روايات وقصص

زهرة الربيع

والست الكبيرة اللي كانت معاها تقدمت خطوة.

أول ما ماما شافتها، شهقت شهقة عالية، وحطت إيدها على صدرها.

«يا ساتر يا رب… أمينة؟!»

أنا بصيت لماما باستغراب.

«إنتي تعرفي الست دي؟»

ماما كانت بتترعش.

الست الكبيرة بصت لها، وعينيها لمعت بالدموع.

وقالت: «أيوه يا صفية، تعرفيني. وتعرفي كويس إني عمري ما كنت مجرد قريبة بعيدة زي ما كنتوا بتقولوا.»

ساعتها حسيت إن في حاجة أكبر بكتير من موضوع نهلة والفرح.

ماما قربت مني، وهمست: «ياسمين، اسكتي دلوقتي.»

لكن الفضول كان بيقتلني.

بصيت لأمينة وقلت: «حضرتك مين؟ وإيه علاقتك بكل ده؟»

أمينة فتحت شنطة صغيرة كانت في إيدها، وطلعت منها صورة قديمة بالأبيض والأسود.

صورة لست شابة شايلة طفلة رضيعة، وجنبها راجل واقف قدام بيت ريفي قديم.

مدت الصورة لماما.

ماما أول ما شافتها، ركبتها خانتها وقعدت على أقرب كرسي.

علاء جري ناحيتها: «ماما! مالك؟»

لكن ماما كانت بتبص للصورة وكأنها شايفة شبح.

أمينة قالت بصوت مبحوح: «دي صورة أختي عزيزة، الله يرحمها. والطفلة اللي في حضنها كانت بنتها الوحيدة.»

بصيت للصورة، وبعدين بصيت لماما.

«وبعدين؟ إيه علاقة ده بينا؟»

أمينة أخدت نفس طويل وقالت: «علاقة كبيرة يا بنتي. لأن البنت دي كانت نهلة.»

القاعة كلها سكتت.

نهلة نزلت عينيها للحظة، وبعدين رفعتها تاني.

أما أنا، فضحكت ضحكة قصيرة من التوتر.

«يعني إيه؟ ما إحنا عارفين إن نهلة بنت أخت حضرتك، وإيه الجديد؟»

أمينة بصت لماما وقالت: «قولي لها يا صفية. كفاية سكوت لحد كده.»

ماما كانت بتعيط من غير صوت.

حاولت تمسك إيدي، لكني سحبتها.

«ماما، في إيه؟»

رفعت ماما عينيها ليا، وقالت بصوت مكسور: «أنا غلطت يا ياسمين. غلطت غلطة كبيرة من سنين طويلة، وكنت فاكرة إني لو سكت، الموضوع هيموت مع الوقت.»

كريم وقف جنبي، ووشه بقى جاد جدًا.

«مدام صفية، ممكن حد يفهمنا اللي بيحصل؟»

ماما غطت وشها بإيديها.

لكن أمينة هي اللي ردت.

«من سبعة وعشرين سنة، أختي عزيزة ماتت بعد ولادة بنتها بشهور. أبو البنت كان مسافر، ولما رجع، كان مديون بمبالغ كبيرة، وحالته النفسية كانت صعبة. أنا وقتها كنت عايشة في البلد، وصفية كانت لسه متجوزة جديد.»

ماما قاطعتها: «أمينة، أرجوكي…»

أمينة بصتلها بحزن: «إنتي اللي طلبتي مني أتكلم يا صفية، بس إنتي اللي جبتيها لنفسك.»

وبعدين كملت:

«بعد وفاة عزيزة، حصلت مشاكل كبيرة على البيت والأرض اللي سابوهم. أبو نهلة اضطر يسافر يشتغل بره مصر، وكنت أنا اللي برعى البنت. وفي يوم، صفية جت تزورني، وشافت نهلة، وكانت وقتها طفلة صغيرة جدًا.»

أنا بصيت لماما.

«وبعدين؟»

أمينة قالت: «صفية كانت بتشتكي إنها خلفت بنت واحدة، وإن جوزها نفسه في ولد، وإنها خايفة بيتها يتخرب لو مخلفتش تاني. وأنا كنت بحبها زي أختي، ووقتها كانت ظروفي صعبة، فساعدتها على قد ما أقدر.»

ماما رفعت وشها وقالت بسرعة: «أنا مكنتش أقصد أأذي حد!»

أمينة ردت: «أنا لسه ما خلصتش.»

وبعدين وجهت كلامها ليا:

«بعد كام شهر، أبو نهلة بعت فلوس من بره، واتحسنت ظروفه، وكان عايز يرجع ياخد بنته ويعيش معاها. لكن لما رجع، اكتشف إن فيه أوراق اتعملت من غير علمه، وإن جزء من حق بنته اتنقل لناس تانية.»

أنا حسيت بدوخة.

«إيه علاقة ماما بالموضوع؟»

أمينة سكتت لحظة، وبعدها قالت: «لأن صفية كانت واحدة من الناس اللي وقعوا على الأوراق دي.»

ماما صرخت: «كنت فاكرة إن ده مجرد إجراء مؤقت!»

أمينة ردت: «إجراء مؤقت؟ ده كان حق بنت يتنقل من إيدها من غير ما تعرف!»

الناس بدأت تهمس بصوت أعلى.

أنا بصيت لماما بعدم تصديق.

«إنتي عملتي كده؟»

ماما كانت بتعيط وبتقول: «اسمعيني يا بنتي، الموضوع مش زي ما إنتي فاهمة.»

لكن نهلة تقدمت أخيرًا.

وقالت: «عشان كده أنا جيت الليلة دي. مش عشان أنتقم من ياسمين، ولا عشان أفسد فرحها. أنا كنت هفضل ساكتة لولا إن في حد حاول يقفل الموضوع نهائيًا قبل الفرح بيومين.»

علاء بص لها برعب.

«نهلة، إنتي وعدتيني إنك مش هتتكلمي عن الورق!»

نهلة ردت: «أنا وعدتك إني مش هفضح حد من غير دليل. لكن لما عرفت إن في ورقة جديدة اتقدمت باسمي، وإن حد بيحاول يثبت إني تنازلت عن حقي، ما بقاش عندي اختيار.»

الشاب اللي كان واقف معاها فتح الحقيبة الجلدية، وطلع منها ملف كبير.

قال: «أنا الأستاذ محمود، المحامي المسؤول عن مراجعة المستندات الخاصة بالميراث. ومعايا صور رسمية من الأوراق القديمة، وصورة من الطلب اللي اتقدم مؤخرًا باسم الآنسة نهلة.»

كريم بص ليا، وبعدها بص للمحامي.

«ميراث إيه بالضبط؟»

المحامي رد: «قطعة أرض ومبنى قديم في القاهرة، بالإضافة إلى نصيب مالي كان مخصصًا لوالد الآنسة نهلة، وانتقل إليها بعد وفاته. وفيه نزاع قائم من سنين حول ملكية جزء من الممتلكات دي.»

أنا كنت حاسة إن الأرض بتتهز تحت رجلي.

بصيت لعلاء.

«إنت كنت تعرف الكلام ده؟»

علاء مردش.

قربت منه، وكررت السؤال بصوت أعلى: «علاء! إنت كنت تعرف؟»

رفع عينيه ليا، وكان واضح إنه بيحاول يهرب من نظرتي.

«أنا… أنا عرفت من فترة.»

حسيت كأن حد ضربني على رأسي.

«من فترة قد إيه؟»

قال بصوت واطي: «من شهور.»

ضحكت بذهول.

«من شهور؟ وإنت واقف جنبي في كل تجهيزات الفرح، وبتسمعني وأنا بتكلم على نهلة بالشكل ده، وإنت عارف إن في مصيبة مستخبية؟»

علاء حط إيده على راسه.

«أنا كنت بحاول أحل الموضوع.»

نهلة قالت: «لا يا علاء. إنت كنت بتحاول تخلص الموضوع لصالحك.»

الجملة دي خلت كل اللي في القاعة يبصوا له.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى