
— طب وباباكي؟
— بابا نزل الشغل.
سارة سكتت لحظة، وبعدها سألتها:
— إنتِ لوحدك في البيت؟
— أيوه… ماما تعبانة بقالها كام يوم. النهارده حاولت أصحّيها، بس مش بترد عليّا كويس. ناديت عليها كتير، وهزّيتها، بس هي بتفتح عينيها شوية وتقفلهم تاني.
سارة حست إن الموضوع مش مجرد وجع بطن عند طفلة.
طفلة في السن ده لوحدها، وأم مش قادرة تفوق، وأعراض بتزيد بشكل واضح كل ثانية… كانت مهمة كانت مهمة.
قالت لها:
— بصي يا حبيبتي، أنا هبعتلك حد يساعدك. بس عايزاكي تفضلي معايا على الخط، اتفقنا؟
الطفلة ردّت بصوت خافت:
— حاضر.
وبعدين، من غير ما سارة تسألها، همست البنت بكلام غريب:
— بابا وصاحبه هما اللي عملوا فيّا كده.
إيد سارة وقفت فوق لوحة المفاتيح.
— إيه يا حبيبتي؟ ممكن تقوليلي تاني؟
البنت انفجرت في العياط.
— أنا قلت لبابا إني تعبانة! قلت له ياخدني للدكتور، بس هو اتعصّب عليّا وقالي مفيش حاجة، وإنّي بدلع. قالي أدخل أنام وأسكت.
— طيب، وصاحبه عمل إيه؟
الطفلة سكتت فترة طويلة.
كان واضح إنها خايفة، ومش عارفة تحكي إزاي.
— هو كان عندنا في البيت وبابا جاب لنا أكل. وبعدها ماما تعبت أكتر، وأنا كمان بطني وجعتني.
سارة ما ضغطتش عليها بأسئلة زيادة. ما كانتش عايزة تخوّفها أو تخلّيها تقفل المكالمة.
كل اللي كانت عايزاه إنها تتأكد إن عنوان البيت اتسجل صح، وإن المساعدة في الطريق.
وفي أقل من دقيقة، أرسلت بلاغًا عاجلًا للشرطة والإسعاف.
لكن قبل ما تنهي المكالمة، سمعت صوت الطفلة تاني:
— أرجوكي، متخليش بابا يزعل مني… أنا مش عايزة أعمل مشكلة. أنا بس عايزة بطني تبطل توجعني، وماما تصحى.
الكلام ده وجع قلب سارة أكتر من أي صرخة سمعتها قبل كده.
طفلة بتتألم، ومع ذلك لسه خايفة من زعل أبوها!
قالت لها بحنان:
— إنتِ ما عملتيش أي حاجة غلط يا حبيبتي. إنتِ شجاعة عشان طلبتي المساعدة، والناس جاية لك دلوقتي. أنا معاكي.
لكن سارة ما كانتش تعرف إن اللي مستني الضابط جوّه البيت هيحوّل البلاغ ده من حالة طبية عاجلة إلى واحدة من أخطر الوقائع اللي ممكن يتعامل معاها.
الفصل التاني: الضابط دخل البيت واكتشف أول دليل
بعد كام دقيقة، عربية الشرطة وقفت قدام بيت صغير من دور واحد، موجود في شارع هادي بعيد عن الزحمة.
الضابط آدم نزل من العربية بسرعة، وبص ناحية البيت وهو بيراجع العنوان اللي وصله من غرفة العمليات.
كان متوقع يلاقي طفلة تعبانة وأم محتاجة مساعدة طبية، لكن صوت الاستغاثة اللي اتنقل له في البلاغ خلاه ياخد الموضوع بجدية شديدة.
خبط على الباب مرة.
مفيش رد.
خبط تاني، وبدأ ينادي:
— شرطة! في حد جوّه؟
بعد لحظات، سمع صوت خطوات صغيرة بتقرب من الناحية التانية.
الباب اتفتح ببطء، وظهرت طفلة شقراء، لابسة فستان مشجّر بسيط، وحافية من غير جزمة.
كان وشها شاحب، وشعرها مبعثر، وإيديها الاتنين تقريبًا مش قادرة تبعد عن بطنها المنتفخة.
أول ما شافت الضابط، عينيها اتملَت بالدموع.
آدم نزل على ركبته عشان يبقى في مستواها، وقال بهدوء:
— إنتِ اللي اتصلتي بالنجدة يا حبيبتي؟
هزّت راسها.
— أيوه.
— برافو عليكي إنك طلبتي المساعدة. أنا اسمي آدم، وجاي عشان أساعدك. قوليلي اسمك إيه؟
قالت اسمها بصوت ضعيف.
— طيب يا حبيبتي، تقدري تمشي؟
حاولت تتحرك خطوة، لكنها اتأوهت من الوجع، وحطت إيديها على بطنها.
— مش قادرة… بتوجعني أوي.
آدم سندها برفق، وساعدها تقعد على الكنبة اللي كانت قريبة من باب البيت.
وبعدين نادى على زميله اللي كان لسه بيفحص محيط المنزل، وقال له يتأكد إن الإسعاف في الطريق.
رجع للطفلة وسألها:
— مامتك فين؟
أشارت بإيدها ناحية الممر.
— في الأوضة اللي هناك.
— طيب، هي واعية؟ بتتكلم معاكي؟
— مش قوي. أنا ناديت عليها كتير، بس هي مش قادرة تقوم.
آدم وقف، واتجه ناحية الغرفة، وهو بيحاول يفضل قريب من البنت وفي نفس الوقت يطمن على الأم.
دخل الأوضة، وأول ما شاف الست اللي على السرير، عرف إن الحالة أخطر مما كان متوقع.
كانت ست في حوالي خمسة وتلاتين سنة، وشها شاحب بشكل واضح، وشفايفها باهتة، ونفسها ضعيف.
نادى عليها:
— مدام، سامعاني؟ أنا ضابط شرطة. ممكن تفتحي عينيكي؟
الست حرّكت جفنها بصعوبة.
حاولت تتكلم، لكن ما خرجش من بقها غير صوت ضعيف جدًا.
آدم قرّب منها، وسألها:
— إنتِ تعبانة من إمتى؟
حاولت ترفع إيدها، لكن ما قدرتش.
كانت حالتها محتاجة تدخل طبي فوري، فآدم رجع ناحية الصالة وهو بينادي على زميله:
— الإسعاف لازم تدخل فورًا! عندنا حالتين، والأم حالتها مش مطمئنة.
في اللحظة دي، وصلت سيارة الإسعاف.
دخل المسعفون بسرعة، وبدأوا يفحصوا الأم والبنت.
واحد منهم اتجه للطفلة، والتاني بدأ يقيس العلامات الحيوية للأم.
آدم وقف بعيد شوية عشان يسيب لهم مساحة، لكن عينه كانت على البنت.
كانت بتحاول تبص ناحية أوضة أمها كل شوية، وكأنها خايفة إن أمها تختفي منها.
قرب منها وقال:
— ماتخافيش، الأطباء هيساعدوا مامتك. إنتِ كمان هتروحي المستشفى عشان يطمنوا عليكي.
مسكت إيده فجأة.
— هو بابا هييجي؟
السؤال كان بسيط، لكن آدم لاحظ الخوف اللي ظهر في عينيها وهي بتسأله.
ردّ بحذر:
— هنحاول نتواصل معاه. دلوقتي أهم حاجة إنك تتعالجي وتبقي كويسة.
لكن قبل ما المسعفين يشيلوا البنت على النقالة، افتكر آدم كلامها عن الأكل اللي أبوها جابه.
سألها:
— يا حبيبتي، إنتِ قلتي في التليفون إن بابا جاب لكم أكل، صح؟
هزّت راسها.
— أيوه.
— ممكن توريني الأكل ده فين؟




