روايات وقصص

ابن اخويا حكايات صافي هاني

 

بس اسمي مكتوب بخط واضح.

 

فتحته.

 

جواه صورة ليا وأنا خارج من المستشفى، وصورة تانية للؤي ومي وهما داخلين العمارة معايا.

 

وتحت الصورتين ورقة صغيرة مكتوب فيها:

 

“إنت فاكر إنك بتحميهم، لكنك مش عارف هما شافوا إيه.”

 

فضلت باصص للورقة.

 

ماخفتش على نفسي.

 

خفت عليهم.

 

دخلت البيت، واتأكدت إن الأطفال مع المربية اللي بثق فيها، واتصلت بالضابط المسؤول عن التحقيق.

 

طلب مني أحتفظ بالظرف والصور، وما أواجهش أي شخص بنفسي.

 

وافقت.

 

لكن لما دخلت أوضة لؤي ومي، لقيتهم قاعدين جنب بعض، ومي ماسكة صندوق ألعاب صغير.

 

أول ما شافتني، قفلته بسرعة.

 

لؤي قام يحاول يتحرك ناحيتي، لكن رجله وجعته، فساعدته يقعد.

 

قلتله:

 

“إيه يا بطل؟ براحة على رجلك.”

 

بص للصندوق.

 

وبعدين قال:

 

“عمو طارق، إحنا لازم نقولك حاجة.”

 

قعدت قدامهم.

 

“أنا سامعكم.”

 

لؤي خد نفس طويل.

 

“يوم ما بابا مات، ماما ريهام قالت لنا إننا منروحش عندك أبدًا.”

 

مي كملت:

 

“وقالت لو طارق عرف اللي حصل، كلنا هنتحبس.”

 

حاولت أخلي صوتي ثابت.

 

“اللي حصل إيه؟”

 

لؤي بص لأخته.

 

وبعدين قال:

 

“إحنا مكناش في البيت وقت الحادثة كلها. إحنا كنا في أوضتنا، لكن قبل ما بابا يخرج، سمعناه بيتخانق مع ماما.”

 

مي قالت:

 

“وبعدها ماما خدت من بابا ورقة صغيرة، وحطتها في علبة الحاجات القديمة.”

 

لؤي هز راسه.

 

“ولما رجعت، قالت لنا إن بابا سافر، وإننا لو قلنا لحد إنه كان في البيت، هتودينا مكان بعيد.”

 

قلبي كان بيدق بعنف.

 

“إنتوا شفتوا بابا بعد كده؟”

 

لؤي نزل عينه.

 

“لأ.”

 

مي بدأت تعيط.

 

“بس أنا سمعت ماما بتقول في التليفون إن الورقة لازم تختفي، وإن محدش لازم يعرف إن إيهاب كان عارف.”

 

سكتت الأوضة.

 

أنا ماكنتش عارف إذا كان الكلام ده هيغير اتجاه التحقيق، لكن كنت عارف إن الأطفال محتاجين حد يسمعهم من غير ما يحسسهم إنهم مسؤولين عن أي حاجة.

 

قلت لهم:

 

“إنتوا عملتوا الصح إنكم حكيتوا. ومش مطلوب منكم تعرفوا كل التفاصيل، ولا تثبتوا حاجة بنفسكم. الكبار والجهات المسؤولة هما اللي هيتأكدوا من الحقيقة.”

 

مي مسحت دموعها.

 

“طب لو ماما رجعت؟”

 

“هنلتزم بقرارات الجهات المسؤولة، وأي مقابلة هتكون بطريقة تحافظ على سلامتكم.”

 

لؤي سأل:

 

“وهنفضل مع بعض؟”

 

مديت إيدي ومسكت إيديهم.

 

“هنعمل كل اللي نقدر عليه عشان تفضلوا مع بعض.”

 

في الليلة دي، فضلت صاحي لحد الفجر.

 

كنت بفكر في الخطاب، والمفتاح، والورقة اللي اختفت، والراجل اللي مي رسمته في الصورة.

 

وفكرت في حاجة واحدة ماقدرتش أتجاهلها.

 

إيهاب كان عارف إن فيه خطر.

 

وكان بيحاول يحمي عياله.

 

لكن هل مات وهو بيحاول يوقف اللي كان بيحصل؟

 

ولا فيه جزء من الحكاية لسه محدش عرفه؟

 

تاني يوم، الضابط اتصل بيا.

 

“يا أستاذ طارق، محتاجين نقابلك بخصوص الهاتف القديم.”

 

روحت مقر التحقيقات، وهناك عرضوا عليا نتيجة الفحص الأولي.

 

الهاتف كان فيه تسجيل صوتي قديم، مدته أقل من دقيقتين، متسجل قبل وفاة إيهاب بيوم.

 

الضابط قال:

 

“التسجيل محتاج فحص فني للتأكد من سلامته، لكن ممكن تسمعه دلوقتي.”

 

شغل التسجيل.

 

في البداية، كان فيه صوت حركة وأوراق.

 

وبعدين سمعت صوت أخويا.

 

“أنا مش هوقع على الورق ده.”

 

صوت رجل تاني رد:

 

“إنت مش فاهم العواقب يا إيهاب.”

 

إيهاب قال:

 

“أنا فاهم كويس. واللي بيحصل ده مش هسكت عليه.”

 

صوت الرجل ارتفع:

 

“فكر في عيالك.”

 

إيهاب رد من غير تردد:

 

“أنا بفكر فيهم، وعشانهم مش همضي.”

 

بعدها سمعنا صوت باب بيتقفل، وخطوات، وبعدين صوت أخويا مرة تانية، لكن المرة دي كان بيتكلم في التليفون.

 

“طارق، لو سمعت الرسالة دي، اتصل بيا أول ما تقدر. الموضوع أكبر من الأرض والفلوس. فيه حد بيحاول يخليني أبان إني وافقت على حاجات أنا عمري ما وافقت عليها.”

 

التسجيل انتهى.

 

فضلت باصص للشاشة.

 

الضابط قال:

 

“إحنا بنحاول نحدد هوية الصوت التاني، ونقارن التسجيل بالمعلومات اللي عندنا.”

 

سألته:

 

“والراجل ده ممكن يكون هو اللي مي شافته؟”

 

“ممكن، لكن ما نقدرش نجزم قبل الفحص والمقارنة.”

 

رجعت البيت وأنا شايل نسخة من كلام أخويا في دماغي.

 

فيه حد كان بيضغط عليه.

 

وفيه حد كان بيحاول يستخدم توقيعاته.

 

وفيه شخص كان عارف إن الأطفال ممكن يكونوا شهود على جزء من اللي حصل.

 

لكن لسه مفيش دليل يثبت إن أي حد من دول تسبب في وفاة إيهاب.

 

وده كان لازم يفضل واضح، مهما كانت شكوكي.

 

لأن الحقيقة مش هتظهر بالغضب.

 

الحقيقة هتظهر بالأدلة.

 

بعد أسبوع، لؤي بدأ يمشي بمساعدة العكاز الصغير اللي جابهوله الدكتور، ومي رجعت تلعب وتضحك أكتر.

 

كنت كل يوم أرجع من الشغل بدري، أقعد معاهم، وأحاول أديهم إحساس إن الحياة ممكن تبقى طبيعية.

 

في يوم، لقيت لؤي مستنيني في الصالة.

 

كان ماسك ورقة.

 

“عمو، أنا كتبتلك حاجة.”

 

أخدت الورقة.

 

كان كاتب بخط طفل صغير:

 

“أنا لؤي. عندي ست سنين. بحب بابا. وبحب مي. وبحب عمو طارق عشان صدقني.”

 

حطيت الورقة على صدري، وحضنته.

 

“وأنا بحبك يا لؤي.”

 

مي جت تجري علينا، ورفعت إيديها عشان أشيلها.

 

“وأنا كمان كتبت!”

 

أخدت ورقتها.

 

كانت رسمة بيت، وشباك مفتوح، وشمس كبيرة فوق السقف.

 

وتحت الرسمة، كتبت بمساعدة المربية:

 

“أنا مش خايفة أنام.”

 

دموعي نزلت من غير ما أحس.

 

يمكن كنت قادر أواجه رجال أعمال، وأحل نزاعات معقدة، وأدخل اجتماعات محدش غيري يقدر يدخلها.

 

لكن ماكنتش قادر أرجع لطفلين إحساسهم بالأمان في يوم وليلة.

 

كل اللي قدرت أعمله إني أكون موجود.

 

كل يوم.

 

من غير وعود أكبر من قدرتي.

 

ومن غير ما أطلب منهم ينسوا اللي حصل.

 

بعد أيام تانية، المحامي اتصل بيا وقال إن فيه جلسة قريبة لمراجعة ترتيبات الرعاية المؤقتة، وإن التحقيقات لسه مستمرة.

 

وفي نفس اليوم، وصلني إخطار إن ريهام طلبت مقابلة الطفلين بحضور مختص.

 

ما رفضتش لمجرد إني غاضب منها، وما وافقتش من غير ما أعرف تفاصيل الإجراءات.

 

سيبت الأمر للجهات المسؤولة عن تقييم سلامة الطفلين، وقلت إن أي مقابلة لازم تكون برضاهم النفسي، وفي مكان آمن، ومن غير ضغط أو تهديد.

 

لؤي لما عرف، سألني:

 

“هو لازم نشوفها؟”

 

قلتله:

 

“مش مطلوب منك تقرر حاجة لوحدك. الناس المختصة هتسمعك، وهتراعي مصلحتك.”

 

مي كانت ساكتة، وبعد شوية قالت:

 

“أنا عايزة أسألها سؤال واحد.”

 

“إيه هو؟”

 

“ليه كانت بتقول إن بابا مش بيحبنا؟”

 

حسيت بوجع في قلبي.

 

“هنخليكي تعبري عن اللي جواكي بالطريقة اللي تريحك، لكن مش لازم تسمعي أي كلام يوجعك.”

 

هزت راسها.

 

وبعدها رجعت تلعب.

 

في المساء، كنت قاعد في المكتب براجع أوراق القضية، لما وصلني اتصال من الضابط.

 

صوته كان مختلف.

 

“يا أستاذ طارق، محتاجينك تيجي بكرة الصبح.”

 

“فيه إيه؟”

 

“ظهر مستند جديد في القضية، ومش هينفع أشرح تفاصيله في التليفون.”

 

“مستند يخص ريهام؟”

 

سكت لحظة.

 

“يخص أخوك، ويخص الشخص اللي كان بيتواصل معاه قبل وفاته.”

 

قفلت التليفون، وبصيت للصورة اللي حطيتها على المكتب.

 

أنا وإيهاب، وإحنا صغيرين، واقفين قدام بيتنا القديم.

 

كان يومها بيضحك، وحاطط إيده على كتفي، وبيقولي إنه لما يكبر هيبقى عنده بيت مليان عيال، وإنه مش هيسمح لأي حد يخليهم يخافوا.

 

كنت فاكر إن أكبر واجب ليا بعد موته هو إني أحمي أولاده من الدنيا.

 

لكن الحقيقة إن واجبي كان أكبر.

 

كان لازم أعرف إزاي أخويا عاش آخر أيامه، وليه اضطر يخبي عني خوفه، ومين اللي كان بيحاول يستغل ثقته.

 

تاني يوم، رحت مقر التحقيقات.

 

الضابط حط قدامي صورة مستند، وشرح إن فيه توقيعًا منسوبًا لإيهاب ظهر في معاملة مالية قبل وفاته بفترة قصيرة، لكن التاريخ الموجود عليه كان محل شك، وإن التحقيق الفني لسه مستمر.

 

بصيت للتوقيع.

 

كان شبه توقيع أخويا.

 

شبهه لدرجة إن أي حد مش عارف خطه ممكن يصدقه.

 

لكن فيه تفصيلة صغيرة.

 

إيهاب كان دايمًا بيكتب آخر حرف في اسمه مائل لفوق، أما التوقيع ده فكان نازل لتحت.

 

تفصيلة بسيطة، لكنها تستحق الفحص.

 

الضابط لاحظ إني مركز فيها.

 

“فيه حاجة لفتت نظرك؟”

 

قلتله:

 

“أيوه. بس مش هقدر أقول إنها دليل لوحدها. لازم خبير خطوط يفحصها.”

 

هز راسه موافقًا.

 

وبعدين طلع ورقة تانية.

 

“فيه كمان إفادة من شخص كان بيتعامل مع أخوك في شغله، وذكر إنه شافه قبل وفاته بيوم، وكان قلقان جدًا.”

 

“مين الشخص؟”

 

ناولني الورقة.

 

قرأت الاسم.

 

وساعتها فهمت ليه أخويا كتب في الخطاب إنه مش عايز يكتب اسم الشخص اللي بيشك فيه.

 

لأن الاسم اللي قدامي كان اسم شريكه القديم.

 

الرجل اللي ساعده يبدأ أول مشروع في حياته.

 

والرجل نفسه اللي وقف جنبي في العزا، وحط إيده على كتفي وقاللي:

 

“إيهاب كان زي أخويا.”

 

رفعت عيني للضابط.

 

“هو قال إيه في إفادته؟”

 

رد:

 

“قال إن إيهاب كان ناوي يقابل شخصًا تاني في يوم وفاته، وإنه سمعه بيقول إنه لازم يسترد ورقة مهمة قبل ما يحصل أي تصرف في الأرض.”

 

سألته:

 

“والشخص التاني مين؟”

 

الضابط قلب الورقة، ووراني سطرًا في آخر الصفحة.

 

اسم ريهام كان مكتوب.

 

لكن جنبه ملاحظة صغيرة من المحقق:

 

“لم يتم التحقق بعد من صحة الموعد أو طبيعة اللقاء.”

 

خرجت من مقر التحقيقات وأنا فاهم إن كل اسم جديد مش معناه إن صاحبه مذنب.

 

لكن كل تفصيلة كانت بتقربنا من الإجابة.

 

رجعت البيت، ولقيت مي قاعدة مع لؤي في الحديقة.

 

كانت بتعلمه يرسم شجرة، وهو بيحاول يرسمها بخطوط متعرجة.

 

لما شافوني، رفع الورقة.

 

“بص يا عمو، دي الشجرة اللي هنزرعها قدام البيت.”

 

قلتله:

 

“جميلة. وهنزرعها فعلًا.”

 

مي قالت:

 

“ولما تكبر، هنقعد تحتها أنا ولؤي.”

 

بصيت لهم.

 

ولأول مرة من شهور، حسيت إن أخويا سابلي فرصة أعمل حاجة صح.

 

مش إني أرجع الماضي.

 

لكن إني أحمي المستقبل.

 

في الليلة دي، بعد ما ناموا، فتحت درج مكتبي، وحطيت فيه الخطاب القديم والمفتاح والصورة اللي رسمتها مي.

 

كنت ناوي أحتفظ بيهم لحد ما التحقيق يخلص، وبعدها أسلم كل ما يلزم تسليمه للجهات المختصة.

 

لكن قبل ما أقفل الدرج، لقيت ورقة صغيرة كانت ملزوقة من ضهر الصورة القديمة.

 

فكيتها بالراحة.

 

كان عليها سطر واحد بخط إيهاب:

 

“طارق، لو وصلت للنقطة دي، متدورش على اللي كرهني. دور على اللي كان مستفيد من سكوتي.”

 

قريت الجملة مرتين.

 

وبعدين تلاتة.

 

لأنها غيرت السؤال كله.

 

مين كان بيكره أخويا؟

 

ده سؤال ممكن يوديني لدوامة اتهامات ملهاش نهاية.

 

لكن مين كان مستفيد من سكوته؟

 

ده سؤال له إجابات ممكن تتراجع بالأوراق والتحويلات والعقود والشهادات.

 

قعدت قدام المكتب لحد وقت متأخر.

 

بدأت أكتب قائمة بكل المعاملات اللي ظهرت في الملف، وكل تواريخها، وكل الأشخاص المرتبطين بيها، من غير ما أستنتج اتهامات من نفسي.

 

وفي آخر القائمة، كتبت اسم إيهاب.

 

وتحته كتبت:

 

“كان بيحاول يحمي ولاده، لكن مين كان عايز يمنعه من الكلام؟”

 

تاني يوم الصبح، لقيت رسالة من الضابط بيقول فيها إنهم عايزين يسمعوا أقوالي بخصوص بعض المعاملات اللي ظهرت في الملف.

 

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى