منوعات

امضي وانتي ساكته حكايات صافي هاني

# أمضيت وأنا ساكتة.. لكنهم لم يعرفوا حقيقة الأوراق

“امضي وانتي ساكتة!”

قالها طارق بسخرية وهو يجلس أمامي، بينما كانت داليا، صديقتي المقربة، تقف بجواره واضعة يدها على بطنها التي بدأت تظهر عليها علامات الحمل.

نظرت إليهما للحظات، ثم أمسكت القلم.

لم أبكِ.

لم أجادل.

ولم أطلب تفسيرًا.

بدأت أوقع على الأوراق واحدة تلو الأخرى، بينما كان طارق يبتسم وكأنه حسم كل شيء لمصلحته.

قالت داليا بنبرة باردة:

“شايفاكِ واخدة الموضوع ببساطة غريبة.”

نظرت إليها وقلت:

“كل واحد بيظهر حقيقته في الوقت المناسب.”

منذ ثلاثة أشهر فقط، كنت أعتقد أن طارق هو سندي وأقرب شخص لي.

أما الآن، فكان يقف أمامي وكأنني موظفة انتهى دوره في حياتها، رغم أن المكان الذي نجلس فيه كان قصرًا تركه لي جدي ضمن ممتلكاته.

وبجوارنا كانت والدته، الحاجة فوزية، تتابع المشهد بابتسامة تحمل الكثير من الشماتة.

وضعت أمامي مجموعة كبيرة من المستندات.

أوراق انفصال.

تنازلات.

استقالات.

وإقرارات مالية.

قال طارق:

“لو مضيتي بهدوء، هتخرجي بشقة ومبلغ مالي محترم. لكن لو رفضتي، الموضوع هيكون أصعب.”

سألته بهدوء:

“من إمتى بدأت علاقتك بداليا؟”

تبادل الاثنان النظرات.

ثم قال:

“من حوالي تمان شهور.”

تجمدت للحظة.

ثمانية أشهر!

وفي تلك الفترة كنت أتنقل بين الأطباء وأتابع العلاج أملاً في أن يرزقنا الله بطفل.

كنت أحكي لداليا كل شيء.

كنت أخبرها عن خوفي وألمي، وكانت تستمع إليّ وتظهر التعاطف.

لم أكن أعرف أنها تخفي عني شيئًا بهذه الأهمية.

قالت الحاجة فوزية:

“داليا هتقدر تحقق لطارق اللي إنتِ مقدرتيش عليه.”

شددت قبضتي حول القلم.

كانوا يظنون أنني منهارة.

لكنهم لم يعرفوا أنني خلال الأسابيع الماضية اكتشفت أمورًا غيّرت كل حساباتي.

كنت قد استعنت بمحاسب قانوني لمراجعة بعض التعاملات المالية في شركات العائلة.

والنتيجة كانت صادمة.

هناك تحويلات مالية غير واضحة، وتعاملات مع شركات لم أكن أعرف عنها شيئًا.

والأهم من ذلك كله أن طارق لم يكن مالكًا أصليًا للشركات كما كنت أظن.

شركات “مرسي جروب” كانت مملوكة لي قانونيًا وفق المستندات التي تركها جدي قبل وفاته.

أما طارق، فكان يشغل منصبًا إداريًا فقط.

وكانت هناك مستندات أخرى أعدتها محاميتي، الأستاذة إحسان، لحماية حقوقي ومراجعة كل التصرفات المالية التي تمت خلال الفترة السابقة.

واصلت التوقيع على الأوراق التي وضعها طارق أمامي.

كان يزداد ثقة مع كل توقيع.

حتى انتهيت.

قلت:

“خلاص، خلصت.”

جمع طارق الأوراق بسرعة وقال:

“أهو كده أحسن.”

ثم دفعت أمام الحاجة فوزية ملفًا أزرق.

وقلت:

“بس فيه ملف أخير.”

فتحت الملف.

وبمجرد أن قرأت الصفحة الأولى، تغير وجهها.

قلبت الصفحة.

ثم الثانية.

ثم الثالثة.

بدأت يدها ترتجف.

قال طارق:

“فيه إيه يا أمي؟”

لم تجبه.

خطف الملف منها وبدأ يقرأ.

كانت الأوراق تتضمن مستندات تثبت الملكية القانونية للشركات، وتوضح حدود صلاحياته الإدارية، إلى جانب تقارير محاسبية عن تحويلات مالية تحتاج إلى مراجعة رسمية.

رفع عينيه نحوي وقال:

“إنتِ كنتِ عارفة؟”

ابتسمت بهدوء.

“عرفت قبل ما أوقع.”

قال بعصبية:

“يبقى إنتِ كنتِ بتلعبي بيا!”

هززت رأسي.

“لأ. أنا كنت بحاول أفهم الحقيقة.”

ثم أشرت إلى الأوراق.

“وأنت ساعدتني أفهمها.”

في تلك اللحظة، انفتح الباب.

دخلت الأستاذة إحسان برفقة اثنين من المختصين بالمراجعة المالية وأحد مسؤولي الشركة.

قالت بهدوء:

“مساء الخير يا أستاذ طارق.”

نظر إليها بارتباك.

“إنتِ هنا ليه؟”

قالت:

“بناءً على تعليمات موكلتي، سيتم الآن اتخاذ الإجراءات الإدارية اللازمة لحماية أصول الشركة ومراجعة جميع التعاملات محل الملاحظة.”

ساد الصمت.

ثم قالت له:

“وأنت تعلم جيدًا أن منصبك الإداري لا يمنحك حق التصرف في أموال الشركة خارج حدود صلاحياتك.”

جلست الحاجة فوزية على الكرسي وهي غير قادرة على استيعاب ما يحدث.

أما داليا، فكانت تنظر إلى طارق في انتظار أن يفعل شيئًا.

قالت:

“طارق، إنت قلت إن كل حاجة هتبقى لينا.”

التفت إليها بغضب:

“مش وقت الكلام ده.”

نظرت إليها وقلت:

“داليا، أنا كنت بحكيلك عن كل حاجة.”

بدأت عيناها تمتلئان بالدموع.

“أنا كنت بعتبرك أختي.”

خفضت رأسها.

لم أرفع صوتي عليها.

ولم أحتج إلى الصراخ.

قلت فقط:

“الخيانة مش بس في اللي حصل بينك وبين طارق. الخيانة الحقيقية إنك كنتِ بتسمعي وجعي، وبعدها تستخدميه ضدي.”

لم تجد ما تقوله.

أما طارق، فكان لا يزال يحدق في المستندات.

قلت له:

“من النهارده، كل حاجة هتتراجع بشكل رسمي.”

رد:

“إنتي عايزة تدمريني.”

أجبته:

“لأ.”

ثم نظرت إليه بثبات.

“أنا بس مش هسمح لحد يدمر حياتي.”

## بداية جديدة

في اليوم التالي، بدأت الإجراءات الإدارية والقانونية لمراجعة حسابات الشركة والتعاملات المالية السابقة.

تم إيقاف صلاحيات طارق الإدارية مؤقتًا إلى حين انتهاء المراجعة، وبدأت الشركة في إعادة تنظيم إدارتها.

أما أنا، فدخلت مكتبي للمرة الأولى وأنا أشعر أنني استعدت شيئًا أهم من المال.

استعدت قراري.

وقفت أمام صورة جدي وقلت:

“سامحني يا جدي.”

كنت أظن أن الحفاظ على الزواج يعني أن أتحمل كل شيء.

لكنني فهمت أن العلاقة الصحية لا تقوم على الخوف، ولا على التنازل عن الحقوق، ولا على تجاهل الإهانة.

بعد فترة، تم الانفصال بيني وبين طارق بشكل رسمي.

وفي يوم خروجي من المحكمة، وجدته ينتظرني.

قال:

“كريمة، أنا عايز أقولك إني ندمت.”

نظرت إليه بهدوء.

“الندم مايرجعش الثقة.”

قال:

“بس أنا كنت بحبك.”

ابتسمت بحزن.

“الحب مش كلام.”

ثم أضفت:

“الحب مسؤولية واحترام وأمان.”

ظل صامتًا.

قلت:

“أنت اخترت طريقك، وأنا اخترت أبدأ حياتي من جديد.”

وتركت المكان دون أن ألتفت خلفي.

## بعد عام

مرت الأيام.

عدت إلى عملي، وأعدت ترتيب حياتي بعيدًا عن كل ما حدث.

بدأت أراجع أوضاع الشركة، وأصلح الأخطاء الإدارية، وأهتم بالموظفين الذين تعرضوا للضغط خلال الفترة السابقة.

ولأول مرة منذ سنوات، شعرت أنني أعيش لنفسي.

لم يعد هدفي أن أثبت لطارق أنني أقوى.

ولم أعد أريد الانتقام من داليا أو والدته.

كنت أريد فقط أن أستعيد السلام الذي فقدته.

وفي مساء هادئ، جلست في حديقة المنزل، أتأمل السماء.

تذكرت تلك الليلة.

تذكرت القلم.

وتذكرت صوت طارق وهو يقول:

“امضي وانتي ساكتة.”

ابتسمت.

فقد كان يعتقد أن توقيعي يعني أنني خسرت.

لكنه لم يعرف أنني كنت أوقع على نهاية مرحلة كاملة من حياتي.

لم أخرج من التجربة منتصرة لأنني احتفظت بالمال أو الشركة.

خرجت منتصرة لأنني تعلمت ألا أتنازل عن كرامتي وحقوقي خوفًا من فقدان شخص لا يقدرني.

ومنذ ذلك اليوم، أصبحت أؤمن أن بعض النهايات  ليست نهاية الحياة.

أحيانًا تكون هي البداية الحقيقية.

**النهاية**

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى