منوعات

بعد طلاقي حكايات صافي هاني

الكلمة دي كانت أبشع من أي تبرير.

هو كان عارف إنني ممكن أرفض.

وعشان كده اختار إنه مايسألنيش أصلًا.

سامح طلب منه يوضح تفاصيل اللي حصل مع الشركة، وأسماء الأشخاص اللي تواصل معاهم، وأي رسائل أو مستندات ممكن تساعد في تحديد المسؤولية.

كريم وافق يقدم اللي عنده للجهات المختصة، لكنه قال إنه ماعندوش تفسير كامل للي حصل بعد كده.

سألته:

“مين اللي قال لمجدي إنه يقدر يعتبر البيت بيته؟”

رد:

“بابا قال لي إن منى وعدته إنها هتتكلم معاكي.”

أنا حطيت إيدي على فمي.

“منى؟”

كريم هز رأسه.

“هو قال إنها هتخليكي توافقي، وإن الموضوع مجرد كام يوم لحد ما تخلص مشكلة البيت القديم.”

سامح سأله:

“هل عندك دليل على الكلام ده؟”

كريم قال إنه عنده رسائل بينه وبين مجدي، وإنه هيقدمها بالطريقة القانونية المطلوبة.

وبعدين بص لي.

“نادية، فيه حاجة تانية لازم تعرفيها.”

حسيت إن كل كلمة بيقولها بتفتح بابًا جديدًا لمشكلة أكبر.

قلت:

“قول.”

كريم بلع ريقه.

“منى ماكانتش بس عارفة إنك اشتريتي البيت.”

سكت لحظة، وبعدين كمل:

“هي كانت بتتكلم مع بابا عن البيت القديم قبل الطلاق ما يخلص، وبتقوله إن فيه طريقة تخليه يستفيد من جزء من الفلوس اللي هتجيلك.”

ماقدرتش أتكلم.

سامح طلب منه يوضح قصده، لكنه قال إنه مايعرفش تفاصيل الاتفاق، وإنه سمع الكلام على فترات، وإنه مش عايز يضيف أي اتهام من غير دليل.

وده كان مهم.

لأن حتى في اللحظة دي، وأنا موجوعة من اللي عمله كريم، ماكنتش عايزة أبني اتهام على كلام ناقص.

كنت عايزة الحقيقة كاملة.

مش نسخة من الحقيقة على مزاج حد.

بعد الاجتماع، خرجت من مكتب المحامي وأنا حاسة إن السنين كلها رجعت تتجمع قدامي مرة واحدة.

سبعة وعشرين سنة مع مجدي.

سنين كنت فاكرة فيها إن الخلافات مهما كبرت، فيه حدود ماينفعش حد يتخطاها.

وبعد الطلاق، كنت فاكرة إننا على الأقل هنحترم الاتفاق اللي اتكتب واتمضى.

لكن مجدي ماكانش شايف الموضوع كده.

كان شايف إن من حقه يقرر أنا أعيش فين، وأصرف فلوسي إزاي، وأفتح باب بيتي لمين.

وكريم، اللي كنت بحبه زي ابني، ساعده يوصل للمكان اللي كنت بحاول أحميه.

أما منى، أختي اللي كنت فاكرة إنها سندي، فاسمها ظهر في كل خطوة من غير ما يكون عندي لسه دليل كافي يحدد دورها الحقيقي.

رجعت البيت مع ريم، ولقيت رسالة من مجدي.

«عايزين نتكلم بهدوء. اللي حصل اتفهم غلط، وأنا مش هقبل إنك تضيعي مستقبل كريم بسبب سوء تفاهم.»

قرأت الرسالة مرتين.

هو لسه بيحاول يحول الموضوع لمشكلة بيني وبين كريم.

لسه بيتكلم عن مستقبله، وعن نفسه، وعن كل الناس إلا أنا.

بعت الرسالة للمحامي، وما رديتش.

بعدها بدقائق، وصلت رسالة تانية.

«منى قالت لي إنك هتسمعيني. ماتخليش الأمور توصل لحاجة محدش فينا يتمناها.»

وقفت عند اسم منى.

يعني مجدي لسه بيتواصل معاها.

ولسه متوقع إنها تقدر تقنعني.

لكن الرسالة دي كان فيها تفصيلة أهم.

هو قال: «منى قالت لي إنك هتسمعيني.»

إمتى قالت له كده؟

وهي عارفة منين إني هسمعه؟

أنا ماوعدتش حد إني أتكلم مع مجدي.

ولا قلت لمنى إني هتنازل عن أي إجراء.

بالعكس، آخر مكالمة بيننا انتهت وهي رافضة تيجي البيت، وبتقول إنني مش فاهمة الصورة كاملة.

قررت أتصل بيها، لكن المرة دي ماكنتش هتكلم عن الشركة أو الكالون.

كنت هسألها سؤالًا واحدًا.

اتصلت.

ردت بعد رنتين.

“أيوه يا نادية.”

قلت:

“مجدي بيقول إنك وعدتيه إني هسمعه.”

سكتت.

“إنتِ قلتي له كده؟”

منى ردت بعد لحظة:

“أنا كنت بحاول أهدي الدنيا.”

“يعني قلتي له إني هسمعه؟”

“قلت له إنك مش هتفضلي زعلانة طول العمر، وإنكم لازم تلاقوا حل.”

غمضت عيني.

“منى، إنتِ عارفة إنه دخل بيتي من غير إذني.”

“أنا عارفة إن اللي حصل غلط.”

“وعارفة إنه كان معاه الرقم السري؟”

سكتت.

قلت:

“وعارفة إن اسمه اتضاف لحساب الأمان قبلها بيومين؟”

المرة دي، ما ردتش خالص.

فضلت مستنية.

وبعدين سمعتها بتعيط.

مش عياط عالي، لكن شهقات صغيرة متقطعة.

قالت:

“أنا ماكنتش عايزة ده يحصل.”

حسيت بوجع شديد في صدري.

“يعني إنتِ كنتِ عارفة إن حاجة هتحصل؟”

منى قالت بسرعة:

“مش بالشكل ده يا نادية. والله مش بالشكل ده.”

“طيب، بالشكل إيه؟”

سكتت فترة طويلة.

وبعدين قالت:

“أنا هجيلك بكرة.”

قلت:

“ليه مش دلوقتي؟”

ردت:

“عشان مش قادرة أتكلم في التليفون.”

قفلت المكالمة بعد ما اتفقنا على موعد، وأرسلت للمحامي تفاصيل اللي حصل.

ماكانش عندي أي نية أواجهها لوحدي أو أحاول أضغط عليها عشان تعترف.

لكن كان لازم أعرف الحقيقة.

لأن مهما كان اللي عملته، منى مش مجرد شخص عابر في حياتي.

دي أختي.

والجرح اللي جاي من الغريب ممكن يوجع، لكن الجرح اللي جاي من حد إنتِ وثقتي فيه بيغير شكل الذكريات كلها.

تاني يوم، وصلت منى البيت قبل الموعد بعشر دقايق.

دخلت وهي ماسكة شنطتها بإيديها الاتنين، وقعدت على طرف الكنبة.

ما بصتش لي في البداية.

ريم كانت موجودة، والمحامي سامح كان متفق معانا إنه يشارك في الحديث لو احتجنا توضيح أي نقطة قانونية.

أنا قعدت قدام منى.

قلت لها:

“أنا مش عايزة أسمع كلام يهديني. أنا عايزة أعرف اللي حصل.”

منى مسحت دموعها.

“أنا عارفة.”

“هل إنتِ اللي اديتي مجدي عنوان البيت؟”

ردت بصوت واطي:

“أنا قلت له المدينة.”

“العنوان الكامل؟”

هزت رأسها.

“لأ.”

“هل إنتِ اللي اديتيه الرقم السري؟”

ما ردتش فورًا.

وبعدين قالت:

“أنا ماعرفش الرقم السري نفسه.”

سألتها:

“طيب، إنتِ عملتي إيه؟”

منى فتحت شنطتها، وطلعت موبايلها، وفضلت تقلب فيه شوية.

وبعدين قالت:

“مجدي كلمني بعد ما عرف إنك اشتريتي البيت. كان متضايق جدًا، وقال لي إنه مش قادر يبدأ حياته من جديد، وإنه شايف إنك سبتِيه في وقت هو محتاج فيه حد يساعده.”

بصيت لها من غير ما أتكلم.

كملت:

“هو قال لي إن فيه حاجات لسه في البيت القديم، وإنه عايز ينقلها لمكان مؤقت. وقال لي إنك وافقتي من قبل إنك تساعديه لو احتاج.”

قلت:

“وده ماحصلش.”

منى هزت رأسها.

“أنا عارفة دلوقتي.”

“دلوقتي؟ يعني وقتها ماكنتيش عارفة؟”

قالت:

“أنا صدقته في الأول. وبعدين لما فهمت إنك مش موافقة، حاولت أقنعه يستنى.”

ريم تدخلت:

“طيب، ليه ماكلمتيش نادية؟”

منى نزلت عينيها.

“كنت خايفة إنها ترفض، وخايفة مجدي يعمل مشكلة أكبر.”

قلت لها:

“فقررتي تخبي عني؟”

منى بدأت تعيط.

“أنا غلطت.”

فضلت باصة لها.

“الغلط إيه يا منى؟ إنك قلتي له المدينة؟ ولا إنك عرفتي إنه ناوي يدخل البيت وسكتي؟”

منى غطت وشها بإيديها.

وبعد لحظات، قالت:

“أنا ماكنتش عارفة إنه هيجيب العفش كله. هو قال لي إنه هياخد حاجات بسيطة، وإنه هيتواصل معاكي بعد ما يوصل.”

قلت:

“وإزاي كان هيدخل؟”

منى بصت لي، وبعدها قالت:

“كريم قال إنه يعرف حد في الشركة.”

سامح سألها:

“هل تواصلتي مع الشركة بنفسك؟”

منى هزت رأسها.

“أيوه. أنا اتصلت أسألهم عن إجراءات إضافة مستخدم للعقار، لكن ماطلبتش منهم يضيفوا مجدي.”

سألها سامح:

“هل عندك ما يثبت المكالمة دي؟”

قالت إنها هتراجع سجل المكالمات، وإنها مستعدة تقدم أي معلومات تساعد في توضيح الواقعة.

أنا كنت بسمع، لكن جزءًا من كلامها فضل عالقًا في دماغي.

هي اتصلت بالشركة.

هي عارفة إن فيه إجراءات لإضافة مستخدم.

هي عارفة إن مجدي عايز يوصل للبيت.

ومع ذلك، ماقالتش لي أي حاجة.

قلت لها:

“ليه يا منى؟ ليه ماكلمتنيش؟”

رفعت عينيها، وكان وشها مليان دموع.

“عشان مجدي قال لي إنه لو ماخدش مكان يعيش فيه، هيخسر شغله، وهيبقى عليه ديون، وإن مها ممكن تسيبه. قال لي إنه مش قادر يستحمل بداية جديدة، وإنه محتاج مساعدة بسيطة.”

ضحكت بمرارة.

“فقرر ياخد بيتي؟”

منى هزت رأسها.

“أنا ماكنتش موافقة على كده.”

قلت:

“لكن إنتِ ساعدتيه يوصل له.”

ماقدرتش تنكر.

فضلت ساكتة.

وبعدين طلعت من شنطتها ورقة مطوية.

حطتها على الطاولة قدامي.

قالت:

“دي نسخة من رسالة بعتها لي مجدي قبل ما ينقل العفش. أنا احتفظت بيها، لأني وقتها حسيت إن الموضوع مش طبيعي.”

فتحت الورقة.

كانت نسخة مطبوعة من رسالة إلكترونية.

مجدي كاتب فيها إنه جهز كل حاجة، وإنه مش هيرجع في قراره، وإنه محتاج منى ما تتدخلش بعد ما النقل يبدأ.

وفي آخر الرسالة، كانت فيه جملة قصيرة:

«لو نادية اعترضت، هفكرها إن فيه أمور من البيت القديم لسه ما اتقفلتش.»

حسيت إن قلبي بيدق بسرعة.

دي نفس فكرة الورقة اللي لقيناها في البيت.

الاتفاق القديم.

الأمور اللي ما اتقفلتش.

قلت:

“إيه الأمور دي يا منى؟”

منى بصت لي بخوف.

“أنا مش متأكدة.”

“مش متأكدة من إيه؟”

قالت:

“مجدي كان بيتكلم عن حسابات قديمة، وعن فلوس اتصرفت قبل الطلاق، وعن مستندات كان بيقول إنك عندك نسخة منها.”

أنا ماكنتش فاهمة.

كل الحسابات المشتركة كانت اتراجعت قبل الطلاق.

كل التحويلات اللي تخص الممتلكات كانت متوثقة.

ولو فيه أي نزاع مالي، كان ممكن يتناقش مع المحامين، مش يدخل بيتي.

سامح طلب من منى توضح إذا كانت تعرف مستندات بعينها.

قالت إنها ماعندهاش تفاصيل، لكنها سمعت مجدي بيتكلم أكتر من مرة عن صندوق أوراق كان موجود في البيت القديم، وإنه مقتنع إن فيه ورقة تثبت حقه في مبلغ مالي.

قلت:

“أنا ماعنديش أي ورقة مخبياها عنه.”

منى قالت:

“يمكن هو فاكر إن عندك.”

وبعدين طلعت موبايلها، وفتحت صورة، ومدتها لي.

كانت صورة قديمة لصندوق خشبي صغير، موجود فوق خزانة في مكتب مجدي بالبيت القديم.

أنا عرفته فورًا.

الصندوق ده كان بتاع والد مجدي، وفيه أوراق قديمة تخص شغل العيلة وميراث والده.

لكن الصندوق ماكانش عندي.

كان مجدي أخده معاه قبل ما نسيب البيت القديم.

قلت:

“الصندوق ده مش عندي.”

منى ردت:

“أنا عارفة. لكن مجدي كان بيقول إن فيه ورقة ناقصة، وإنه لازم يلاقيها.”

ساعتها فهمت إن الموضوع ممكن يكون أكبر من محاولة نقل عفش.

مجدي كان بيستخدم بيتي الجديد كجزء من خطة تخص حاجة تانية.

لكن إيه هي الورقة اللي بيدور عليها؟

وليه مقتنع إنها عندي؟

بعد ما منى مشيت، فضلت قاعدة مع ريم وسامح، بنراجع كل معلومة ظهرت.

سامح كان واضحًا في كلامه.

مافيش دليل كافي يثبت إن منى شاركت عمدًا في كل خطوة، لكن فيه معلومات تستحق التحقق منها.

وكذلك كريم.

أما مجدي، فكان لازم يتعامل معاه على أساس الوقائع المثبتة، مش الكلام اللي بيقوله عن اتفاقات مش موجودة في المستندات.

اتفقنا إننا هنطلب من الشركة سجلًا كاملًا يوضح مين أضاف المستخدم الجديد، ومتى تم التعديل، ومن أي جهاز تم.

وهنقدم الرسائل والصور والورقة اللي لقيناها للجهات المختصة.

بعدها، سامح سألني:

“هل عندك أي أوراق قديمة تخص شغل مجدي أو ميراث والده؟”

فكرت شوية.

“كان فيه صندوق أوراق في مكتب البيت القديم، لكنه أخده قبل ما نسيب البيت.”

“هل سبق واحتفظتي بنسخ من مستنداته؟”

قلت:

“فيه ملفات تخص حساباتنا المشتركة، ودي اتراجعت أثناء الطلاق. لكن أوراق ميراث والده كانت معاه.”

سامح هز رأسه.

“طيب، مانفترضش إن فيه علاقة بين الصندوق واللي حصل قبل ما نعرف. لكن لو مجدي بيستخدم الكلام ده لتبرير دخوله، لازم نعرف هو بيستند لإيه.”

بعد ما مشي، دخلت أوضتي وفتحت اللابتوب.

بدأت أراجع ملفات الطلاق اللي كنت محتفظة بيها.

كنت بدور على أي إشارة لحساب قديم، أو ورقة اتناقشنا فيها وماخلصناش منها.

راجعت كشف الحساب.

راجعنا التحويلات.

راجعت اتفاق تقسيم الممتلكات.

كل حاجة كانت واضحة.

لكن وأنا براجع مراسلات قديمة مع المحامي السابق، لقيت رسالة من مجدي اتبعتت قبل الطلاق بشهرين.

كان بيطلب فيها مني أحتفظ بنسخة من مستند معين لحد ما يخلص موضوع خاص بوالده.

ماكانش فيه مرفق.

ولا شرح كافي.

وكان ردي وقتها:

«الورقة اللي بتتكلم عنها مش عندي، وآخر مرة شفتها كانت في مكتبك.»

قرأت الرسالة أكثر من مرة.

أنا فاكرة النقاش ده.

كان مجدي بيدور على مستند يخص قطعة أرض ورثها والده، وكان مقتنع إن الورقة الأصلية اتنقلت من مكانها أثناء ترتيب المكتب.

أنا وقتها ساعدته أدور عليها، لكن ما لقينهاش.

وبعدها بفترة، الموضوع اختفى من حياتنا.

أو أنا افتكرت إنه اختفى.

اتصلت بسامح وشرحت له اللي لقيته.

طلب مني أبعث له الرسالة، وقال إنه هيراجعها مع باقي المستندات.

لكن قبل ما أقفل، وصلني إشعار جديد من كاميرات البيت.

شخص واقف عند البوابة.

فتحت التطبيق.

كان مجدي.

لوحده المرة دي.

ماكانش معاه عربية نقل، ولا عفش.

كان واقف قدام البوابة، ماسك ظرفًا بنيًا، وبيبص ناحية الكاميرا.

وبعد ثواني، رفع الظرف قدام العدسة، كأنه عايزني أشوفه.

وبعدين حطه تحت صندوق البريد، ورجع لعربيته.

ماحاولش يدخل.

ماحاولش يفتح الباب.

مشي بهدوء.

فضلت باصة للشاشة، لحد ما عربيته اختفت.

ريم دخلت عليا وسألتني:

“إيه اللي حصل؟”

وريّتها التسجيل.

قالت:

“إيه اللي سايبه؟”

قلت:

“مش عارفة.”

اتصلت بالمحامي، وحكيت له اللي حصل.

طلب مني ما ألمسش الظرف قبل ما نحدد الطريقة المناسبة لتوثيق اللي حصل، ونسق مع الجهات المختصة بشأنه.

وبعد الإجراءات اللازمة، اتفتح الظرف بحضوره.

كان جواه مجموعة صور قديمة، ونسخة من مستند عقاري، وورقة مكتوبة بخط مجدي.

الصور كانت لوالده، ولمكتب قديم، وللصندوق الخشبي اللي منى وريتهولي صورته.

أما المستند، فكان نسخة من عقد قديم يخص قطعة أرض ورثها والد مجدي.

والورقة المكتوبة بخط إيده كانت فيها جملة واحدة:

«إنتِ عارفة إن الموضوع ده ما انتهيش، وأنا مش همشي من غير حقي.»

سامح قرأ الورقة، وبعدها بص لي.

“هل تعرفي المستند ده؟”

قلت:

“أيوه. ده عقد قديم، لكن ماعرفش إذا كان هو المستند اللي كان بيدور عليه ولا لأ.”

“هل ليكي أي علاقة بملكية الأرض دي؟”

“لأ. الأرض كانت ميراث والده.”

سامح رجع الورقة مكانها.

“هنراجع المستندات ونشوف إذا كان فيه أي ارتباط قانوني. لكن وجود الورقة دي مش بيديله حق يدخل بيتك.”

كنت عارفة ده.

لكن السؤال اللي بدأ يطاردني كان مختلفًا.

لو مجدي مقتنع إن فيه مستند ناقص، ليه اختار يدخل بيتي الجديد؟

هل كان فاكر إنني نقلت أوراقًا قديمة من البيت السابق؟

ولا حد قال له إن الورقة موجودة عندي؟

ومين الشخص اللي كان بيحركه من ورا الستار؟

بعد يومين، وصل تقرير أولي من شركة الأمان للمحامي.

التقرير أكد إن مستخدمًا جديدًا اتضاف إلى الحساب قبل دخول مجدي البيت، وإن التعديل تم من خلال طلب دعم فني.

لكن الشركة كانت لسه بتراجع سجلات التواصل المرتبطة بالطلب.

سامح اتصل بيا وقال:

“فيه تطور، لكن لازم نستنى التقرير النهائي.”

سألته:

“التطور ده بخصوص مين؟”

قال:

“اسم الشخص اللي تواصل مع الدعم ظهر في السجل. لكن الشركة طلبت وقتًا إضافيًا للتحقق من هوية صاحب الاتصال.”

حاولت ما أستعجلش.

لكن في نفس اليوم، اتصلت بيا منى.

صوتها كان مختلفًا.

قالت:

“نادية، لازم أقابلك.”

قلت:

“فيه حاجة جديدة؟”

ردت:

“أيوه. لقيت حاجة في رسائلي القديمة.”

اتفقنا إنها تيجي في وجود ريم، ومن غير ما نحاول نضغط عليها أو نوجه لها اتهامات.

لما وصلت، كانت ماسكة ظرفًا صغيرًا.

طلعت منه صورة مطبوعة لرسالة قصيرة، كانت بينها وبين كريم.

الرسالة من كريم، قبل حادثة البيت بيومين.

«كل حاجة اتظبطت. بابا هيقدر يدخل، بس لازم الموضوع يخلص بسرعة قبل ما نادية ترجع.»

أنا حسيت إن قلبي وقع.

بصيت لمنى.

“إنتِ كنتِ عارفة الرسالة دي؟”

هزت رأسها.

“لأ. أنا لقيتها النهارده وأنا بدور في رسائل قديمة. كريم كان باعتها لي من فترة، وأنا وقتها ما فهمتش قصده.”

ريم قالت بغضب:

“إزاي ما فهمتيش؟”

منى دموعها نزلت.

“أنا كنت فاكرة إنه بيتكلم عن نقل حاجات من البيت القديم. والله ماكنتش أعرف إنه هيدخل بيت نادية من غير إذن.”

بصيت للرسالة مرة تانية.

كريم كان عارف إن مجدي هيدخل.

وعارف إنني هكون بعيدة.

وعارف إن الموضوع لازم يخلص قبل ما أرجع.

ده ماكانش سوء تفاهم بسيط.

كان ترتيبًا مسبقًا.

لكن لسه ماكنتش عارفة مين اللي أعطى الموافقة النهائية على إضافة مجدي لنظام الأمان.

منى قالت:

“أنا عارفة إنك مش هتسامحيني بسهولة، ومش هطلب منك ده. بس لازم تعرفي إن مجدي كان بيكلمني كل يوم تقريبًا، وبيحاول يقنعني إنك لو عرفتِ بعد ما العفش يدخل، هتوافقي تسيبيه مؤقتًا.”

قلت لها:

“وإنتِ صدقتيه؟”

ردت:

“أنا صدقت إنه مش هيعمل حاجة تضرّك. كنت فاكرة إنه عايز مكان يحط فيه حاجته، وإنكم هتتفاهموا بعدين.”

سكتت لحظة، وبعدين قالت:

“لكن لما عرفت إنه دخل من غير إذنك، خفت أقول لك كل حاجة. خفت تكرهيني.”

بصيت لها.

“فاخترتي تسيبيني أعيش في خوف بدل ما تعرفيني الحقيقة؟”

ماقدرتش ترد.

أنا ماكنتش مستعدة أسامحها في اللحظة دي.

ولا كنت مستعدة أقول إن كل اللي عملته كان بقصد الأذى.

لكن كنت عارفة إن الثقة اللي بيننا اتكسرت، وإن رجوعها مش هيكون بكلمتين أو دموع.

قلت لها:

“هسلم الرسالة للمحامي، وهو هيتصرف بالطريقة القانونية المناسبة. وإنتِ لو عندك أي معلومات تانية، لازم تقوليها كاملة.”

منى هزت رأسها.

“هعمل كده.”

وقبل ما تمشي، وقفت عند الباب وقالت:

“فيه حاجة لازم تعرفيها عن مجدي.”

بصيت لها.

“إيه؟”

قالت:

“هو مش كان بيدور على الورقة القديمة بس. هو كان مقتنع إنك عارفة مكانها، وإنك مخبياها عنه عشان تمنعيه من بيع الأرض.”

أنا رديت فورًا:

“أنا ماعنديش الورقة.”

منى قالت:

“أنا عارفة. بس هو مقتنع بكده، وده اللي مخليه مصمم يضغط عليكي.”

خرجت منى، وأنا فضلت واقفة مكاني.

دلوقتي بدأت الصورة توضح.

مجدي كان محتاج مكان يدخل فيه، وكان فاكر إنني أخفيت مستندًا يخص أرض والده.

لكن ده ماكانش يفسر ليه اختار بيتي تحديدًا.

ولا ليه استخدم نظام الأمان.

ولا ليه جاب عفشه كله.

إلا لو كان عايز يحول وجوده في البيت إلى وسيلة ضغط، ويخليني أضطر أتكلم معاه.

لكن لسه فيه سؤال واحد ناقص.

مين اللي أضافه رسميًا إلى حساب الأمان؟

في صباح اليوم التالي، وصل التقرير النهائي من الشركة.

المحامي اتصل بيا فورًا، وطلب مني أروح مكتبه.

لما وصلت، كان التقرير مفتوحًا قدامه، وبجانبه نسخة من سجل التواصل.

قال:

“الشركة أكدت إن طلب إضافة المستخدم اتقدم من خلال مكالمة دعم، وإن الموظف اللي تعامل مع الطلب سجّل إن المتصل هو صاحبة الحساب.”

قلبي دق بسرعة.

“يعني حد انتحل شخصيتي؟”

سامح رد:

“ده احتمال، لكن الشركة لسه بتراجع تسجيل المكالمة. ما نقدرش نحدد المسؤول قبل ما نسمع التسجيل ونتأكد من باقي البيانات.”

بعدها شغّل التسجيل.

في البداية، كان صوت موظف الدعم بيطلب بيانات الحساب.

وبعدين سمعنا صوت امرأة بتتكلم بهدوء، وبتقول إنها صاحبة البيت، وإنها محتاجة تضيف مستخدمًا مؤقتًا عشان حد يساعدها في نقل بعض الأغراض.

الموظف سألها عن علاقتها بالمستخدم الجديد.

المرأة ردت:

“ده شخص من العيلة، وأنا موافقة إنه يدخل وقت ما يحتاج.”

سامح وقف التسجيل.

وبص لي.

“هل تعرفي الصوت؟”

حاولت أركز.

سمعت الجملة مرة تانية.

وبعدين مرة تالتة.

كان فيه حاجة مألوفة في نبرة الصوت، وفي الطريقة اللي المرأة بتنطق بيها حرف السين، وفي الوقفة القصيرة قبل ما تقول «من العيلة».

لكنني ماقدرتش أجزم.

قلت:

“ممكن يكون صوت منى، لكن مش عايزة أتهمها من غير ما أتأكد.”

سامح هز رأسه.

“وده التصرف الصحيح. هنطلب من الجهات المختصة مراجعة التسجيل، ومطابقته بأي معلومات موثقة، والشركة هتحتفظ بنسخة أصلية من السجل.”

رجعت البيت وأنا مش قادرة أبطل التفكير في التسجيل.

لو كان صوت منى فعلًا، يبقى هي ما اكتفتش إنها تعرف بالموضوع وتسكت.

هي ممكن تكون اتكلمت باسمّي.

لكن كان لازم أسمع التسجيل مرة تانية في ظروف مختلفة، وأستنى نتيجة التحقق.

بعد ساعات، اتصل بيا كريم.

قال إنه سلّم كل الرسائل اللي عنده للجهات المختصة، وإنه مستعد يوضح دوره في اللي حصل.

وبعدين قال:

“نادية، أنا عارف إنك مش هتسامحيني، بس فيه حاجة كنت لازم أقولها لك من الأول.”

سألته:

“إيه؟”

رد بصوت متعب:

“أنا ماكنتش بس عارف إن بابا هينقل العفش. أنا كنت فاكر إن فيه ورقة في بيتك الجديد، وكنت متأكد إن بابا عايز يوصل لها.”

قلت:

“إنت عرفت منين إن فيه ورقة عندي؟”

قال:

“منى قالت لي إن بابا كان مقتنع إنك نقلتي ملفات قديمة معاك.”

حسيت بغضب جديد.

“لكن منى قالت لي إنها ماكنتش تعرف إن مجدي هيدخل البيت.”

كريم سكت.

وبعدين قال:

“أنا مش عارف هي كانت تعرف إيه بالضبط. كل اللي أعرفه إن بابا كان بيقول إنها هتساعده.”

قفلت المكالمة بعد ما قلت له إن أي معلومات إضافية لازم يقدمها للمحامي، وماينفعش يفضل ينقل لي كلامًا غير موثق.

أنا كنت محتاجة أوقف الدائرة دي.

كل شخص بيقول إن شخصًا تاني هو اللي وعده.

كل واحد عنده نصف معلومة، والنصف التاني بيخبيه.

لكن في النهاية، أنا اللي كنت واقفة في بيتي، بحاول أفهم إزاي حياتي اتقلبت بالشكل ده.

بعد أسبوع من الحادثة، رجعت البيت في الصباح، وفتحت الشبابيك لأول مرة من غير ما أحس إني خايفة من كل صوت.

ريم كانت معايا، وبدأنا نرتب الحاجات اللي اشتريتها قبل ما يحصل كل ده.

حطينا ستارة بسيطة في المطبخ، ورتبنا الكتب على رف صغير، ونقلنا صندوق النباتات ناحية الشباك.

كنت بحاول أستعيد إحساسي بالمكان.

لكن في كل مرة كنت أبص للباب، كنت أفتكر إن حد دخل من غير إذني.

وإن الحد ده ماكانش غريبًا عني.

في المساء، اتصل بيا المحامي.

قال إن فيه تطورًا جديدًا، وإن الشركة قدمت إفادة إضافية بخصوص مكالمة إضافة المستخدم.

التحقق من بيانات الطلب أظهر إن المكالمة اتعملت من رقم هاتف مسجل باسم منى.

لكن المحامي شدد إن ده لوحده مش كفاية لإثبات كل تفاصيل المسؤولية، وإن الجهات المختصة هتراجع التسجيل والرسائل مع بعض.

سألته:

“يعني منى هي اللي أضافت مجدي؟”

رد:

“البيانات بتربط رقمها بالطلب، لكن لازم نثبت مين اللي استخدم الرقم فعلًا، وإيه اللي اتقال في المكالمة، وهل حصل تضليل لموظف الشركة. ما نستعجلش الحكم.”

قفلت المكالمة، وقعدت في الصالة.

كنت موجوعة.

مش عشان مجدي حاول ياخد بيتي.

ولا عشان كريم ساعده.

لكن عشان منى، اللي كنت بعتبرها أقرب حد ليا، كانت في قلب الموضوع.

بعد شوية، وصلتني رسالة منها.

«أنا عارفة إنك عرفتي بخصوص المكالمة. أنا مستعدة أقول لك كل حاجة، حتى لو ده هيخليني أخسر ثقتك للأبد.»

ما رديتش فورًا.

فضلت أبص للرسالة، وبعدها كتبت:

«أي حاجة عندك قوليها للمحامي كاملة. أنا مش هقبل أي اتفاق بعيد عن القانون، ومش هسمح لحد يدخل بيتي أو يضغط عليا تاني.»

بعت الرسالة، وقفلت الموبايل.

كنت عارفة إن فيه مواجهة أخيرة جاية.

مش مواجهة بالصوت العالي، ولا بالتهديد، ولا بمحاولة الانتقام.

مواجهة بالحقيقة.

لأن اللي حصل ماكانش مجرد اقتحام بيت.

كان محاولة لإجباري أرجع لدائرة قديمة، دائرة كنت فاكرة إني خرجت منها يوم ما وقعت أوراق الطلاق.

ومهما كان الشخص اللي ساعد مجدي، ومهما كانت دوافعه، أنا كنت هواجه الموضوع من غير ما أتنازل عن حقي.

بعد يومين، طلب مجدي يقابلني بحضور المحامي.

وافقت على إن اللقاء يتم في مكتب سامح، وبوجود كل الأطراف اللي شايفين إن عندهم معلومات تخص الواقعة.

وصل مجدي ومعاه مها.

مها كانت لابسة ملابس بسيطة، ووشها باين عليه الإرهاق.

أما مجدي، فدخل المكتب وكأنه جاي اجتماع شغل عادي.

قعد قدامي وقال:

“أنا عارف إنك زعلانة، بس الموضوع خرج عن السيطرة.”

ما رديتش.

كمل:

“أنا كنت فاكر إنك هتوافقي تساعديني. إحنا عشنا سبعة وعشرين سنة مع بعض، ومش معقول كل حاجة بيننا تنتهي بالشكل ده.”

قلت:

“إنت طلبت مني أساعدك؟”

سكت.

“لأ. إنت دخلت بيتي من غير إذني.”

مجدي قال:

“أنا كنت مضغوط.”

رديت:

“وأنا مالي؟”

اتغيرت ملامحه.

“نادية، أنا ماكنتش ناوي أضرّك.”

قلت:

“لكن إنت كنت ناوي تستخدم بيتي من غير موافقتي.”

مها تدخلت:

“أنا كنت فاكرة إن البيت بتاعكم أنتم الاتنين، وإن الموضوع متفق عليه.”

بصيت لها.

“مين قال لك كده؟”

مها بصت لمجدي.

هو رد بدلًا منها:

“أنا قلت لها إنك هتوافقي.”

قلت:

“يعني إنت كنت عارف إني ماوافقتش، ومع ذلك قلت لها إن الموضوع متفق عليه؟”

مجدي سكت.

المحامي تدخل وطلب منه يجاوب عن الوقائع بشكل مباشر.

وبعدين سأله عن الورقة اللي سابها عند البيت.

مجدي قال إنه كان عايز يلفت نظري لموضوع مستند قديم يخص أرض والده.

سامح سأله:

“هل عندك دليل إن المستند موجود في عقار السيدة نادية؟”

مجدي قال:

“أنا متأكد إنها شافته قبل كده.”

رد سامح:

“رؤيتها للمستند في الماضي لا تعني إنه موجود عندها الآن، ولا تمنحك حق دخول عقارها.”

مجدي شد على إيده.

“أنا مش جاي أتكلم في القانون. أنا جاي أقول لها إن فيه حق لازم يرجع.”

بصيت له.

“لو عندك حق، كنت تقدر تطلبه بالطريقة القانونية. لكنك اخترت تدخل بيتي من غير إذني.”

سكت لحظة، وبعدها قال:

“كنت عارف إنك مش هتسمعيني.”

الجملة دي خلتني أفهم أخيرًا حاجة كنت بحاول أتجنبها.

هو ماكانش بيدور على فرصة يتكلم معايا.

هو كان بيدور على طريقة يفرض بيها وجوده في حياتي، حتى لو أنا رفضت.

قلت له:

“إنت كنت عارف إني هرفض، وعشان كده ما سألتنيش.”

مجدي ما ردش.

مها نزلت عينيها.

وبعدين قالت بصوت خافت:

“أنا كمان غلطت. أنا كان المفروض أتأكد قبل ما أنقل أي حاجة.”

ماكانش عندي استعداد أجادلها.

قلت:

“كل واحد فيكم مسؤول عن قراره.”

بعد الاجتماع، المحامي وضح إن أي مطالبات مالية أو نزاع على مستندات لازم يتقدم من خلال الإجراءات القانونية، وإن واقعة الدخول ونظام الأمان هتفضل محل متابعة منفصلة.

مجدي خرج من المكتب من غير ما يبص لي.

أما مها، فوقفت عند الباب للحظة، وكأنها عايزة تقول حاجة.

لكنها اكتفت إنها تمشي وراه.

وأنا خرجت من المكتب وأنا حاسة إنني أخيرًا قدرت أقول الكلام اللي كان لازم أقوله من أول يوم.

مش هبرر حقي.

ومش هعتذر عن حماية بيتي.

ومش هسمح لحد يستخدم السنين اللي عشناها مع بعض عشان يلغي حدودي بعد الطلاق.

مرت أسابيع، والموضوع فضل قيد المتابعة.

الشركة قدمت السجلات المطلوبة، والرسائل اللي احتفظ بيها كريم اتسلمت للجهات المختصة، والورقة اللي اتسابِت عند الباب اتضمت لباقي المستندات.

ماكانش فيه حل سحري، ولا اعتراف واحد أنهى كل شيء في لحظة.

كانت فيه إجراءات، ومراجعات، وأسئلة لازم تتجاوب، وكل خطوة كانت بتوضح جزءًا جديدًا من اللي حصل.

منى بعتت لي رسالة طويلة، اعترفت فيها إنها أخطأت لما تواصلت مع الشركة من غير ما تتأكد من موافقتي، وإنها سمحت لخوفها من غضب مجدي يتحكم في تصرفاتها.

قالت إنها مستعدة تتحمل مسؤولية أفعالها، وإنها مش هتطلب مني أسامحها قبل ما أكون مستعدة.

قرأت الرسالة، لكن ما رديتش.

مش لأنني كنت عايزة أعاقبها.

لكن لأن المسامحة مش زرار بدوس عليه عشان أرجع الأمور زي الأول.

أنا محتاجة وقت.

ومحتاجة أشوف أفعال مختلفة، مش مجرد كلام.

أما كريم، فبعت لي رسالة قصيرة قال فيها إنه ندمان، وإنه مستعد يصلح أي ضرر تسبب فيه، وإنه فاهم إن اللي عمله ماكانش مجرد مساعدة لأبوه، لكنه تدخل في خصوصيتي من غير إذني.

احتفظت بالرسالة.

لكنني ما وعدتوش إن علاقتنا هترجع زي الأول.

لأن الثقة لما بتتكسر، مش كفاية إن الشخص يعترف إنه غلط.

لازم كمان يفهم حجم اللي عمله، ويقبل إن الطرف التاني من حقه يحط حدودًا جديدة.

وبالنسبة لمجدي، فالموضوع ما انتهيش بمجرد إنه خرج من البيت.

أي ادعاء بخصوص أرض والده أو مستند ناقص كان لازم يتقدم في مكانه الصحيح، بعيدًا عن بيتي وحياتي الخاصة.

وأنا، لأول مرة من سنين، بطلت أحاول أشرح له ليه من حقي أقول لأ.

في صباح هادي، صحيت بدري، وعملت قهوة، ووقفت عند شباك المطبخ.

الحديقة الصغيرة بدأت تتغير.

النباتات اللي زرعتها مع ريم بدأت تطلع ورق أخضر جديد، والستارة اللي اخترناها كانت بتتحرك مع الهوا.

بصيت ناحية الباب.

كان فيه كالون جديد، وحساب أمان راجعته مع الشركة، وكل صلاحيات الدخول اتحددت من جديد وفقًا للإجراءات المتفق عليها.

لكن أهم تغيير ماكانش في الباب.

كان جوايا.

أنا ما بقيتش الست اللي تفضل تراجع نفسها بعد كل خلاف، وتسأل إذا كانت بالغت، أو كان المفروض تسكت، أو كان ممكن تتنازل شوية عشان الدنيا تهدى.

سبعة وعشرين سنة من الجواز انتهوا، لكن ده ماكانش معناه إن حياتي انتهت معاهم.

كنت أقدر أبدأ من جديد.

أقدر أشتري بيت باسمي.

أقدر أختار مين يدخل حياتي.

وأقدر أقفل الباب في وش أي حد يحاول يفرض نفسه عليا، حتى لو كان أقرب الناس ليا.

رن جرس الباب.

بصيت للشاشة.

كانت ريم واقفة برا، ماسكة كيس مخبوزات، وبتضحك للكاميرا.

فتحت لها الباب، ودخلت وهي بتقول:

“صباح الخير يا صاحبة البيت!”

ضحكت لأول مرة من قلبي من أيام.

“صباح النور.”

حطت الكيس على الطاولة، وبصت حوالين المكان.

“ها، مستعدة نكمل ترتيب الأوضة؟”

بصيت للصالة، وللرفوف، وللستارة، وللنباتات اللي بدأت تكبر.

وقلت:

“أيوه. المرة دي هنرتب كل حاجة على مزاجنا.”

ريم ابتسمت.

وبدأنا نرتب البيت.

من غير استعجال.

من غير خوف.

ومن غير ما نستنى إذن من أي حد.

لأن البيت اللي دفعته من فلوسي ماكانش مجرد حيطان وسقف.

كان بداية حياة جديدة، حياة اخترتها بنفسي، ومش هسمح لحد ياخدها مني مرة تانية.

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى