
“أتمنى الأمور بخصوص الأرض تكون اتظبطت معاكم.”
قالت ماما بسرعة:
“الحمد لله يا ابني، المحامي بتابع كل حاجة. متشكرين لذوقك ومساعدتك.”
قال ياسين باحترام:
“ده واجب يا طنط. وأنا تحت أي طلب لو احتجتوا أي استشارة.”
وبعدين بص لإيمان، وقال بصوت هادئ:
“مساء الخير يا إيمان.”
إيمان ردت بهدوء:
“مساء النور يا بشمهندس.”
سكت ثواني، كأنه كان محتار يقول إيه تاني، وبعدين ودعنا وركب المصعد مع زميله.
وقفت مكانى، وحسيت بغصة في ضلوعي.
الطريقة اللي اتكلم بيها، وأخلاقه اللي ظهرت في كل المواقف دي، خلتني أحس بندم حقيقي على كل كلمة قلتها، وعلى كل حركة عملتها عشان أخده لنفسي.
رجعت البيت مع ماما وإيمان، وكانت الطريق كلها صمت.
كل واحدة فينا كانت غارقة في أفكارها.
بعد اليوم ده، عدت أسابيع هادئة نسبيًا.
المحامي بدأ ينجز في إجراءات الأرض، وماما كانت بتتابع معاه أول بأول.
أما أنا، فكنت بقضي معظم وقتي في أوضتي، بفكر في حياتي وإزاي خسرت كل حاجة بسبب طمعي وعنادي.
وفي يوم من الأيام، واحنا قاعدين في الصالة، جرس البرا رن.
قمت أفتح، ولقيت عمتي منى واقفة على الباب، ووشها ماليان ابتسامة عريضة.
أول ما شافتني، حضنتني وقالت:
“مبروك يا سهى.”
استغربت وسألتها:
“مبروك على إيه يا عمتي؟”
دخلت وقالت لماما وإيمان اللي جم ورانا:
“ياسين طلب إيد إيمان رسمي، وأهلنا في البلد كلهم عرفوا، ومحدش صدق إن البنت المحترمة دي هتبقى مرات ابن عمنا الكبير!”
ماما ابتسمت بسعادة، وإيمان بصت في الأرض بكسوف واضح، وخدودها احمرت.
أما أنا…
فلأول مرة، حسيت بشعور غريب جوه قلبي.
مش غيظ، ولا نفسنة زي ما كنت متعودة.
كان إحساس بالراحة.
راحة لأن أختي اللي استحملت كتير، واستحملت طريقتي وأنانستي، لقت الشخص اللي بيقدرها ويحترمها بجد.
قربت من إيمان، وحضنتها قدام ماما وعمتي، ودموعي نزلت غصب عني.
قلت لها بصوت مهتز:
“مبروك يا إيمان.. ربنا يسعدك، وتستاهلي كل خير.”
إيمان حضنتني بقوة، وقالت بصوت دافئ:
“الله يبارك فيكي يا سهى.. عقبال ما تلاقي الإنسان اللي يسعدك بجد.”
ساعتها حسيت إن الجبل اللي كان على صدري انزاح.
فهمت أخيرًا إن الحياة مش منافسة، وإن الإنسان مش بياخد غير نصيبه.
وإن الحصاد الحقيقي مش بالفلوس والمظاهر، بل بالقلب السليم اللي بيعرف يفرح لفرحة غيره.




