
كريم هنأها، وأنا حسيت بسعادة حقيقية ليها.
سألتها: «مبسوطة؟»
قالت: «أوي. يمكن أكتر من أي وقت فات. اكتشفت إن الواحد لما يركز في حياته وكرامته، بيبقى عنده قوة يبدأ من جديد.»
سكتت لحظة، وبعدها بصتلي.
«وعلاء بعتلي اعتذار عن طريق المحامي. أنا قرأته، ومش هقدر أرجعله، لكني مش عايزة أعيش شايلة غضب طول عمري. ربنا يسامح الجميع.»
قلت: «ربنا يعوضك خير.»
نهلة ابتسمت، وقامت تستأذن.
قبل ما تخرج، وقفت عند الباب وقالت: «يا ياسمين، فاكرة لما قولتيلي إن فرحك بالمستوى اللي يناسبك؟»
وشي احمر، وقلت: «فاكرة.»
قالت: «أنا وقتها قلت تمام، لأني مكنتش عايزة أجادلك. بس عارفة إيه اللي اتعلمته من كل اللي حصل؟ إن الإنسان ممكن يتمنع من دخول قاعة، لكنه مش محتاج يدخلها عشان يثبت قيمته.»
ما لقيتش رد.
نهلة كملت: «وإنتي كمان مش محتاجة تعيشي طول عمرك تثبتي إنك أحسن من غيرك. كفاية إنك تبقي أحسن من نفسك القديمة.»
ابتسمت لها، وقلت: «مش هنسى الكلام ده أبدًا.»
خرجت نهلة، وقفلت الباب وراها بهدوء.
رجعت قعدت جنب كريم، وبصيت للشباك.
افتكرت ليلة فرحي، والنور اللي انطفى فجأة، والتسجيل اللي قلب القاعة، والظرف القديم، والرسالة اللي كتبها بابا، واللحظة اللي اكتشفت فيها إن الإنسان ممكن يخسر نفسه وهو بيحاول يثبت للناس إنه أعلى منهم.
ومن يومها، كل ما أفتكر نهلة، ما بفتكرش الفستان الكحلي ولا الملف البني ولا اللي حصل في القاعة.
بفتكر كلمة واحدة قالتها وهي واقفة قدامي، بعد ما الدنيا كلها اتقلبت:
«أنا مش محتاجة أبقى من مستواكي يا ياسمين، أنا محتاجة بس إنك تعرفي إن ليا مستوى وكرامة وحق، حتى لو إنتي مش شايفاهم.»
وساعتها بس فهمت إن أكبر خسارة في ليلة فرحي ما كانتش إن التسجيل اتعرض قدام الناس، ولا إن المعازيم مشيوا، ولا إن أجمل ليلة في حياتي اتحولت لذكرى موجعة.
أكبر خسارة كانت إني اكتشفت متأخر إن الرقي اللي كنت بتباهى بيه، ما كانش موجود في قلبي بالشكل اللي كنت متخيلاه.
أما نهلة، فخرجت من الحكاية دي وهي واقفة على رجليها، رجعت حقها، وبدأت حياة جديدة، من غير ما تحتاج تثبت لأي حد إنها تستحق الاحترام.
وأنا بدأت أتعلم إن الكرامة مش لقب، وإن التعليم مش المقياس الوحيد للعقل، وإن البساطة عمرها ما كانت عيبًا.
وفي يوم، بعد سنتين من ليلة الفرح، وصلني خبر إن نهلة اتخطبت لشاب محترم من بلدها، مهندس زراعي اسمه أحمد، معروف بأخلاقه وهدوئه.
ماما فرحتلها، وبعتتلها هدية بسيطة مع رسالة اعتذار جديدة.
ونهلة قبلت الهدية، وشكرت ماما، لكنها فضلت محتفظة بمسافتها.
أما علاء، فكان الخبر صعب عليه، لكنه أخيرًا فهم إن بعض القرارات ليها تمن، وإن الندم مش دايمًا بيرجع اللي ضاع.
وفي يوم خطوبة نهلة، وصلني منها كارت دعوة صغير، مكتوب عليه بخط إيدها:
«أتمنى لكِ حياة مليانة رحمة وراحة بال. نهلة.»
ما كانش فيه عتاب، ولا تلميح، ولا محاولة للانتقام.
كان مجرد سلام من إنسانة عرفت حقها، وقررت تكمل حياتها.
احتفظت بالكارت في درج صغير جنب رسالة بابا القديمة.
وكل ما كنت بفتحه، كنت أفتكر إن الليلة اللي افتكرتها كابوسًا، كانت بداية الحقيقة اللي كنت محتاجة أشوفها.
حقيقة إن الإنسان ممكن يلبس أغلى فستان، ويدخل أفخم قاعة، ويقف جنب أغنى عريس، ومع ذلك يكون محتاج يتعلم من بنت بسيطة معنى الاحترام.
وإن الكلمة اللي بتخرج مننا في لحظة غرور، ممكن تفضل عايشة في قلب حد سنين، حتى لو إحنا نسيناها بعد دقايق.
أما أنا، فعمري ما نسيت ليلة فرحي.
لكن بدل ما أفتكرها باعتبارها الليلة اللي نهلة بوظتها، بقيت أفتكرها باعتبارها الليلة اللي اتكسر فيها غروري، وبدأت بعدها أتعلم إزاي أكون إنسانة أحسن.
لأن نهلة ما دخلتش فرحي عشان تثبت إنها أعلى مني.
هي دخلت عشان توقف ظلمًا كان بيحصل، وخرجت وهي عارفة قيمتها.
وأنا اللي فضلت سنين أحاول أثبت للناس إني من مستوى معين، اكتشفت في النهاية إن أعلى مستوى ممكن الإنسان يوصل له، هو إنه يعرف يعترف بغلطه، ويرجع الحق لصاحبه، وما يجرحش حد لمجرد إنه مختلف عنه.
وفي آخر مرة شفت فيها نهلة، كانت واقفة جنب أحمد، بتضحك مع أهلها، ووشها مليان راحة.
بصيت لها من بعيد، وابتسمت.
ما قربتش منها، وما حاولتش أفرض عليها صداقة ما بقتش موجودة.
اكتفيت إني أدعيلها من قلبي بالسعادة.
وبينما كنت ماشية، سمعت صوت ماما ورايا بتقول:
«ياسمين، مستعدة نمشي؟»
لفيت لها، وقلت: «أيوه يا ماما.»
مسكت إيدها، ومشينا سوا.
وفي الطريق، بصيت من شباك العربية على الناس اللي ماشية في الشارع، وعلى المحلات البسيطة، وعلى البيوت اللي كنت زمان ببص لها من فوق.
المرة دي، ما شفتش مستويات ولا طبقات ولا ناس تستحق وناس ما تستحقش.
شفت بشر، كل واحد فيهم شايل حكاية، وكل واحد فيهم يستحق إننا نسمعه قبل ما نحكم عليه.




