
أنا مسكت دراعه بعنف.
«يعني إيه لصالحك؟»
علاء بص للأرض، وسكت.
المحامي فتح الملف، وطلع ورقة.
«في مستندات بتشير إلى أن السيد علاء صفية منصور قدم طلبًا لإتمام بيع جزء من الأرض المتنازع عليها، وذكر فيه أن جميع أصحاب الحقوق وافقوا على البيع.»
نهلة قالت: «وأنا ما وافقتش.»
المحامي أضاف: «والتوقيع الموجود باسمها محل اعتراض رسمي، وتم طلب فحصه.»
أنا حسيت إني مش قادرة أتنفس.
«علاء… إنت عملت كده؟»
رفع وشه بسرعة وقال: «أنا مكنتش هبيع حاجة من غير ما أديها حقها! أنا كنت محتاج الفلوس عشان أسدد ديون، وكنت ناوي أرجع كل حاجة بعدين.»
نهلة بصت له بوجع شديد.
«كنت ناوي ترجع حقي بعد ما تبيعه؟ كنت ناوي تعوضني عن حاجة إنت أصلًا ما تملكهاش؟»
علاء قرب منها: «أنا خطيبك يا نهلة!»
نهلة ردت من غير ما ترفع صوتها: «كنت خطيبي. لكن الخطوبة مش تصريح إنك تاخد حقي، ولا إنك تسمح لأختك تهيني، وبعدها تتوقع مني أعيش معاك وكأن مفيش حاجة حصلت.»
الكلمة الأخيرة نزلت على علاء كأنها حكم نهائي.
أما أنا، فكنت واقفة وسط القاعة، والناس كلها شايفة إن البنت اللي اتكلمت عليها باعتبارها جاهلة وبسيطة هي الوحيدة اللي كانت فاهمة كل حاجة.
حاولت أتمالك نفسي.
قلت لنهلة: «أنا آسفة. والله ما كنت أعرف أي حاجة عن الموضوع ده.»
نهلة بصتلي، وردت: «إنتي مش مطالبة تعرفي تفاصيل الميراث عشان تحترميني يا ياسمين. أنا مكنتش محتاجة منك فلوس، ولا مكانة، ولا دعوة لفرحك. كنت محتاجة بس إنك متعاملنيش كأني أقل منك.»
حسيت إن كل كلمة بتقولها بتفكرني بالمكالمة.
وبالرغم من إني كنت عايزة أدافع عن نفسي، ملقتش حاجة أقولها.
لأنها كانت عندها حق.
لكن المفاجأة الأكبر لسه ما حصلتش.
أمينة قربت من ماما، وقالت: «في حاجة تانية لازم تعرفوها. لأن الموضوع مش مقتصر على الأرض.»
ماما رفعت عينيها بخوف.
«أمينة، كفاية بقى.»
أمينة تجاهلتها، وبصت ليا.
«أبوكي الله يرحمه كان عارف جزء من الحقيقة.»
أنا اتجمدت.
«بابا؟! بابا ماله بكل ده؟»
أمينة أخرجت ظرفًا قديمًا من الملف، كان لونه أصفر، وعليه اسم والدي بخط إيده.
أول ما شافت ماما الظرف، قامت من مكانها فجأة.
«لأ! الظرف ده مين جابه؟!»
أمينة ضمت الظرف لصدرها.
«ده جواب أخوكي، وهو اللي ائتمنني عليه قبل ما يموت.»
ماما بدأت تهز راسها.
«لا، لا، مش ممكن.»
أنا قربت منها، لكني كنت ببص للظرف.
«افتحيه.»
أمينة قالت: «الجواب ده مش ليا. ده ليكي إنتي يا ياسمين.»
مدتهولي.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه.
جواه ورقتين، مكتوبين بخط بابا اللي كنت أعرفه كويس، الخط اللي كان بيكتب بيه اسمي على كراسات المدرسة وأنا صغيرة.
بدأت أقرأ.
«بنتي ياسمين،
لو الورقة دي وصلتلك، يبقى أنا ما قدرتش أقولك الحقيقة بنفسي. فيه حاجات حصلت في العيلة وأنا سكت عنها، وكنت فاكر إن سكوتي هيحميكي ويحمي أخوكي من مشاكل أكبر منكم.
لكن السكوت ساعات بيكبر الغلط، لحد ما يبقى أكبر من قدرة أي حد على إصلاحه.
أنا مش عايزك تحملي ذنب حاجة ما عملتيهاش، لكن عايزك تعرفي إن الحق ما بيتحولش لباطل لمجرد إن صاحبه سكت، وإن الإنسان ما يتقاسش بفلوسه ولا بشكله ولا بمكان أهله.
لو قابلتي نهلة يومًا، افتكري إنها مش غريبة عن حكايتنا زي ما كنتوا فاكرين.
وافتكري إن فيه فرق بين اللي بنملكه، واللي بنفتكر إنه من حقنا.»
الرسالة انتهت عند كده.
رفعت عيني، وبصيت لماما.
«هو كان يقصد إيه؟»
ماما انهارت في البكاء.
«أنا كنت خايفة عليكم!»
صرخت لأول مرة في حياتي في وشها:
«خايفة علينا من إيه؟ من الحقيقة؟!»
كريم مسك كتفي وقال بهدوء: «ياسمين، اهدي شوية.»
لكن إزاي أهدى وأنا حاسة إن كل حاجة كنت فاكرة إني أعرفها عن عيلتي بتتفكك قدامي؟
أمينة قالت: «أبوكي عرف بعد سنين إن فيه أوراق اتعملت غلط، وكان ناوي يصلحها. لكنه تعب، وبعدها مات، والموضوع فضل معلق. وأنا احتفظت بالجواب لأن صفية طلبت مني ما أظهرهوش، وقالت إنها هتصلح كل حاجة بنفسها.»
بصيت لماما.
«وإنتي صلحتيها؟»
ماما مردتش.
نهلة هي اللي قالت: «لأ. ولما طلبت حقي، اتقال لي إني بنت بسيطة ومش فاهمة في الورق، وإن الأفضل أسيب الموضوع للكبار.»
ثم نظرت إلى علاء.
«والنهارده اكتشفت إن الراجل اللي كنت هتجوزه كان بيحاول يبيع جزء من حقي من غير موافقتي.»
علاء قرب منها، والدموع بدأت تنزل من عينيه.
«أنا غلطت يا نهلة. والله كنت مضغوط، والديون كانت هتضيعني. كنت ناوي أرجع كل حاجة.»
نهلة سألته: «طب لما أختك كلمتني وجرحتني، ليه ما دافعتش عني؟»
علاء سكت.
«لما قالت إن مقامي أقل من مقامهم، ليه وافقتها؟»
فضل ساكت.
«ولما قلتلك إن الكلمة وجعتني، ليه قلتلي إن الفرح مش هيعجبني أصلًا؟»
علاء حط إيده على وشه.
«مكنتش عايز أزعل أختي.»
نهلة هزت راسها بحزن.
«وأنا؟ كنت عايز تزعلني أنا؟»
محدش رد.
وبعد لحظات، نهلة خلعت الدبلة من إيدها.
حطتها فوق الملف، وقالت: «أنا مش هكمل الخطوبة دي يا علاء.»
علاء رفع راسه بسرعة.
«نهلة، استني! إحنا نقدر نحل كل حاجة.»



