روايات وقصص

بنت صغيره

أشارت ناحية المطبخ.

آدم دخل المطبخ، فشاف ترابيزة صغيرة عليها علبتين بلاستيك وزجاجة مية.

العلب كانت مفتوحة جزئيًا، وباقي فيها كمية من الأكل.

سأل البنت من مكانه:
— ده هو الأكل اللي بابا جابه؟

— أيوه، جابه امبارح. قال لماما وليّا لازم ناكله كله عشان أكل صحي.

— وبابا أكل معاكي؟

هزّت راسها بالنفي.
— لأ. قال إنه مش جعان.

— وصاحبه؟

— هو كمان ما أكلش.

آدم بص للعلب، وبعدها بص لزجاجة المية.

ما كانش عنده دليل إن الأكل هو السبب، لكنه ما قدرش يتجاهل إن الأم والبنت الاتنين تعبانين، وإن البنت نفسها ربطت بين بداية الوجع وبين الأكل اللي جابه أبوها.

طلب من زميله يمنع أي حد من لمس العلب أو نقلها، لحد ما يتم توثيقها وفحصها بالطريقة المناسبة.

وبعدين رجع ناحية البنت.

كانت المسعفة بتحاول تطمّنها، لكن البنت فضلت تسأل:
— هو أنا عملت حاجة غلط؟

آدم حس بغصة في حلقه.
— لأ يا حبيبتي. إنتِ ما عملتيش أي حاجة غلط. إنتِ عملتي الصح لما اتصلتي وطلبتي المساعدة.

بعد دقائق، خرجت عربيتا الإسعاف بالأم والبنت ناحية المستشفى، بينما آدم فضل في البيت مع فريق الشرطة عشان يتأكد إن كل حاجة اتوثقت بشكل سليم.

كان لسه عنده أسئلة كتير.
ليه الأم والبنت تعبوا في نفس الوقت تقريبًا؟
ليه الأب ساب بنته بالشكل ده من غير ما ياخدها لدكتور؟
وليه الطفلة كانت خايفة من رد فعله أكتر من خوفها من الوجع نفسه؟

لكن السؤال الأهم كان:
هل الأكل اللي على الترابيزة مجرد أكل عادي، ولا وراه سر ممكن يغيّر القضية كلها؟

الفصل التالت: في المستشفى الأطباء اكتشفوا إن الموضوع مش طبيعي
وصلت الأم والبنت المستشفى، واتنقلوا فورًا للفحص.

الدكاترة بدأوا يسألوا عن الأعراض، ويفحصوا الطفلة اللي كانت بتشتكي من ألم شديد في بطنها، مع انتفاخ واضح وضعف عام.

أما الأم، فكانت حالتها أكثر خطورة، لأنها كانت شبه فاقدة للوعي، وبتستجيب بصعوبة شديدة.

الدكتور المسؤول طلب تحاليل وفحوصات عاجلة، وبدأ الفريق الطبي يتعامل مع الحالة على إنها حالة خطرة محتملة، من غير ما يستبعد أي سبب تاني.

الممرضة اللي كانت مع الطفلة حاولت تتكلم معاها بهدوء.
— حبيبتي، إنتِ فاكرة آخر مرة أكلتي فيها إمتى؟

البنت ردّت:
— امبارح بالليل. بابا جاب لنا الأكل، وماما قالت لي آكل.

— وبعدها حسّيتي بتعب؟

— أيوه. الأول بطني وجعتني شوية، وبعدها الوجع زاد. وماما كانت تعبانة هي كمان.

— طب حصل قبل كده إنك تعبتي بالشكل ده؟

هزّت راسها.
— لأ.

الممرضة ما ضغطتش عليها بأسئلة أكتر، وسابت باقي التفاصيل للفريق المختص.

في الناحية التانية، الأطباء كانوا بيحاولوا يفهموا سبب التشابه الغريب بين الأعراض اللي ظهرت على الأم والبنت.

الاتنين عندهم ألم شديد في البطن، وغثيان، وضعف واضح، وحالتهم كانت بتشير إلى احتمال تعرضهم لمادة مؤذية.

ومع ذلك، ما كانش ينفع حد يتهم شخص بعينه قبل ظهور الأدلة.

في الوقت نفسه، الشرطة كانت بتحاول تتواصل مع الأب.

اتصل آدم بالرقم الموجود في بيانات الأسرة.

الرنة استمرت شوية طويلة، وبعدها ردّ راجل بصوت هادي:
— أيوه، مين معايا؟

— حضرتك والد الطفلة اللي اسمها كذا؟

— أيوه، أنا. في إيه؟

— أنا الضابط آدم من الشرطة. زوجتك وبنتك اتنقلوا المستشفى بسبب حالة صحية خطيرة، ومحتاجين نتكلم مع حضرتك.

سكت الرجل ثواني.

آدم كان متوقع يسمع صدمة أو خوف أو أسئلة كتير عن حالة مراته وبنته.

لكن الرد اللي سمعه كان مختلف.
— هما في أنهي مستشفى؟

آدم ذكر له اسم المستشفى.

وبدل ما يسأل عن تفاصيل حالتهم أو إذا كانوا محتاجين حاجة، قال الرجل:
— طيب، ممكن تخلّوهم هناك لحد بالليل؟ أنا مشغول في الشغل دلوقتي، ومش هقدر أجي فورًا.

آدم بص لزميله اللي كان واقف جنبه.

الجملة ما كانتش دليل على ارتكاب مخالفة، لكنه استغرب هدوء الرجل الشديد، خصوصًا بعد ما عرف إن بنته الصغيرة مش قادرة تمشي وإن مراته شبه فاقدة للوعي.

قال له:
— الحالة خطيرة يا فندم، والأفضل تيجي المستشفى في أقرب وقت. وفيه شوية أسئلة محتاجين نعرف إجابتها.

ردّ الرجل:
— حاضر، هحاول أجي لما أخلص.

وقفل المكالمة.

آدم دوّن كل اللي حصل، وقرر إنه يتكلم معاه بنفسه لما يوصل.

في المساء، ظهر الأب أخيرًا في المستشفى.

كان رجلًا في أواخر الثلاثينات، لابس قميصًا رسميًا وساعة غالية، ووشه بيحاول يظهر عليه القلق.

دخل الاستقبال وسأل عن زوجته وبنته.

الدكتور شرح له إن حالتهم خطيرة وإنهم تحت الملاحظة، وإن الفريق الطبي لسه بيحاول يحدد السبب الدقيق للأعراض.

الرجل هزّ راسه، وقال:
— أكيد أكلوا حاجة مش كويسة. يمكن عدوى في المعدة أو تأثير من مطعم.

آدم، اللي كان واقف قريب، سأله:
— حضرتك قلت إنهم أكلوا حاجة من بره؟

الأب اتردد لحظة.
— أيوه، يعني أنا جبت لهم أكل امبارح.

— منين بالضبط؟

الرجل حكّ ذقنه، وبعدين قال:
— من محل أكل عادي.

— اسم المحل إيه؟

— مش فاكر اسمه دلوقتي.

آدم سأله:
— عندك فاتورة الشراء؟ أو أي حاجة تساعدنا نعرف مصدر الأكل؟

الأب بدأ يتضايق.
— هو إنتوا بتسألوني كأني عملت مخالفة؟ أنا جوز الست دي وأبو البنت! أنا عايزهم يخرجوا من المستشفى وخلاص.

آدم ردّ بهدوء:
— إحنا بنحاول نعرف سبب الحالة عشان نحميهم، وده إجراء طبيعي. مفيش اتهام لحضرتك من غير دليل.

الرجل سكت، لكن ملامحه اتغيرت للحظة، وكأن السؤال ضايقه أكتر مما كان متوقع.

وبعدها رجع يتكلم بنبرة هادية:
— أنا كل اللي عايزه إنهم يبقوا كويسين.

لكن آدم كان بدأ يحس إن فيه حاجات كتير مش راكبة على بعضها.

الأب ما سألش عن تفاصيل العلاج إلا قليلًا، وكان بيركّز بصورة متكررة على سؤال واحد:
— إمتى ممكن يخرجوا؟

وفي نهاية الزيارة، طلب يعرف إذا كان ينفع ياخد بنته البيت لوحدها قبل ما أمها تتحسن.

الدكتور رفض، وأكد له إن خروج أي واحدة منهم مش هيحصل إلا بعد استقرار الحالة وموافقة الفريق الطبي.

الرجل خرج من المستشفى وهو بيحاول يحافظ على هدوئه.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى