
نهلة قالت: «خليه يدخل.»
وبعد دقائق، دخل رجل كبير في السن، شعره أبيض، وماسك ظرفًا بلاستيكيًا شفافًا.
كان بيتحرك ببطء، لكنه أول ما شاف علاء وقف مكانه.
قال: «أنا آسف إني جيت في وقت زي ده، لكن مكنش ينفع أستنى لبكرة.»
علاء قرب منه وهمس: «إنت جاي تعمل إيه هنا؟»
جلال رد بصوت واضح سمعه كل اللي حوالينا: «جاي أسلم الأمانة لصاحبتها، قبل ما حد يضيعها للمرة التانية.»
وطلع من الظرف ورقة قديمة مختومة.
المحامي استلمها، وفحصها بعناية، وبعدها طلب من جلال يقعد ويحكي كل اللي يعرفه.
جلال بص لماما وقال: «أنا فضلت ساكت سنين، لأني كنت فاكر إن السكوت هيحافظ على العيلة. لكن بعد اللي حصل، عرفت إن السكوت كان بيظلم بنت ملهاش ذنب.»
ماما كانت بتعيط، وعلاء واقف مكانه من غير حركة.
جلال كمل: «الوصية دي بتوضح إن والد نهلة كان عارف إن فيه خلافات ممكن تحصل بعد وفاته، وإنه طلب الحفاظ على حق بنته لحد ما تكبر، وإن محدش يتصرف في نصيبها من غير موافقتها.»
المحامي قرأ الورقة، وبعدها قال: «المستند ده لازم يتراجع فنيًا وقانونيًا، لكن لو ثبتت صحته، هيكون له تأثير مهم على النزاع.»
نهلة كانت بتبص للورقة بعينين مليانين دموع.
«بابا كان عارف إن حقي ممكن يضيع؟»
جلال رد: «كان خايف عليكي يا بنتي. وكان نفسه تفضلي عايشة بكرامتك، حتى لو هو مش موجود.»
نهلة غطت وشها بإيديها للحظة، وبعدين مسحت دموعها.
علاء قرب منها، لكن المحامي أشار له إنه يسيب لها مساحة.
وفي وسط كل ده، ماما قالت بصوت مبحوح: «أنا عايزة أتكلم.»
الكل بص لها.
قامت ببطء، واتكلمت وهي بتبص لنهلة.
«أنا غلطت. وأنا مش هحاول أبرر اللي عملته. كنت خايفة على بيتي، وخايفة من مشاكل العيلة، وخفت إن الحقيقة تفرق بيني وبين ولادي. لكني في الآخر ظلمت بنت ملهاش ذنب، وفضلت أهرب من الحقيقة لحد ما بقت واقفة قدامي في ليلة فرح بنتي.»
وبعدين بصتلي.
«وإنتي يا ياسمين، أنا غلطت لما سبتك تكبري وإنتي فاكرة إن قيمة الإنسان في شكله وفلوسه. كان لازم أعلمك إن الأدب مش شهادة، وإن الرقي مش عنوان، وإن البنت اللي بتتكلم بهدوء ممكن تكون أشرف من ناس كتير بتتكلم بثقة.»
أنا نزلت عيني.
كنت نفسي أقول إن ماما هي السبب، وإنها ما علمتنيش الصح، وإن علاء هو اللي خذلني.
لكن الحقيقة إن أنا اللي اتصلت بنهلة، وأنا اللي جرحتها، وأنا اللي قررت إنها أقل مني من غير ما أعرف عنها أي حاجة.
رفعت عيني وقلت: «أنا مش هطلب منك تسامحيني يا نهلة، لأني عارفة إن الاعتذار مش بيمسح اللي حصل. لكن أنا آسفة. آسفة على كل كلمة قلتها، وعلى الطريقة اللي اتعاملت بيها معاكي، وعلى إني افتكرت إن فرحي يديّني الحق أجرح حد.»
نهلة بصتلي طويلًا.
وبعدين قالت: «أنا سمعت اعتذارك يا ياسمين. لكن محتاجة وقت.»
هزيت راسي.
«من حقك.»
بعدها، المحامي جمع الأوراق، واتفق مع نهلة وأمينة وجلال على مراجعة كل المستندات رسميًا، وإن أي تصرف في الممتلكات هيتوقف لحد ما الحقائق تتأكد.
أما علاء، ففضل واقف لوحده.
لما الناس بدأت تخرج، قرب مني وقال: «ياسمين، ممكن نتكلم؟»
بصيت له، ولأول مرة حسيت إني مش عارفة أخويا اللي واقف قدامي ده.
قلت: «اتكلم.»
قال: «أنا عارف إني غلطت. بس كنت مضغوط، ومكنتش عارف أخرج من الديون اللي عليا.»
سألته: «ليه ما قلتليش؟»
رد: «كنت خايف.»
«من إيه؟»
«من إنك تحتقريني.»
ضحكت بحزن.
«إنت خفت إني أحتقرك لو عرفت إنك غلطان، لكنك ما خفتش تحتقر نهلة لما وافقتني على إهانتها؟»
علاء نزل عينيه.
ما كانش عنده رد.
كملت: «أنا مش هقدر أقولك إني مسامحاك دلوقتي. مش عشان موضوع الفرح، لكن عشان اكتشفت إنك كنت بتخبي عني حاجات كبيرة، وإنك لما اتخيرت بين الصح وبين إنك ترضي الناس اللي حواليك، اخترت الطريق الأسهل.»
علاء قال بصوت مكسور: «أنا خسرت نهلة.»
رديت: «إنت خسرت ثقتها. ودي حاجة ما ينفعش ترجعها بمجرد إنك تقول إنك ندمان.»
وسبته ومشيت.
كريم كان مستنيني عند باب القاعة.
مد إيده ليا، لكني وقفت وبصيت له.
«إنت لسه عايز تكمل الجواز بعد اللي حصل؟»
بصلي باستغراب.
«إيه السؤال ده؟»
قلت: «كل الناس سمعت التسجيل، وشافوا اللي حصل، وعرفوا إن عيلتي فيها مشاكل. أنا مش عايزاك تصحى بكرة وتقرر إنك اتجوزت واحدة مش مناسبة ليك.»
كريم مسك إيدي وقال: «أنا اتجوزت ياسمين، مش الصورة اللي كنتي عايزة الناس تشوفها. لكن لازم أقولك حاجة، وأنا مش هخبيها عنك.»
قلبي انقبض.
«إيه هي؟»
قال: «اللي حصل النهارده خلاني أفهم إننا محتاجين نتكلم بجد عن طريقة تعاملنا مع الناس، وعن الحاجات اللي بنعتبرها عيب أو أقل من مستوانا. أنا مش هحكم عليكي من غلطة واحدة، لكن مش هقدر أتعامل مع اللي حصل وكأنه عادي.»
هزيت راسي وأنا بعيط.
«أنا فاهمة.»
قال: «أنا مش عايز منك تبقي مثالية. أنا عايزك تبقي صادقة، وتقدري تعترفي بغلطك وتصلحيه.»
في الليلة دي، رجعنا البيت متأخر جدًا.
الفستان الأبيض كان متكرمش، والمكياج ساح، والتليفون ما بطلش رن من كتر الرسائل والمكالمات.
لكن لأول مرة، ما كانش عندي أي رغبة إني أرد على حد.
كنت قاعدة قدام المراية، وببص لنفسي.
نفس الوش، ونفس الفستان، ونفس البنت اللي كانت من ساعات فاكرة إن كل حاجة في حياتها مثالية.
لكن جوايا، كل حاجة اتغيرت.
وفي الصبح، وصلتني رسالة من نهلة.




