روايات وقصص

ممرضه حكايات صافي هاني

«مريم من أصحاب الموضوع، وهي أكتر واحدة اتأذت منه. ولو فيه حاجة تثبت إنها اتظلمت، هنعمل كل اللي نقدر عليه عشان الحقيقة تظهر.»

كمال بص له طويلًا، وبعدها ابتسم ابتسامة باردة.

«واضح إنك اتغيرت في يوم واحد يا أدهم.»

أدهم قال:

«أحسن ما أفضل زي ما أنا العمر كله.»

كمال ما ردش.

اكتفى إنه بصلي مرة أخيرة، وقال:

«خلي بالك من نفسك يا مريم. مش كل اللي بيبان إنه دليل، بيكون دليل.»

خرج من البيت، وساب وراه صمت تقيل.

أدهم قفل الباب، ولف ناحيتي.

«إحنا لازم نتحرك بسرعة.»

قلت:

«لأ. لازم نتحرك صح.»

طلعت الموبايل، واتصلت بمحامية كنت أعرفها من أيام شغلي القديم، اسمها نهى عبدالسلام.

لما ردت، قلت لها:

«نهى، أنا مريم كمال. محتاجة أقابلك في موضوع قديم، وعندي مستندات ممكن تكون مهمة.»

سكتت ثواني، وبعدها قالت بصوت متفاجئ:

«مريم؟ إنتِ فين من تمن سنين؟»

قلت:

«هحكيلك كل حاجة، بس محتاجة مساعدتك.»

قالت:

«تعالي مكتبي الساعة خمسة. وما تبعتيش أي مستندات على التليفون.»

قفلت المكالمة، وبصيت لأدهم.

«هنروح للمحامية. وكل ورقة هنلاقيها هتتراجع رسميًا.»

هز راسه موافق.

لكن قبل ما نخرج من المكتب، سمعت صوت حاجة بتتكسر في الدور اللي فوق.

أدهم جري ناحية السلم، وأنا وراه.

وصلنا لأوضة أبوه القديمة، ولقينا الشباك مفتوح، والستارة بتتحرك مع الهوا.

الدرج اللي كان فيه الظرف مفتوح.

والدفتر اختفى.

أدهم بصلي بصدمة.

«إحنا كنا هنا من دقايق!»

جريت ناحية الشباك وبصيت لتحت.

فيه عربية سودا كانت بتتحرك بعيد عن البيت.

ما شفتش السواق.

لكن شفت حاجة صغيرة وقعت على الأرض جنب الشباك.

انحنيت وخدتها.

كانت صورة قديمة لوالدتي.

الصورة اللي اختفت من بيتي في ليلة الخميس.

إيدي بدأت ترتعش.

على ظهر الصورة، كان فيه سطر مكتوب بقلم أزرق.

«لسه فاكرين إنكم هتوصلوا للحقيقة؟»

أدهم وقف جنبي، ولما شاف الصورة، ملامحه اتغيرت.

«مريم… الصورة دي جت منين؟»

ما رديتش.

كنت باصة لوش أمي، وحاسة إن الماضي اللي دفنته بإيدي رجع يفتح عينيه قدامي.

ولأول مرة من تمن سنين، ما كانش خوفي على نفسي.

كان خوفي إن الشخص اللي أذى أمي لسه بيتحرك بحرية، ولسه عنده القدرة يوصل لأي مكان.

وصلنا مكتب نهى عبدالسلام في الموعد.

كانت ست في أوائل الأربعينات، هادية في كلامها، وعينيها بتلاحظ كل تفصيلة.

أول ما شافتني، قامت من مكانها وفضلت باصة ليا كأنها مش مصدقة.

«مريم؟»

ابتسمت بحزن.

«أيوه يا نهى.»

قربت وحضنتني من غير ما تسأل أي سؤال.

فضلت ماسكاني شوية، وبعدها قالت:

«أنا كنت فاكرة إنك سافرتي ومش عايزة ترجعي.»

قلت:

«كنت بحاول أنجو.»

قعدنا، وحكيت لها كل اللي حصل، من اكتشاف الحسابات، لحد وفاة أمي، وظهور محمود الشناوي في المستشفى.

نهى سمعتني من غير مقاطعة، وبعدها طلبت تشوف المستندات.

طلعت الظرف والصورة والملاحظة اللي كنت صورتها قبل ما الدفتر يختفي.

قعدت تقرا بعناية.

بعد فترة، رفعت عيني وقالت:

«الخطاب ده مهم، لكنه لوحده مش كفاية. لازم نعرف هل فيه سجلات مالية أصلية، وهل فيه بلاغات قديمة أو محاضر اتعملت وقتها.»

قلت:

«أنا ما عملتش بلاغ رسمي، لأن بعد اللي حصل لأمي اختفيت، وما كانش معايا دليل كفاية.»

نهى هزت راسها.

«هنبدأ من الموجود. ومش هنتهم حد علنًا قبل ما نراجع كل حاجة. لو فيه جريمة، لازم الملف يوصل للجهة المختصة.»

أدهم كان قاعد ساكت، وبعدها قال:

«أنا هجيب أي مستندات تخص المشروع من الشركة.»

نهى بصت له.

«بشرط ما تدخلش على أي ملفات من غير تصريح، وما تحاولش تجمع أدلة بنفسك بطريقة ممكن تضر القضية.»

رد:

«مفهوم.»

نهى رجعت تبصلي.

«فيه حاجة تانية محتاجة أعرفها؟»

طلعت صورة أمي اللي لقيناها عند الشباك.

لما شافتها، وشها اتغير.

«الصورة دي كانت معاكي من زمان؟»

قلت:

«أيوه. اختفت ليلة وفاة أمي، وظهرت النهارده في بيت الشناوي.»

نهى فضلت باصة للصورة، وبعدها قالت:

«يبقى فيه حد عنده وصول لحاجات من ماضيكي، وبيحاول يخوفك. لازم تبلغي عن الرسائل والضغوط، وتحتفظي بكل نسخة.»

أخدت نفس طويل.

«أنا مش ههرب تاني.»

نهى ردت:

«مش مطلوب منك تثبتي شجاعتك لحد. المطلوب إنك تحمي نفسك، وتسيبي القانون ياخد مجراه.»

كانت أول مرة من سنين أحس إن فيه حد بيتكلم معايا من غير ما يطلب مني أكون قوية طول الوقت.

بعد ما خرجنا من المكتب، أدهم عرض يوصلني، لكني رفضت.

قلت له:

«أنا هروح البيت بنفسي.»

قال:

«أنا مش بحاول أتحكم فيكي.»

رديت:

«عارفة. لكن لازم أتعلم أعيش من غير ما أحس إن كل خطوة محتاجة حد يمشي جنبي.»

هز راسه.

«تمام. بس لو وصلك أي رسالة مقلقة، كلميني أو كلمي نهى فورًا.»

قلت:

«حاضر.»

اتحركت ناحية الشارع، لكن قبل ما أركب العربية، سمعته بينادي عليا.

لفيت.

كان واقف قدامي، ووشه جاد.

«مريم، أنا عارف إن اعتذاري مش كفاية. لكن من النهارده، مش هسمح لحد يستخدم اسم عيلتي عشان يخوفك أو يظلمك.»

بصيت له شوية، وبعدها قلت:

«ما توعدنيش بحاجة مش بإيدك. اعمل اللي تقدر عليه، وسيب الحقيقة تثبت الباقي.»

ابتسم ابتسامة صغيرة.

«اتفقنا.»

مرت أيام، وبدأنا نجمع خيوط القضية واحدة واحدة.

نهى قدرت توصل لسجلات قديمة تخص المشروع، واكتشفنا إن فيه شكوى مالية اتقدمت بالفعل من موظف سابق، لكنها اتقفلت بعد ما اختفى صاحب الشكوى عن الأنظار.

الشكوى كانت فيها نفس الملاحظات اللي أنا كتبتها.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى