمي؟»

قلت:

«كان المستشار المالي للمشروع. الراجل اللي كان بيراجع العقود قبل ما تتوقع.»

أدهم رجع خطوتين.

«كمال عزمي مستشار العيلة من أكتر من عشرين سنة.»

بصيت له.

«يعني لسه قريب من أبوك؟»

رد بصوت واطي:

«قريب جدًا.»

قبل ما نكمل كلامنا، سمعنا صوت الباب الخارجي بيتفتح.

دخلت الست فاطمة وهي بتقول:

«أستاذ أدهم، الأستاذ كمال بره، وبيقول لازم يقابلك حالًا.»

بصينا لبعض.

أدهم همس:

«إحنا ما قلناش لحد إننا جايين هنا.»

قفلت الظرف بسرعة، وحطيته في شنطتي.

أدهم خرج للممر، وأنا وراه.

كان كمال عزمي واقف في الصالة، لابس بدلة رمادي، وشعره الأبيض مرتب، وملامحه هادية بشكل غريب.

أول ما شافني، ابتسم.

«يا أهلا يا أستاذة مريم.»

ما رديتش على ابتسامته.

قلت:

«حضرتك تعرفني؟»

قال:

«مين ما يعرفش مريم كمال؟»

أدهم وقف بيننا.

«إنت جيت هنا ليه يا أستاذ كمال؟»

كمال بص له.

«سمعت إن والدك تعبان، فقلت أطمن عليه. ولما عرفت إنك خرجت من المستشفى، حبيت أتكلم معاك في موضوع مهم.»

أدهم سأله:

«موضوع إيه؟»

كمال بص ناحيتي، وبعدها قال:

«موضوع الماضي اللي الأفضل يفضل في الماضي.»

قلت:

«الماضي ما بيبقاش ماضي لمجرد إن الناس تقرر تسكت عنه.»

ابتسامته اختفت.

«لسه عندك نفس الإصرار يا مريم.»

رديت:

«ولسه عندي نفس الأسئلة.»

كمال حط إيده في جيب بدلته.

«أنا مش جاي أهددك. أنا جاي أنصحك. اللي حصل زمان كان مؤلم للجميع، لكن إعادة فتح الموضوع مش هترجع اللي راح.»

قلت له:

«ولا السكوت هيرجع اللي راح.»

سكت لحظة، وبعدين بص لأدهم.

«أبوك مش في حالة تسمح له يتحمل ضغوط. نصيحتي ليك، ركز في صحته وسيب الأمور القديمة لأصحابها.»

أدهم رد بثبات:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى