
أبويا قال لي وقتها إنها سافرت تعيش مع قرايبها.
سألت أستاذ عادل:
“ليه محدش قالي إنها أخت حمزة؟”
رد بحزن:
“لأن أبو حمزة كان مصمم إن الموضوع يفضل سر.”
“وأبويا؟”
“أبوكي حاول يحميها، وبعدها حاول يحميكي إنتِ كمان.”
حسيت بالغضب.
“يحميني من إيه؟ أنا كنت طفلة!”
أستاذ عادل سحب نفس طويل.
“فيه أوراق بتثبت إن أبوكي كان بيدير جزء من أموال مريم لحد ما تكبر، وإن فيه وصية بتضمن حقها في جزء من ممتلكات عيلة الهواري. بعد وفاة أبو حمزة، الوصية اختفت، واتهموا أبوكي إنه استولى على الأموال.”
بصيت له بعدم تصديق.
“يعني أبويا اتظلم؟”
“الأوراق اللي عندي بتقول إنه كان بيحاول يرجع الحق لصاحبته.”
دموعي نزلت.
طول السنين اللي فاتت، كنت فاكرة إن أبويا كان مجرد راجل طيب تعب وتوفى، وإن كل اللي سابه ليا ذكريات حلوة وشقة صغيرة.
ما كنتش أعرف إنه كان شايل سر كبير بالشكل ده.
سألته:
“ومريم فين؟”
أستاذ عادل فتح درج مكتبه وطلع ورقة.
“آخر عنوان وصلنا له كان في المنصورة، من حوالي ست سنين. بعد كده انقطعت أخبارها.”
أخدت الورقة.
وقبل ما أمشي، قال لي:
“فيه حاجة لازم تعرفيها يا سارة. لو حمزة عرف إنك بتدوري على مريم، ممكن يحاول يتواصل معاكي.”
بصيت له ببرود.
“هو مش محتاج يعرف أنا بعمل إيه.”
لكني كنت عارفة إن الموضوع مش هيقف عند كده.
لأن أول ما خرجت من المكتب، لقيت عربية سودا واقفة على الناحية التانية من الشارع.
الباب الخلفي اتفتح.
ونزل منها حمزة.
كان شكله مرهق، ودقنه طالعة، وعينيه فيها سهر أيام.
ما قربش مني غير لما شافني واقفة مكاني.
قال:
“محتاج أتكلم معاكي.”
رديت:
“أنا مش مستعدة أسمع منك أي حاجة.”
قال:
“الموضوع مش عن جوازنا.”
بصيت له.
“يبقى مفيش كلام بينا.”
مد إيده وطلع الصورة القديمة.
الصورة اللي كانت عندي نسخة منها.
“إنتِ تعرفي مريم الهواري؟”
حسيت بصدمة، لكني ما بينتش له.
قلت:
“أيوه.”
عينيه اتسعت.
“فين هي؟”
“ما أعرفش.”
“سارة، أرجوكي. دي أختي.”
ضحكت بمرارة.
“أختك؟ إنت عرفت إمتى؟ من ساعة ولا ساعتين؟”
ما ردش.
قلت:
“غريبة أوي يا حمزة. طول عمرك عندك كل حاجة. فلوس، نفوذ، اسم، ناس بتخاف منك. ومع ذلك ما عرفتش إن ليك أخت، ولا عرفت تحافظ على الست اللي كانت مستعدة تبقى مراتك.”
قال بهدوء:
“أنا مش بطلب منك ترجعيلي. أنا بطلب منك تساعديني أوصل لها.”
بصيت للصورة، وبعدها له.
كنت عايزة أرفض.
كنت عايزة أمشي وأسيبه يواجه أسرار عيلته لوحده.
لكن فكرة إن مريم ممكن تكون عايشة في مكان ما، من غير ما تعرف إن فيه حد بيدور عليها، خلتني أغير رأيي.
قلت:
“أنا هساعدك نوصل لها، بشرط.”
“أي شرط.”
“مفيش أسرار تاني. أي ورقة تلاقيها، أي معلومة تعرفها، هتقولها للمحامي بتاعي قبل ما تعمل أي خطوة. ومش هتستخدم اسمك ولا فلوسك عشان تضغط على حد.”
حمزة وافق فورًا.
لكن قبل ما أركب عربيتي، سألته:
“وفيه شرط تالت.”
“قولي.”
“ما تعتبرش إن مساعدتي ليك معناها إن فيه أمل بينا.”
نزل عينه.
“فاهم.”
ومشيت.
بعد يومين من البحث، وصلنا لعنوان مريم في المنصورة.
البيت كان في شارع جانبي هادي، عمارة قديمة، ومدخلها مليان نباتات خضرا.
طلعت السلم مع أستاذ عادل، بينما حمزة كان مستنينا تحت، تنفيذًا لطلبي.
خبطت على الباب.
بعد شوية، فتحته ست في أواخر التلاتينات، ملامحها هادية، لكن عينيها كان فيهم حذر واضح.
أول ما شافتني، فضلت باصة لي فترة طويلة.
ثم قالت بصوت مرتعش:
“سارة؟”
ما قدرتش أتكلم.
هي كانت اتغيرت، لكني عرفتها.
نفس العينين.
نفس الابتسامة الصغيرة اللي كانت بتظهر على وشها لما تحاول تخبي خوفها.
همست:
“مريم.”
حطت إيدها على بقها، وبعدها فتحت الباب أكتر.
دخلت وأنا مش قادرة أصدق إنها قدامي فعلًا.
قعدنا في الصالة، وفضلنا نبص لبعض من غير كلام.
لحد ما مريم قالت:
“كنت عارفة إن اليوم ده هييجي.”
سألتها:
“إنتِ كنتِ عارفة إنك أخت حمزة؟”
هزت راسها.
“أيوه.”
“من إمتى؟”
“من وأنا عندي عشرين سنة.”
حسيت بوجع في صدري.
“ليه ما حاولتيش توصلي لنا؟”
ابتسمت بحزن.
“حاولت.”
وبعدها دخلت أوضتها، ورجعت بعلبة خشب صغيرة.
فتحتها قدامي.
جواها صور قديمة، وخطابات، وورق رسمي.
طلعت خطابًا عليه اسم أبويا.
“أبوكي كان الوحيد اللي وقف جنبي لما كل الناس قررت تتعامل معايا كأني غلطة لازم تتخبى.”
دموعي نزلت.
مريم كملت:
“بعد وفاة أبو حمزة، اتقال لي إن مفيش أي حق ليا في الشركة، وإن أي محاولة مني للمطالبة بحقي هتدخلني في مشاكل كبيرة. وبعدها وصلتني ورقة موقعة باسم أبوكي، بتقول إنه استلم كل المستحقات نيابة عني.”
قلت بسرعة:
“أبويا ما كانش ممكن يعمل كده.”
“أنا عارفة.”
طلعت ورقة تانية.
“لأن بعد شهرين، وصلني خطاب تاني منه، بيقول إنه ما استلمش أي فلوس، وإن التوقيع مزور.”
مسكت الورقة بإيدي.
كان توقيع أبويا فعلًا مختلفًا عن التوقيع الموجود في المستند القديم.
سألتها:
“إنتِ عندك فكرة مين اللي زور التوقيع؟”
مريم هزت راسها.
“ما عنديش دليل. لكن فيه شخص واحد كان مسؤول عن الحسابات وقتها، وكان عنده وصول لكل الملفات.”
“مين؟”
بصت لي مباشرة.
“والد ميرنا.”
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
عيلة ميرنا.
نفس العيلة اللي حمزة قال إن فيه مشكلة معاها قبل الفرح.
نفس العيلة اللي كان مرتبط ببنتها في السر.
ونفس العيلة اللي اسمها ظهر في أوراق تخص أخت حمزة.
سألت مريم:
“إنتِ تعرفي ميرنا؟”
ابتسمت ابتسامة حزينة.
“أعرفها من زمان. هي كانت عارفة إني موجودة، وكانت عارفة إن فيه وصية بتضمن لي حقي. لكن عمرها ما حاولت تساعدني.”
سكتت شوية، ثم قالت:
“آخر مرة شفتها، قالتلي إن فيه حاجات لو ظهرت، ناس كتير هتخسر كل حاجة.”
بصيت لها بصدمة.
“وإنتِ عملتي إيه؟”
“مشيت. كنت تعبت من المطالبة بحقي، وتعبت من الناس اللي بتعاملني كأني طمعانة في فلوس مش بتاعتي.”
مسكت إيدي.
“لكن لما عرفت إنك هتتجوزي حمزة، خفت عليكي.”
سألتها:
“ليه؟”
مريم بصت ناحية الشباك.
“لأن أبو حمزة ما كانش عايزك تتجوزيه.”
قلبي اتقبض.
“إيه؟”
“قبل وفاته بفترة، أبوكي جه زارني، وقال لي إنه اكتشف إن فيه مستندات بتربط بين عيلة الهواري وعيلة ميرنا في موضوع قديم. وإنه خايف إن الجواز بينك وبين حمزة يخليكي في نص صراع أكبر منك.”
قمت من مكاني.
“ليه أبويا ما قاليش؟”
ردت مريم:
“يمكن كان فاكر إنه يقدر يحل الموضوع قبل ما يأذيكي.”
ثم فتحت درجًا في العلبة الخشبية، وطلعت ظرفًا أبيض.
“الظرف ده وصلني من أبوكي قبل وفاته بأسبوع.”
ناولته لي.
كان مكتوبًا عليه اسمي.
إلى سارة، لما تكبر وتبقى قادرة تعرف الحقيقة.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه.
جواه ورقة واحدة.
“بنتي سارة، لو الرسالة دي وصلتلك، يبقى أنا ما قدرتش أخلص اللي بدأته. سامحيني إني خبيت عنك حاجات كتير. كنت فاكر إن الصمت هيحميكي، لكني اكتشفت متأخر إن الأسرار لما بتطول، بتتحول لسلاسل بتربط حياة ناس مالهمش ذنب. لو في يوم حبيتي حمزة الهواري، افتكري إنك مش مسؤولة عن أخطاء أبوه، لكن من حقك تعرفي الحقيقة قبل ما تربطي حياتك بيه. وفي آخر الملف اللي سلمته لمريم، هتلاقي اسم الشخص اللي بدأ كل ده.”
رفعت عيني لمريم.
“فين الملف؟”
قالت:
“فيه جزء تاني منه.”
قامت، وفتحت خزانة صغيرة، وطلعت ملفًا أسود.
لكن قبل ما تمدهولي، تليفونها رن.
بصت للشاشة، ووشها اتغير.
همست:
“هو عرف إننا اتقابلنا.”
سألتها:
“مين؟”
ما ردتش.
رن التليفون مرة تانية.
وبعدها وصلتها رسالة.
قريتها من غير ما تقصد، لأن الشاشة كانت قدامي.
“ما تسلميش الملف لسارة. لو الأوراق دي خرجت، محدش فيكم هيكون في أمان.”
مريم قفلت التليفون، ووقفت قدامي.
“سارة، لازم تمشي دلوقتي.”
قلت:
“مش همشي من غير الملف.”
بصت لي بعينين مليانين خوف.
“إنتِ مش فاهمة. الشخص اللي بيدور على الورق ده مش عايز الفلوس وبس. هو عايز يدفن الحقيقة للأبد.”
مديت إيدي للملف.
وفي اللحظة اللي لمسته فيها، سمعنا صوت خبط شديد على الباب.
مريم شهقت.



