
قالت: «الميراث هيتحل بالقانون. أما اللي اتكسر بينا، فمش كل حاجة ينفع تتصلح.»
وبصت لماما.
«أنا مش جاية أخد مكان حد في عيلته. ولا جاية أفرق بينك وبين ولادك. أنا كنت جاية أبني بيت مع ابنك، لكن اكتشفت إنه مش قادر يحترم حقي وأنا لسه خطيبته. أمال كنت هعمل إيه لو بقيت مراته؟»
ماما حاولت تقرب منها.
«يا بنتي، سامحيني.»
نهلة بصتلها طويلًا.
«أنا مش عايزة منك غير إنك تقولي الحقيقة كاملة، وتسيبي الحق يرجع لصاحبه. أما السماح، فده بيني وبين ربنا، ومش هقدر أوعدك بيه النهارده.»
وبعدين لفتت ناحيتي.
«وأنتي يا ياسمين، أتمنى إنك في يوم تبقي سعيدة بجد، مش بس الناس كلها تبصلك وتقول إنك عايشة حياة مثالية.»
كانت جملتها أهدى من أي صرخة، لكنها وجعتني أكتر من كل اللي حصل.
لأنها ما شتمتنيش، ولا ردت الإهانة بإهانة، ولا حاولت تقلل مني قدام الناس.
هي بس وقفت قدامي بالحقيقة، وخلتني أشوف نفسي من غير الزينة اللي كنت مخبياها وراها.
بعدها سلمت الملف للمحامي، وطلبت منه يكمل الإجراءات القانونية، ثم استدارت ناحية الباب.
لكن قبل ما تخرج، حصلت حاجة محدش كان متوقعها.
كريم ترك إيدي، واتقدم ناحية المحامي.
قال: «لو سمحت يا أستاذ محمود، ممكن أشوف المستندات اللي تخص الأرض والمبنى؟»
المحامي بص له باستغراب.
«حضرتك ليك صفة في الموضوع؟»
كريم رد: «مش بشكل مباشر، لكن فيه تفصيلة مهمة لازم أتأكد منها.»
أنا بصيت لكريم بصدمة.
«كريم، إنت تعرف حاجة عن الموضوع ده؟»
كريم سكت ثواني، وبعدها قال: «فيه احتمال إن المبنى اللي بيتكلموا عنه هو نفس المبنى اللي شركتنا بتتفاوض على شرائه من فترة.»
علاء رفع راسه فجأة.
«إنت بتقول إيه؟»
كريم بص له بجدية.
«الشركة كانت بتشتري مبنى قديم في نفس المنطقة، والصفقة اتأجلت بسبب خلاف على الملكية. أنا ما كنتش أعرف إن ليكم علاقة بالموضوع.»
المحامي فتح الملف على ورقة تانية.
كريم قرأ العنوان، وبعدها بص لنهلة.
«هو ده العنوان؟»
نهلة هزت راسها.
كريم سحب نفسًا طويلًا.
«يبقى لازم أبلغ الإدارة إن الصفقة تتوقف تمامًا لحد ما النزاع يتحل. الشركة مش هتدخل في شراء عقار عليه خلاف ملكية.»
علاء اتراجع خطوة، وكأن الأرض سحبت من تحته.
«يعني إيه تتوقف؟ أنا كنت معتمد على الفلوس دي!»
كريم رد بوضوح: «وده مش مبرر إنك تتصرف في ملك مش ملكك.»
علاء بصلي، وكأنه مستني مني أتدخل وأقف في صفه.
لكن المرة دي، ما قدرتش.
كنت لسه بحاول أستوعب إزاي أخويا اللي كنت فاكرة إنه دايمًا بيوافقني عشان بيحبني، كان مستعد يوافقني حتى وأنا بجرح إنسانة مالهاش ذنب، وفي نفس الوقت يخبي عني إنه بيحاول يتصرف في حقها.
أما ماما، فكانت قاعدة على الكرسي، بتبص للفراغ.
الفرح اللي دفعنا فيه مبالغ كبيرة، واللي رتبنا لكل تفصيلة فيه، اتحول لمكان محدش عارف يتحرك فيه من الصدمة.
وبعد دقائق، بدأ بعض المعازيم يمشوا بهدوء.
ناس حاولت تتجنب النظر لينا، وناس فضلت تتكلم في همس، وناس كانت مصممة تعرف باقي الحكاية.
لكن بالنسبة لي، كل ده ما بقاش مهم.
كل اللي كنت عايزاه أعرفه هو ليه ماما سكتت، وليه بابا مات وهو شايل السر ده، وليه علاء اختار يخبي عني الحقيقة بدل ما يواجهني بيها.
قربت من ماما وقعدت قدامها.
«ماما، بصيلي.»
رفعت عينيها بصعوبة.
«أنا عايزة أعرف كل حاجة. من أولها. ومش عايزة أي حد يخبي عني حاجة تاني.»
ماما مسحت دموعها، وقالت: «هحكيلك.»
لكن قبل ما تبدأ، رن موبايل أمينة.
ردت، وفضلت ساكتة وهي بتسمع.
وبعد لحظات، وشها اتغير.
قالت: «إنت متأكد من الكلام ده؟»
سكتت تاني، وبعدها قالت: «طيب، ابعتلي صورة الورقة حالًا.»
قفلت المكالمة، وبصت للمحامي.
«في مستند جديد ظهر النهارده، موجود عند الشخص اللي كان مسؤول عن حفظ أوراق والد نهلة.»
المحامي سألها: «مستند إيه؟»
أمينة ردت: «وصية قديمة.»
ماما رفعت رأسها فجأة، وكأنها سمعت الكلمة اللي كانت خايفة منها طول السنين.
«وصية؟!»
أمينة بصتلها وقالت: «أيوه يا صفية. وصية ممكن تغير فهمنا لكل اللي حصل.»
أنا حسيت إن الليلة لسه طويلة، وإن اللي سمعناه لحد دلوقتي مش النهاية.
نهلة كانت واقفة عند الباب، لكنها لما سمعت الكلام رجعت خطوتين.
«وصية مين؟»
أمينة قالت: «وصية أبوكي يا نهلة، اللي اتكتبت قبل سفره الأخير.»
نهلة بصت للمحامي، وبعدها لأمينة.
«بس بابا مات من سنين، وكل أوراقه اتراجعت.»
المحامي رد: «لو الوصية أصلية ومثبتة التاريخ، لازم نراجعها قانونيًا، ونشوف علاقتها بالمستندات الموجودة.»
علاء كان واقف بعيد، وشه اتغير تمامًا.
بصيت له.
«إنت تعرف حاجة عن الوصية دي؟»
رد بسرعة: «لأ.»
لكن صوته كان مهزوز.
أمينة لاحظت ده، وفضلت باصة له لثواني طويلة.
وبعدين قالت: «الغريب إن الشخص اللي اتصل بيا قال إن الوصية كانت موجودة وسط أوراق اتسلمت لحد من العيلة من سنين، وإنه اكتشفها النهارده بالصدفة.»
ماما قامت من مكانها.
«مين الشخص ده؟»
أمينة ردت: «عم جلال، المحاسب القديم اللي كان بيتابع حسابات والد نهلة.»
ماما حطت إيدها على بقها.
علاء رجع لورا خطوة.
أما أنا، فبصيت بينهم كلهم، وبدأت أفهم إن فيه جزء من الحكاية لسه محدش قاله.
في اللحظة دي، دخل واحد من المنظمين وقال بتردد: «مدام ياسمين، آسفين، بس في راجل واقف بره بيقول إنه لازم يقابل الأستاذ علاء فورًا، وإن الموضوع متعلق بأوراق الأرض.»
علاء اتوتر جدًا.
«مين الراجل ده؟»
المنظم رد: «قال اسمه جلال.»
أمينة بصت للمحامي، والمحامي قفل الملف ببطء.




