روايات وقصص

زهرة الربيع

كانت رسالة قصيرة، مفيهاش عتاب ولا تهديد.

«يا ياسمين، أنا عارفة إن اللي حصل كان صعب عليكي، بس أتمنى إنك تتعلمي منه. أنا مش عايزة أخد منكم حاجة مش حقي، ولا عايزة أعيش عمري في مشاكل. كل اللي عايزاه إن حقي يرجع، وإن الناس تبطل تحكم عليا من شكلي أو المكان اللي اتولدت فيه.»

قريت الرسالة أكتر من مرة.

وبعدين كتبت لها: «حقك يرجع، وأنا هشهد بالحقيقة لو احتجتي شهادتي في أي وقت.»

وبعت الرسالة.

ماكنتش عارفة إذا كانت هتصدقني ولا لأ، لكن كنت عارفة إن دي أول خطوة لازم أخدها.

بعد أسابيع، بدأت الإجراءات القانونية، واتراجعت الأوراق القديمة، واتضح إن فيه معاملات اتعملت بشكل غير سليم، وإن الموضوع محتاج تحقيق وفحص للتوقيعات والمستندات.

علاء اضطر يواجه ديونه بنفسه، ويعيد ترتيب حياته من غير ما يعتمد على بيع ممتلكات مش من حقه يتصرف فيها.

ونهلة أنهت الخطوبة رسميًا.

ما رجعتش لعلاء، رغم إنه حاول يعتذر لها أكتر من مرة.

أما أنا، فبدأت أتعلم حاجة كنت طول عمري فاكرة إني عارفاها: إن الاعتذار مش كلمة بتتقال عشان الموقف يعدي، وإن الاحترام مش بيتقاس بمكان الفرح ولا بسعر الفستان.

وبعد مرور شهور، قابلت نهلة بالصدفة في مكتب المحامي.

كانت لابسة فستان بسيط، وشايلة ملفها، وبتتكلم مع الموظفة بثقة وهدوء.

أول ما شافتني، ابتسمت ابتسامة خفيفة.

قربت منها وقلت: «عاملة إيه يا نهلة؟»

قالت: «الحمد لله، بخير.»

سكتنا لحظة، وبعدها قلت: «أنا عارفة إن علاقتنا مش هترجع زي الأول، لكن حبيت أقولك إني بدأت أفهم حاجات كتير مكنتش فاهمها.»

نهلة قالت: «المهم إنك تفهميها فعلًا، مش عشاني أنا بس.»

هزيت راسي.

«عندك حق.»

وبعدين بصت للملف اللي في إيديها وسألتني: «إنتي جاية بخصوص القضية؟»

قلت: «أيوه. المحامي طلب مني أقدم إفادتي عن اللي أعرفه، وأنا هقول الحقيقة كلها.»

نهلة ابتسمت بهدوء.

«كويس يا ياسمين.»

وقبل ما تمشي، وقفت لحظة وقالت: «على فكرة، أنا مكنتش عايزة أظهر التسجيل في فرحك.»

بصيت لها بدهشة.

«إزاي؟»

قالت: «التسجيل كان معايا من وقت ما حصلت المكالمة، لأني كنت بسجل مكالمات كتير مع الناس اللي بتتعامل معايا في موضوع الورق. لكني مكنتش ناوية أستخدمه بالشكل ده. اللي خلاني أروح القاعة إن المحامي اتصل بيا وقال إن فيه محاولة جديدة للتصرف في حقي، وإن لازم أواجه الموضوع قبل ما الصفقة تتم.»

سألتها: «يعني إنتي ما خططتيش لكل اللي حصل؟»

هزت راسها.

«أنا خططت إني أوقف بيع الأرض، وأكشف المستندات اللي بتخص حقي. أما التسجيل، فكان جزء من المواجهة، لأن الناس كلها كانت بتتكلم عني من غير ما تعرفني. لكن لو كنت أقدر أحل الموضوع من غير ما أحرجك، كنت فضلت ده.»

نزلت عيني.

لأول مرة فهمت إن اللي شفته في ليلة الفرح كان مجرد جزء من حكاية أكبر، وإن نهلة ما كانتش بتحاول تهدمني لمجرد إنها اتجرحت.

كانت بتحاول تحمي نفسها من ظلم استمر سنين.

قلت لها: «أنا آسفة يا نهلة.»

ابتسمت وقالت: «ربنا يصلح الحال.»

ومشيت.

فضلت واقفة مكاني، وبصيت وراها لحد ما اختفت من قدامي.

وفي اليوم اللي خلصت فيه القضية، وصلنا إخطار رسمي بوقف التصرف في الممتلكات لحين تنفيذ الإجراءات النهائية، واتحدد نصيب نهلة بناءً على المستندات اللي ثبتت صحتها.

ماما اتصلت بيها، وطلبت منها تقابلها.

نهلة وافقت، لكن بشرط إن المحامي يكون موجود، وإن كل الكلام يبقى واضح من غير وعود جديدة.

قعدوا في مكتب المحامي، وماما اعترفت قدام الجميع بدورها في الأوراق القديمة، وقدمت كل المستندات اللي كانت محتفظة بيها.

كانت خطوة صعبة، لكنها كانت أول خطوة حقيقية في طريق إصلاح الضرر.

بعد اللقاء، ماما رجعت البيت وقعدت جنبي.

قالت: «أنا عارفة إني خسرت جزء كبير من ثقتك يا ياسمين.»

بصيت لها.

«أنا زعلانة منك يا ماما، لكني مش عايزة أفضل عايشة في زعل طول عمري.»

مسكت إيدي.

«هحاول أصلح اللي أقدر عليه.»

قلت: «ابدئي بأنك ما تخبيش الحقيقة عننا تاني.»

هزت راسها، ودموعها نزلت.

أما علاء، فاحتاج وقت أطول عشان يفهم حجم اللي عمله.

كان بيحاول يتواصل مع نهلة، لكنها طلبت منه يوقف المكالمات والرسائل، وإن أي كلام يخص القضية يكون عن طريق المحامي.

ولأول مرة، اضطر يحترم حدود شخص تاني حتى لو ده مش على هواه.

عدت سنة كاملة.

وفي يوم، كنت قاعدة مع كريم في شقتنا، بنرتب شوية حاجات قبل ما ننزل نزور ماما.

رن جرس الباب.

فتحت، ولقيت نهلة واقفة قدامي.

اتصدمت، لكني ابتسمت بسرعة.

«نهلة! اتفضلي.»

دخلت، وسلمت على كريم، وبعدها قعدت معانا.

كانت ملامحها هادية، وفي وشها راحة ما كنتش شايفاها قبل كده.

قالت: «أنا جاية أقولك إن كل الإجراءات خلصت، وإن حقي رجع رسميًا.»

ابتسمت بصدق.

«الحمد لله. أنا فرحتلك من قلبي.»

نهلة شكرتني، وبعدها قالت: «وعايزة أقولك حاجة تانية. أنا بدأت مشروع صغير في البلد، محل ملابس محتشمة، وبخطط أوسعه قريب.»

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى