
لمست القماش بأطراف صوابعي، وافتكرت اليوم اللي اخترته فيه.
حمزة كان وقتها مشغول باجتماع مهم، لكنه أصر يجي معايا بعد ما خلص.
وقف قدام المراية، وبصلي وأنا لابسة الفستان.
قال يومها:
“هو أنا ينفع أتجوز واحدة بالجمال ده وأسيبها تمشي لوحدها في الدنيا؟”
ضحكت وقلت له:
“إنت اللي هتمشي معايا، مش أنا اللي همشي وراك.”
رد وهو بيبتسم:
“هنمشي جنب بعض طول العمر.”
غطيت وشي بإيدي.
كنت فاكرة إن الذكريات الحلوة هتساعدني أعدي، لكن اكتشفت إنها أوقات بتكون أصعب من الذكريات الوحشة، لأنها بتخليكي تسألي نفسك: هو كل ده كان حقيقي؟ ولا أنا اللي كنت شايفة اللي نفسي أشوفه؟
تليفوني رن.
كانت نادين، صاحبتي من أيام الجامعة.
رديت بصوت مرهق.
“أيوه يا نادين.”
قالت بقلق:
“إنتِ فين يا سارة؟ بقالي يومين بحاول أوصلك.”
“أنا في البيت.”
“أنا جاية لك حالًا.”
“مش محتاجة تيجي.”
“أنا مش بستأذنك. أنا جاية.”
بعد نص ساعة، كانت قاعدة قدامي في الصالة، وحاطة كوباية الشاي على الترابيزة من غير ما تشرب منها.
بصت للفستان، وبعدها بصتلي.
“إنتِ لسه بتحبيه؟”
ما قدرتش أكذب.
هزيت راسي.
“آه.”
قالت بهدوء:
“وده مش معناه إنك لازم ترجعي له.”
بصيت لها.
“عارفة.”
“طب إيه اللي مخليكي تعذبي نفسك كده؟”
سكت شوية، وبعدها قلت:
“لأني مش قادرة أفهم إزاي واحد يعرفني من تلاتاشر سنة، ويقدر يبص في عيني ويقولي إنه بيحبني، وفي نفس الوقت يعمل فيا كده.”
نادين مدت إيدها ومسكت إيدي.
“يمكن مش هتفهمي أبدًا ليه عمل كده. بس تقدري تفهمي إنك مش السبب.”
فضلت باصة لها، لحد ما عيني دمعت.
لأول مرة من يوم الفندق، عيطت من غير ما أحاول أوقف نفسي.
عيطت على السنين اللي ضاعت، وعلى الفرح اللي ما حصلش، وعلى البيت اللي كنت بحلم أعيش فيه، وعلى النسخة القديمة مني اللي كانت بتصدق إن الحب كفاية عشان أي علاقة تنجح.
نادين فضلت جنبي لحد ما هديت.
وقبل ما تمشي، قالت:
“وعديني بحاجة.”
“إيه؟”
“ما تاخديش أي قرار وإنتِ مكسورة. لا ترجعي له عشان وحشك، ولا ترفضي أي حاجة لمجرد إنك عايزة تعاقبيه. خدي وقتك، ولما تقرري، خلي القرار عشان نفسك.”
هزيت راسي.
لكن في الليلة دي، وأنا براجع رسائل البريد الإلكتروني القديمة اللي كنت محتفظة بيها، لقيت رسالة وصلت لي قبل الفرح بيومين من عنوان مجهول.
كنت شفتها وقتها وسط زحمة التجهيزات، وما فتحتهاش.
عنوان الرسالة كان:
“قبل ما تتجوزي حمزة الهواري، لازم تعرفي الحقيقة.”
إيدي بردت.
فتحت الرسالة.
ما كانش فيها غير سطر واحد:
“اسألي حمزة عن اللي حصل ليلة وفاة والده، وعن سبب إن أبوكي ساب البلد بعدها بشهر.”
حسيت إن نفسي اتسحب مني.
أبويا توفى من عشر سنين.
وحسب اللي أعرفه، عمره ما كانت له علاقة بعيلة الهواري غير إننا كنا جيران قدامى.
لكن فيه حاجة في الرسالة خلتني أرجع أقرأها مرة واتنين وتلاتة.
فتحت درج المكتب القديم، وطلعت صندوق صغير فيه أوراق أبويا وصوره.
كنت محتفظة بيه من يوم وفاته.
قلبت الأوراق لحد ما وصلت لملف بني قديم، ما كنتش فتحته من سنين.
كان جواه عقد شراكة قديم بين شركة أبويا وشركة الهواري.
وتحت العقد، لقيت خطاب بخط أبويا.
الخطاب كان موجه لوالد حمزة.
“يا فؤاد بيه، أنا وافقت أسكت سنين عشان أحمي البنتين، لكن اللي حصل أكبر من قدرتي على الاحتمال. لو ابني عرف الحقيقة، مش هيسامحني. ولو بنتك عرفت، مش هتقدر تعيش مع ابنك.”
قرأت الجملة الأخيرة بصوت مسموع.
“بنتك؟”
والد حمزة ما كانش عنده غير ولد واحد، على حد علمي.
حمزة.
فمين البنت اللي أبويا كان بيتكلم عنها؟
وقبل ما أقدر أكمل، وقعت من الملف صورة قديمة.
صورتين لبنتين صغيرتين واقفين جنب بعض قدام بيت العيلة.
واحدة فيهم كانت طفلة شعرها طويل وبتضحك.
والتانية كانت…
أنا.
لكن البنت اللي جنبي ما كنتش أعرفها.
وعلى ظهر الصورة، كان فيه تاريخ قديم، وتحته اسم مكتوب بخط أبويا:
“سارة ومريم الهواري.”
مريم الهواري.
الاسم اللي ما سمعتوش في حياتي قبل كده.
في المعادي، كان حمزة واقف قدام بيت قديم بابه خشب غامق، والدهان متقشر من أطرافه.
خبط مرتين.
فتح له راجل كبير، شعره أبيض وملامحه متعبة.
“اتفضل يا حمزة بيه.”
دخل حمزة، وقعد في صالة بسيطة، ما تشبهش أي مكان كان متعود يقعد فيه.
محمود السيوفي قعد قصاده، وحط قدامه ملف أسود.
قال:
“قبل ما تسألني، لازم تعرف إن أبوك ما كانش الراجل اللي إنت فاكره.”
حمزة رد بحدة:
“أبويا توفى، ومش هسمح لحد يشوه صورته.”
الراجل هز راسه.
“أنا مش جاي أشوه صورته. أنا جاي أقولك الحقيقة اللي اتدفنت معاه.”
فتح الملف وطلع شهادة ميلاد قديمة، وصورة لست شابة شايلة طفلة.
حمزة بص للصورة، وبعدها للشهادة.
الاسم المكتوب كان مريم فؤاد الهواري.
رفع عينه بسرعة.
“مين دي؟”
محمود اتنهد.
“أختك.”
حمزة قام من مكانه مرة واحدة.
“إنت بتقول إيه؟”
“أبوك كان عنده بنت قبل ما يتجوز أمك. بنت اتولدت من علاقة قديمة، وأمها توفيت بعد الولادة بفترة قصيرة. أبوك خاف من الفضيحة، وخاف على سمعته، فقرر يخلي البنت تعيش بعيد عن العيلة.”
حمزة هز راسه بعدم تصديق.
“أمي كانت تعرف؟”
“أمك عرفت بعد الجواز بسنين. ولما حاولت تواجهه، حصلت مشاكل كبيرة بينهم. وبعد وفاة أم مريم، أبوك طلب من والد سارة يساعده في رعايتها مؤقتًا.”
حمزة حس إن حلقه نشف.
“إيه علاقة سارة بالموضوع؟”
محمود فتح ملف تاني.
“أبو سارة كان شريك أبوك، وكان مسؤول عن جزء من إدارة الشركة زمان. مريم عاشت فترة في بيتهم، وكانت سارة بتتعامل معاها على إنها أختها الكبيرة.”
حمزة افتكر الصورة اللي كان شايفها في الظرف.
افتكر البنت اللي واقفة جنب سارة.
لكن عقله كان بيرفض يربط التفاصيل ببعضها.
“طب فين مريم دلوقتي؟”
محمود بص له نظرة طويلة.
“اختفت من سنين.”
“اختفت إزاي؟”
“بعد وفاة أبوك بأيام، حصلت مشكلة في الشركة. مستندات اختفت، وحسابات اتقفلت، وناس اتهمت أبو سارة إنه أخذ فلوس الشركة. أبوك كان توفى، ومحدش كان قادر يدافع عن الحقيقة. أبو سارة حاول يثبت براءته، لكنه اتعرض لضغط كبير، واضطر يبعد عن القاهرة فترة.”
حمزة قعد ببطء.
كل اللي كان فاكره عن بداية إمبراطورية العيلة بدأ يتغير.
كان عارف إن فيه خلافات حصلت بعد وفاة أبوه، لكنه طول عمره افتكر إن أبو سارة كان خائنًا، وإن العيلة خسرت فلوس بسببه.
قال بصوت واطي:
“أبويا قال لي إن الراجل ده خان ثقته.”
محمود رد:
“لأن أبوك كان عايزك تصدق كده.”
حمزة رفع عينه بغضب.
“ليه؟”
محمود دفع الملف ناحيته.
“عشان يحمي اسم العيلة، ويحمي بنت كان خايف تخسر كل حاجة لو الحقيقة ظهرت.”
حمزة فتح الملف، وبدأ يقلب المستندات.
وفي آخر صفحة، لقى توقيع والده على تحويل مالي كبير تم قبل وفاته بأسبوع واحد.
المستفيد كان مؤسسة خيرية باسم مختلف.
لكن رقم الحساب كان مرتبطًا باسم مريم.
حمزة همس:
“أبويا كان بيدور عليها.”
محمود قال:
“لأ. أبوك كان بيحاول يوصل لها قبل ما حد تاني يوصل.”
“مين حد تاني؟”
الراجل سكت.
ثم قال:
“عيلة ميرنا.”
حمزة حس بصدمة حقيقية.
“إيه علاقة ميرنا بمريم؟”
محمود قفل الملف.
“دي الإجابة اللي لازم تلاقيها بنفسك.”
حمزة قام من مكانه، وحط الأوراق في شنطته.
قبل ما يخرج، محمود ناداه:
“يا حمزة.”
لف له.
“لو لقيت أختك، ما تحاولش تشتري رضاها بالفلوس. هي خسرت أهلها مرة، ومش هتسامح بسهولة اللي شارك في ضياع عمرها.”
حمزة خرج من البيت، لكن كلام الراجل فضل يرن في ودنه.
أخت.
كان عنده أخت، وهو ما يعرفش.
والأغرب إن سارة كانت تعرفها.
في اليوم نفسه، رحت لمكتب المحامي اللي كان بيتابع إجراءات إلغاء الفرح.
حكيت له عن الرسالة والصورة والخطاب، وطلبت منه يساعدني أوصل للحقيقة.
المحامي، أستاذ عادل، كان راجل هادي، اشتغل مع أبويا في آخر سنين حياته.
أول ما شاف الصورة، وشه اتغير.
سألته:
“إنت تعرف البنت دي؟”
فضل ساكت شوية.
وبعدين قال:
“أيوه.”
حسيت بقلبي بيدق بسرعة.
“مين هي؟”
قال:
“اسمها مريم. كانت عايشة معاكم فترة وإنتِ صغيرة.”
حاولت أفتكر.
كان عندي ذكريات مش واضحة عن بنت أكبر مني بسنتين تقريبًا، كانت بتلعب معايا في الحديقة، وبتعلمني أكتب اسمي، وبتنام جنبي لما أخاف من صوت الرعد.
لكن بعد فترة، اختفت فجأة.




