
والحقيقة إن نهلة ما نسيتش.
لكن اللي حصل ليلة فرحي مكنش مجرد انتقام من بنت اتجرحت كرامتها، ولا خناقة عائلية عادية، ولا حتى موقف محرج قدام المعازيم.
اللي حصل كان سر مدفون بقاله سنين، وسر زي ده لما بيظهر، مبيفرقش بين حد لابس فستان أبيض وحد واقف في آخر القاعة.
الساعة كانت قربت من تسعة بالليل، والفرح بدأ يدخل في أهم لحظاته.
القاعة كانت متزينة بالورد الأبيض والدهبي، والنجف منور، والمزيكا مالية المكان، والكاميرات بتصور كل حركة. عيلة جوزي، كريم الشناوي، كانوا قاعدين في الصفوف الأولى، والكل بيتكلم عن فخامة الفرح ومستوى التنظيم.
كريم كان واقف جنبي، ماسك إيدي، وبيبتسم للمصورين.
قرب مني وقال بصوت واطي: «إنتي مبسوطة يا ياسمين؟»
بصيتله بابتسامة واسعة: «أوي. عمري ما تخيلت إن اليوم هيطلع بالجمال ده.»
ابتسم وقال: «لسه اللي جاي أحلى.»
مكنتش أعرف إن الجملة دي هتفضل ترن في ودني سنين طويلة، بس بمعنى مختلف تمامًا عن اللي قصده.
في اللحظة دي، علاء كان واقف بعيد شوية، بيتكلم مع واحد من أصحاب كريم. لاحظت إنه كل شوية يبص ناحية باب القاعة، وكأنه مستني حد.
ناديته بإيدي.
جه ناحيتي وهو بيحاول يبان طبيعي.
قلتله: «مالك يا علاء؟ إنت من ساعة ما دخلنا وإنت مش على بعضك. هو في حاجة حصلت؟»
رد بسرعة: «لا، مفيش حاجة. بس عندي شوية تليفونات لازم أرد عليها.»
ضحكت وقلت: «في فرح أختك وتليفونات إيه بس؟ روح ارقص واتصور، وبطل وش الخشب ده.»
ابتسم ابتسامة صغيرة، لكنه مردش.
وبعدين موبايله رن.
بص للشاشة، وفجأة وشه اتغير.
حاول يقفل المكالمة، لكن المتصل رجع اتصل تاني.
استأذن مني وخرج ناحية الممر اللي جنب القاعة.
تابعته بعيني لحد ما اختفى ورا الباب، وبعدها رجعت أبص لكريم اللي كان بيتكلم مع والده.
كل حاجة كانت ماشية طبيعي.
لحد ما النور انطفى فجأة.
المزيكا سكتت في نص اللحن، وشاشات العرض اللي كانت بتعرض صورنا من أول الخطوبة لحد يوم الفرح اتحولت لشاشة سودا.
اتسمع صوت همهمة وسط المعازيم.
واحدة من قريباتي قالت: «هو إيه اللي حصل؟»
وواحد من المنظمين جري ناحية غرفة التحكم.
كريم مسك إيدي وقال: «متقلقيش، أكيد عطل بسيط.»
لكن قبل ما يكمل كلامه، اشتغلت شاشة العرض الكبيرة اللي ورا الكوشة.
ظهر عليها تسجيل صوتي.
وفي أول ثانيتين، سمعت صوتي أنا.
صوتي وأنا بتكلم في التليفون مع نهلة.
«بصي يا نهلة، إنتي خطيبة أخويا، وعلى عيني وعلى راسي، بس أنا بصراحة مش عايزاكي تحضري فرحي. لا شكلك ولا أسلوبك ولا مقامك مناسب للمستوى اللي هيكون في الفرح.»
حسيت الدم انسحب من وشي.
الصوت كان واضح جدًا، وكل كلمة كنت فاكرة إني قلتها في خصوصية بقت بتتردد في القاعة قدام مئات الناس.
حاولت أتحرك ناحية المنظمين، لكن التسجيل كمل.
وجاء صوت نهلة الهادئ: «تمام.»
وبعده صوت علاء، في تسجيل تاني:
«معلش يا نهلة، هي معاها حق. الفرح ده هيكون ممل بالنسبة لك ومش هيعجبك أصلًا.»
المعازيم بدأوا يبصوا لبعض، وفي ناس رفعت موبايلاتها تصور الشاشة.
أنا وقفت مكاني متجمدة.
كريم بصلي ببطء، وكأنه بيحاول يتأكد إنه سمع صح.
قال: «ياسمين، إيه ده؟»
مكنتش قادرة أرد.
حاولت أطلع صوتي: «ده تسجيل قديم، وحد عمل الحركة دي عشان يبوظ فرحي.»
لكن قبل ما أكمل، ظهرت صورة على الشاشة.
كانت صورة نهلة.
واقفة في مكان بسيط، لابسة فستان كحلي محتشم، وشعرها ملموم ورا، وفي إيدها ملف بني كبير.
وتحت الصورة ظهرت جملة واحدة:
«قبل ما تحكموا على الناس من شكلهم ومستواهم، اسمعوا الحكاية كاملة.»
في اللحظة دي، الباب الرئيسي للقاعة اتفتح.
ودخلت نهلة.
لكنها مكنتش جاية لوحدها.
كان معاها ست كبيرة في السن، ورجل لابس بدلة رمادي، وشاب شايل حقيبة جلدية. ووراهم دخل علاء، وشه أصفر، وعينيه مليانة خوف.
نهلة مشيت بهدوء وسط القاعة، من غير ما تبص يمين أو شمال.
محدش كان بيتكلم.
حتى المزيكا فضلت ساكتة، وكأن القاعة كلها حبست نفسها.
وقفت نهلة قدام الكوشة، وبصتلي.
أنا كنت لسه لابسة الفستان الأبيض، والطرحة نازلة على كتافي، لكن فجأة حسيت إني أصغر واحدة في المكان كله.
قلت بعصبية: «إنتي إزاي تدخلي هنا؟ مش أنا قلتلك متجيش؟!»
نهلة بصتلي بهدوء وردت: «أنا فعلًا ما جيتش يا ياسمين.»
استغربت كلامها.
كملت وهي بتبص حوالين القاعة: «أنا ما جيتش الفرح. أنا جيت عشان أوقف حاجة كان لازم تتوقف من زمان.»
علاء قرب منها بسرعة وقال: «نهلة، أرجوكي، مش هنا. إحنا اتفقنا نتكلم في الموضوع ده بعيد عن الناس.»
نهلة لفت ناحيته.
«إحنا اتفقنا؟ إمتى يا علاء؟ لما قلتلي إن أختك معاها حق؟ ولا لما طلبت مني أسكت وأعدي الإهانة عشان متبوظش علاقتنا؟ ولا لما اكتشفت إنك مخبي عني حاجة تخص مستقبلي ومستقبل عيلتي؟»
علاء فتح بقه، لكنه مخرجش منه صوت.
أنا تدخلت بغضب: «أنا مش فاهمة إنتوا بتتكلموا عن إيه! لو جايين تعملوا فضيحة، فأنا مش هسمح بكده. الأمن!»
لكن نهلة رفعت إيدها بهدوء وقالت: «أنا مش جاية أعمل فضيحة. ولو كنت عايزة أحرجك، كنت اكتفيت بالتسجيل اللي سمعه كل الموجودين. لكن أنا جاية أقول الحقيقة، وبعدها كل واحد هنا حر يحكم بنفسه.»


