روايات وقصص

قبل فرحي حكايات صافي هاني

“تعرف إني كنت بفتح صورنا القديمة كل ليلة تقريبًا؟ كنت ببص على صورتنا وإحنا في الجامعة، وعلى أول هدية جبتها لي، وعلى أول مرة قلتلي فيها إنك نفسك تفتح شركة كبيرة وتخليني ملكة في بيتي.”

حمزة حط إيده على عينه، لكني كملت.

“أنا ما كنتش عايزة شركة، ولا قصر، ولا عربيات، ولا حتى فرح فيه ميتين وأربعتاشر ضيف. أنا كنت عايزة الراجل اللي وعدني إنه عمره ما هيخليني أحس إني قليلة في عينه.”

قال بصوت مكسور:

“إنتِ عمرك ما كنتِ قليلة يا سارة.”

بصيت له.

“بس إنت خليتني أحس إني واحدة من اتنين. واحدة بتحبك وبتستناك في البيت، وواحدة بتروح لها لما تحب تنسى مسؤولياتك. وكنت متوقع إني أفضل مستنياك مهما عملت.”

ما ردش.

أخدت شنطتي من على الكرسي، وقلت:

“أنا همشي دلوقتي.”

قام بسرعة، لكنه وقف مكانه من غير ما يقرب مني.

“هشوفك تاني؟”

بصيت له طويلًا.

“ما أعرفش.”

هز راسه، وفتح الباب بنفسه.

قبل ما أخرج، سمعت صوته ورايا:

“سارة.”

وقفت من غير ما ألف.

قال:

“أنا بحبك.”

غمضت عيني للحظة.

الكلمة اللي كنت مستعدة أعمل أي حاجة عشان أسمعها منه زمان، بقت دلوقتي أصعب كلمة ممكن أسمعها.

قلت بهدوء:

“يمكن تكون بتحبني يا حمزة، بس الحب لوحده مش كفاية.”

وخرجت.

ما جريش ورايا، وما ندهش على الحراس، وما حاولش يمنعني.

فضل واقف عند الباب لحد ما عربيتي اختفت من آخر الطريق.

وأنا في العربية، كنت ببص على الطريق قدامي وبحاول أقنع نفسي إن دي النهاية.

لكن اللي ما كنتش أعرفه إن حمزة، بعد ما رجع البيت في نفس الليلة، لقى ظرف بني محطوط تحت باب مكتبه.

الظرف ما كانش عليه اسم المرسل.

جواه صورة واحدة قديمة، وورقة مكتوب فيها بخط إيده هو:

“لو سارة عرفت الحقيقة، مش هتسامحني أبدًا.”

حمزة وقف مكانه، والورقة بدأت ترتعش بين صوابعه.

لأنه عرف الخط.

كان خط أبوه.

والتاريخ المكتوب تحت الجملة كان قبل وفاة أبوه بأسبوعين.

في صباح اليوم التالي، حمزة طلب من مدير مكتبه يلغي كل اجتماعاته.

المدير، اللي اشتغل معاه أكتر من عشر سنين، استغرب.

حمزة عمره ما ألغى يوم شغل كامل مهما كانت الظروف.

لكن حمزة ما شرحش حاجة.

قفل باب المكتب، وحط الصورة قدامه.

كانت صورة قديمة لوالده، واقف فيها قدام بيت العيلة، وبجانبه شاب صغير ما كانش حمزة يعرفه.

قلب الصورة، فلقى جملة مكتوبة على ظهرها:

“الحقيقة مش دايمًا بتكون زي ما اتقالتلك.”

فتح الظرف تاني، وطلع منه ورقة تانية.

كان مكتوب فيها عنوان بيت قديم في منطقة المعادي، ورقم تليفون أرضي، واسم واحد:

محمود السيوفي.

حمزة اتصل بالرقم فورًا.

بعد رنات طويلة، رد صوت راجل كبير في السن.

“ألو.”

حمزة قال:

“أنا حمزة الهواري.”

سكت الراجل.

ثم قال بصوت متوتر:

“كنت مستني المكالمة دي من سنين.”

حمزة شد قبضته على التليفون.

“إنت تعرف أبويا؟”

“أعرفه أكتر مما تتخيل.”

“وإيه علاقتك بسارة؟”

الراجل سكت شوية، وبعدها قال:

“سارة ما تعرفش حاجة عن اللي حصل زمان.”

حمزة حس إن الأرض بتتحرك من تحته.

“إيه اللي حصل زمان؟”

رد الراجل:

“لو عايز تعرف الحقيقة، تعالى لوحدك. وماتجيبش معاك حد من عيلتك.”

حمزة قفل المكالمة، وفضل واقف مكانه.

لأول مرة، حس إن حياته اللي كان فاكر إنه عارف كل تفاصيلها، ممكن تكون مبنية على أسرار أكبر من مجرد علاقة غير مناسبة.

وفي اللحظة دي، رن تليفونه.

كان رقم ميرنا.

رفض المكالمة.

رن تاني.

رفضها مرة تانية.

وبعدها وصلته رسالة منها:

“لو فاكر إن اللي حصل في إسكندرية هو أكبر سر في حياتك، تبقى لسه ما تعرفش حاجة.”

حمزة قرا الرسالة مرتين.

وبعدها كتب لها:

“إنتِ تعرفي إيه؟”

الرد جه بسرعة:

“اسأل أبوك قبل ما تسألني.”

حمزة بص للصورة اللي قدامه.

أبوه توفى من سنين، وساب له إمبراطورية كاملة، لكنه سابه كمان مع سؤال عمره ما فكر يسأله.

إيه الحقيقة اللي كان أبوه خايف إنها توصل لسارة؟

في نفس الوقت، كنت أنا في شقتي الصغيرة، بحاول أرجع لحياتي الطبيعية.

كنت نقلت حاجتي من البيت اللي كان حمزة مجهزه لينا، ورجعت للشقة اللي كنت عايشة فيها قبل ما أوافق على الجواز.

أول يوم، ما قدرتش أنام.

تاني يوم، ما قدرتش آكل.

تالت يوم، فتحت الدولاب وطلعت فستان الفرح.

كان لسه في الكيس بتاعه، أبيض وناعم، ومترتب بعناية كأنه مستني اليوم اللي اتخيط عشانه.

قعدت على الأرض، وحطيته قدامي.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى